الصدر والمراهقة السياسية

3

مرة أخرى يبرهن لنا مقتدى الصدر عن تذبذبه ورضوخه للضغوط، بالأخص الأمريكية منها. فلم يمر سوى يومين على إطلاق واشنطن لتهديداتها وإعلان استعدادها للتدخل عسكرياً لحماية خطوطها الحمراء المتمثلة بالرئاسات الثلاث، حتى تراجع الصدر عن وعيده وتهديده للعملية والسياسية والرئاسات الثلاث، وأمر أصحابه بالبرلمان بالانسحاب من مجموعة البرلمانيين المعتصمين، ومتظاهريه بفض مظاهراتهم وحصارهم لمباني الوزارات والاكتفاء بالتظاهر بساحة التحرير، والتي سوف لن تلبث طويلاً، فمن المتوقع أن يوعز الصدر لاحقاً بفضها ويأمر أصحابه بالرجوع لبيوتهم.

هكذا وكأن الأمر كان نزهة خرج فيها المتظاهرون تحقيقاً لرغبة جامحة من رغبات مقتدى الصدر. وتبخرت كل الشعارات التي كان قد رفعها مطالباً بالإصلاح وتشكيل حكومة التكنوقراط وغيرها من الشعارات الرنانة.

ليس مستغرباً منه ذلك الموقف، وهو الذي تحول من شخص مناهض للاحتلال الأمريكي “كما يدعي” في 2004، الى قائد مليشيا تتعاون مع الأمريكان ضد المقاومين لهم، وقد كان بأسه شديداً في عضد تلك المقاومة.

السؤال هنا، كم كسب الصدر مقابل هذه التنازلات؟ ذلك لعلمنا إنه في سنة 2004 عندما تخلى عن محاربة الأمريكان في النجف، قد وافق على بيع سلاحه مقابل بضعة من ملايين الدولارات، ناسياً ما كان ينادي به ويُصر عليه في تصريحاته بضرورة مقاومة الاحتلال حتى يرحل تماماً عن أرض العراق !!!

وها هو مجدداً، يبيعُ الصدر حلفائه، حينما تخلى عن الاعتصام داخل البرلمان وترك من تحالف معهم من النواب ليواجهوا مصيرهم لوحدهم. وهو الذي تعاهد معهم على استمرار الاعتصام حتى يعلن الرؤساء الثلاث استقالتهم وتشكيل حكومة التكنوقراط كما يسمونها وعلى نبذ المحاصصة الطائفية والحزبية، إلى آخر القائمة من الشعارات.

ولكن الصدر عندما أدرك إن المالكي ركب موجهة الإصلاح مثله وبدأ يتسلق عليه للوصول إلى رئاسة الوزراء (مما يعني خروجه خالي اليدين من كل هذه المسرحية) ترك كل تلك الادعاءات والشعارات وراء ظهره وسحب يديه من كل تلك العملية.

لقد كان دخول الصدر وأتباعه على خط المطالبة بالإصلاح مفاجئاً للجميع، فقد دخل في الوقت الذي بدأ الشعب بشرائحه المثقفة والبسيطة لتظاهراتهم واعتصاماتهم العفوية، والتي تعبر عن حقيقة رأي الموطن العراقي إزاء الفساد الذي يمارسه السياسيين، والتحقت بهم شريحة طلاب الجامعات، واكتظت بهم ساحات الجامعات العراقية مطالبين بالإصلاح الحقيقي للبلد. في ذلك الوقت فقط، شعر السياسيون بالخطر، وبدأ كل واحد منهم يطالب بالإصلاح ومحاربة الفساد وفي ذلك الوقت فقط دخل الصدر على خط الاصلاح. حينها وقف الشعب في حيرة من أمره، أذا كان كل السياسيين يطالبون بالإصلاح فمن هو المفسد إذن؟

إنه ضحك على الشعب من قبل السياسيين بمجموعة من الشعارات. وإلا فما تفسير أن يقوم المالكي أيضاً بالدعوة للإصلاح؟ وهو الذي قضى ثمان سنوات يترأس حكومة أزكمت أنوفنا بفسادها.

لهذا السبب قام الصدر بحركة استباقية، من خلال الانضمام إلى المتظاهرين مدعياً نفسه بأنه راعي الإصلاح، وحشد كل أتباعه للتغطية على تظاهرات المواطنين الذي يريدون الإصلاح بحق. يجرُ أتباعه من خلفه بسياسة القطيع التي يتعامل بها معهم. يمشي الناس من خلفه لا يعرفون لماذا ولا أين يذهبون.

بعد ذلك ماذا عن تصريحاته وصوته العالي الذي يرفض به زيادة القوات الامريكية في العراق؟ لماذا لاذ صاحبنا بالصمت وكأنَّ به صمم، على تلك الزيادة بالقوات الأمريكية؟ هل هي التهديدات الأمريكية أم الاتفاقات التي جرت معهم في الغرف المغلقة كانت السبب؟ أم إنه مشغول الأن بالمطالبة بالإصلاح ولا وقت لديه لمثل هذه التفاهات؟

لا غرابة من الصدر وأتباعه أن يتخلوا عن شعاراتهم أو عن الذين خرجوا معهم للمطالبة بالإصلاحات، فقد تخلوا فيما سبق عن أصحابهم بالعملية السياسية أيام المالكي، حينما اجتمع معظم النواب وعقدوا العزم على سحب الثقة من المالكي وإسقاطه من رئاسة الوزراء، وأتفق الصدر حينها مع جميع الكتل لغرض إقالة المالكي، لكنه وباللحظة الأخيرة، قام بالتخلي عنهم لترتيبات واتفاقات أبرمها مع المالكي.

