السبت, مايو 28, 2022
الرئيسيةتحرر الكلامالجيوش الوطنية والثورات العربية دراسة منهجية تجريبية موثقة

الجيوش الوطنية والثورات العربية دراسة منهجية تجريبية موثقة

الجيوش فيما بعد الاستقلال[الجيوش الوطنية المتعددة] (2)

بتمام عقد الستينيات من القرن العشرين حصلت كل الدول العربية التي خضعت للسيطرة الأجنبية على استقلالها السياسي ، وشرعت في تأسيس أركان ودعائم الدول الحديثة ، سواء أكانت وطنية في إطار قومية أشمل وأعم مثل الدول العربية ، أو قومية مستقلة مثل إيران وأفغانستان وتركيا ، مع مراعاة أن الأخيرة لم تخضع للسيطرة الأوروبيــة المباشرة مثل الدول العربيـة ، وكان من ضمن أركان الدول الحديثة التي شرعت تلك الدول في تثبيتها إقامة جيوش وطنية قوية وحديثة مختلفة الأهداف والمقاصد ، فما هي الأسس التي قامت عليها تلك الجيوش ؟ ، وهل ثمة تنسيق بين الجيوش في الدول العربية ؟ ، هذا ما سوف نتعرض لبحثه في هذا المقال :   

أولاً : الأسس التي قامت عليها جيوش ما بعد الاستقلال :

كانت الجيوش الوطنية والقومية التي تأسست في الدول العربية عقب الاستقلال عن السيطرة الأجنبية هي إحدى مستلزمات ومرتكزات الدولة الحديثة ، وقد عمدت تلك الدول إلى إقامة جيوشها على أسس معينة تشابهت فيما بينها إلى درجة التطابق ، ويمكن تنــاول تلك الأسس فيما يلي : 

أ : تأسيس الجيوش على توجهات وطنية أو قومية :

كان للانعتاق من نير السيطرة الأجنبية تأثير فعّال وحاسم في إزكاء النزعة الوطنية والقومية، التي أيقن الجميع أنها النتيجة العظيمة التي تم استخلاصها من فترات النضال ضد تلك السيطرة ، ومكافأة عن المعاناة والتضحيات التي قدمتها الشعوب الخاضعة ، وأمام هذا الانبهار والإعجاب الشديد بالذات الوطنية المغلّفة بغلاف القومية ، لم يكن من المستساغ أو حتى المقبول الحديث عن توجهات تتجاوز نطاق هذين التوجهين اللذين ازدهرا وأينعا بشكل لم يسبق له مثيل ، ولا يمكن الحديث في هذا السياق عن صراع بين التوجه الإسلامي والتوجهين الوطني والقومي بالمعنى الدقيق للكلمة ، لأن التوجه الأول كان هو الجامع والمقوي بشكل أو بآخر للتوجهين الآخرين ، ولكن ما حدث كان نوعاً من ترتيب الأفضليات ، حيث بدا التوجهان الوطني والقومي أكثر عملية وتعبيراً عن الآمال والطموحات وامتلكا أدوات الحركة السياسية التي افتقدها في ذلك الوقت التوجه الإسلامي .     

وبناء على ذلك كان الشروع في تأسيس أركان الدول فيما بعد الاستقلال بما يمجد ويقدس هاتين النزعتين ، وكان ذلك هو حال كافة الدول في العالم العربي ، حتى تلك التي لم تخضع ألبته للسيطرة الأجنبية ، أو خضعت لها بشكل غير مباشر ، والمتأمل بعمق في أحداث وتطورات هذه الآونة يلمس أن التوجه الإسلامي قد انشطر إلى شقين : الأول ذلك الذي اعتمد على الطروحات النظرية ، وأخذ يوائم التحركات السياسية وفقاً لها ، والثاني ذلك الذي اعتمد على الحركة السياسية بشكل مباشر ، وطمح في المشاركة في الحكم ، وانخرط في نزاعات ومنافسات مع القائمين على الدول حديثة الاستقلال ، وتردد أعضاء الفريق الأول بين الصمت أو ممالأة الحكام الجدد في الدول حديثة الاستقلال ، من خلال طروحات أو أدبيات توفيقية تنسيقية بين أفكار التوجهات الثلاثة الوطنية والقومية والإسلامية ، وقلة هي التي أعلنت ضرورة الالتزام بالتوجه الإسلامي وعاءً شاملاً وبوتقة تنصهر فيها كافة التوجهات الأخرى الوطنية والقومية ، أما أعضاء فريق الحركة السياسية الإسلامية فلم يصمت أو يكف عن المطالبة بالمشاركة في الحكم والتوزيع العادل للغنيمة إلا قسراً وتحت رهبة السلاح. 