الى متى يبقى أنصار المراهقين السياسيين يمشون خلفهم كأنهم دمى منزوعة الإرادة، يثورون بالوقت الذي يريدون، ويوالون بالوقت الذي يريدون. تارة ضد الحكومة، وأخرى معها. ولم يبادر أحد من هؤلاء أن يسأل نفسه لماذا يتم التلاعب بي على هذا النحو؟ وأين المنفعة التي أجنيها وأنا أتبعهم.

هل تستحق مثل هذه الشعوب فعلاً العيش ببلد كريم خالي من الفساد؟  وهي تتحرك كالقطعان؟

إنَّ الشعوب الحرة والواعية هي فقط من تستحق الحياة الكريمة، ويعاملون كبشر لهم كرامتهم واحتياجاتهم الإنسانية. وليس الشعوب التي ترهن مصائرها بمراهقات السياسيين أو الطامحين للسلطة.

إنَّ التغير الذي حصل بالعراق لم يؤثر على جغرافيته وديمغرافيته فحسب، إنما أثّر أيضاً على الإنسان العراقي نفسه. فقد تمت امتهان كرامته والتسلَّقَ على أحلامه وطموحاتهِ بالتغير لغد أفضل، ومع ذلك لا أحد منهم يقول لهم كفى خداعاً وكفى زيفاً.

أصاب الصدر رؤوسنا بالدوار وهو ينادي بالإصلاح، مع علمنا علم اليقين، أنَّ الوزارات التي أستلمها التيار الصدري كانت من أفسد الوزارات مقارنةً بغيرها من الوزرات.

أن المطالبة بالإصلاح قام بها أتباع التيار المدني والناس العاديين البعيدين كل البعد عن أي تيار سياسي أو ديني من المتصدرين للعملية السياسية الحالية. لكنَّ ما فعله الصدر، هو ركوب هذه الموجة وأوهَمَ الناس أنه مساندٌ لمطالبهم، فانطلت عليهم الخدعة وجعلوه زعيماً لهم.

كيف يدعو الى عدم المحاصصة الطائفية والحزبية وهو الذي كان بطل الحرب الاهلية وعنوانها البارز مع ميلشياته التي كانت تسمى “جيش المهدي” ما بين سنة 2006 والتي بعدها؟  تلك الفترة التي تلطخت فيها أيديه بدماء العراقيين على طول البلاد وعرضها. كيف برجلٍ زعيم مليشيا أن يتحول بين ساعة واخرى الى مصلح اجتماعي وينادي بالإصلاح؟

وعندما احتدمت أزمة إقالة رئيس البرلمان وأشتدَّ الخلاف بينه وبين المالكي على جني المكاسب، ذهب إلى صاحبه حسن نصر الله في لبنان والى مراجعه بإيران ليجعلهم حكما بينه وبين المالكي، ألم يجد شريفاً من أشراف العراق يحل له مشاكله مع غريمه؟

هل تتوقعون أن تياراً مثل التيار الذي يقوده الصدر يضم أمثال المجرم “أبو درع” أن يتحولوا الى مصلحين؟ من أين خرجت مليشيات “عصائب الحق” والتي عاثت بالأرض فساداً؟ ومن قبلها ميلشيا “جيش المهدي”. تلك المليشيا التي حول أسمها الى “سرايا السلام” ضناً منه أن تغير الأسماء سوف يغير من حقيقة الأشياء.

إنَّ أبلغ وصفٍ يمكن أن نصف به سياسيين العراق الحاليين على اختلافهم، هو ما وصف به الشاعر العراقي مظفر النواب حينما قال:

لستُ خجولاً حين أُصارحكم بحقيقتكم

أنَّ حضيرة خنزيرٍ أطهرَ من أطهرِكم

قد يعجبك ايضا
3 تعليقات
  1. سهيل الهلكي يقول

    لا طُهرَ إلاّ لمن طهَّرَهم اللهُ بكتابِه العزيز ولا يوجد سياسي نبيل في كل أرجاء المعمورة إلا من أشار عليهم الله سبحانه وتعالى ورسوله الكريم بالتنصيص أو التشخيص

  2. احمد محمد الشمري يقول

    كلام واقعي
    فعلا لايتم الإصلاح إلا من اناس صالحين محبين لوطنهم غير ملطخة أيديهم بدماءنا

  3. ابو علي البصري يقول

    جزيت خيرا
    هذا هو ديدن المنتفعين والانتهازيين اللهاثين وراء المصالح
    لكن لاعجب على أمثالهم من باعوا بلدهم مقابل عرض زاءل

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More