في هذه الأثناء التي سادها جو معبق بالشحناء والتوجس بين كافة الفرقاء كان تأسيس الجيوش الوطنية ، جيوش الوطن أو جيوش الأمة العربية أو الفارسية أو التركية أو .. الخ يسير على قدم وساق ، ولم يكن ثمة ما يدعو إلى بث الفكرة الإسلامية في تشكيل تلك الجيوش ، إذا كان الحكام الجدد يرون في تلك الفكرة خطراً على كل شيء ، بدءً من نظام الحكم وانتهاءً بالجيش ومروراً بالمجتمع ، ولم يعمدوا إلى الاحتفاظ من هذه الفكرة إلا بشكلها الرمزي الضعيف الشاحب ، الذي يتمثل في العبادة والنسك ، حتى لا ينسى الناس أنهم مسلمون !

ب : انتفاء التوجهات الإسلامية في تأسيس الجيوش :

أين نحن الآن مما كان عليه الحال في الأيـام الخـوالي عندما كانت دعــوة “حي على الجهاد” يجتمع لها المسلمون شيباً وشباباً ، الآن هناك التجنيد الإجباري للدفاع عن الوطن وعن حكامه الجدد ، أما الإسلام فله رب يحميه ، لله دَرُّ الأيام ! لقد سرت روح الوطنية والقومية بين الناس بحماس صاخب وانفعال متشنج ، ربما أنساهم حقيقة ما يتحمسون من أجله ، وسار الجميع في هذا الركب الصاخب يردد هتافات الوطنية والقومية على أنغام الثورة على “الرجعية والاستعمار” ، وبالفعل كانت تلك النغمات أخاذة ومؤثرة ، أصابت أفراد الحشد بنوع من “الدروشة” والهوس جعلهم ينسون الله فأنساهم أنفسهم . 

لم يكن حال الشعوب العربية يحتاج إلى شحن أو توجيه ، فهم مهيئون بفعل هذا التنويم المغناطيسي لقبول أي شيء ، فالجميع شرب كأس النصر على “الاستعمار” حتى الثمالة ، وبات الفرسان أبطال النصر والتحرير يملكون الكلمة العليا والقول الفصل ، فإذا قالوا بالوطنية مجدّها الناس ، وإذا قالوا بالقومية قدّسها الناس ، وإذا طعمّوا هذه وتلك بالاشتراكية فلا بأس بل أنه عين الصواب ، وفرضت العقائد السياسية [الأيديولوجيات] جامعة في هجينة غريبة ولكنها مبهرة بين الوطنية والاشتراكية والقومية ، فالأولى للتقوقع والتشرذم في أغلال الجغرافيا ، والثانية لاعتناق الوافد الدخيل من إفرازات العقل البشري الشارد الذي سيعلن عن إفلاسه بعد حين ، والثالثة للعنصرية والعرقية وأغلال التاريخ من موروثات ثقافية وحضارية ، وهذا تهميش وتعتيم على الفكرة الإسلامية التي تجعل من ديار الإسلام وطناً لكل مسلم أو حتى غير مسلم ، فلا حكم للجغرافيا على ديار الإسلام ، وتجعل من الطروحات الإسلامية منهجاً وأداة حركة لكل نشاطات الإنسان وتعاملاته مع عناصر الوجود ، ولا حكم لأفكار بشرية مآلها السقوط والاندثار ، وتجعل من الإسلام أهم رباط يربط بين أفراده ويسمو على رابطة الدم ، فالكل في الإسلام سواء ، وهو الوحيد الذي لا يفرق بين العربي وغير العربي ، هكذا أريد للفكرة الخالدة الطمس والطمر.    

وفي جموح وطموح بالغين أقدمت الدول حديثة الاستقلال في العالم العربي على تأسيس جيوشها بعيداً عن التوجهات الإسلامية ، وكان السؤال المطروح بإلحاح : لماذا تخشى الأنظمة السياسية في الدول حديثة الاستقلال على جيوشها من الفكرة الإسلامية ؟ .

إن الإجابة على ذلك التساؤل تدفعنا إلى الوقوف على حقيقة واقع الفكرة الإسلامية في تلك الآونة ، حيث بدت ضعيفة وغير مجدية وغير فعّالة في مواجهة الأفكار الوطنية والقومية والسيادة الذاتية ، مع غياب أية محاولة لإحياء الترابط الإسلامي والتكتيل العقيدي .

ولا مانع في هذا السياق أن ندع الأمور تذهب إلى مداها الطبيعي ، فلا يُستبعد أن تكون الأنظمة السياسية في العالم العربي قد توخت جانب الحيطة والحذر من تأصل التوجهات الإسلامية في جيوشها ، هذا في الوقت الذي لا تعمل وفق النهج الإسلامي، ومن السهل أن تنقلب عليها تلك الجيوش لاستبدالها بأنظمة تطبق الشرع أو لإجبارها على تطبيق الشرع والحكم وفقاً لكتاب الله .

ت : سيطرة الأنظمة السياسية على الجيوش :

معظم الحكام الجدد الذين جيء بهم إلى سُدة الحكم في الدول العربية حديثة الاستقلال من ذوى الخلفيات العسكرية ، وهم في ذات الوقت على علاقة وطيدة بقيادات الجيش ، بل أنهم يسيطرون بإحكام على تلك القيادات وعلى كافة مقدرات الجيش ، وهذه السيطرة كفلت لهم كبح جماح الجيش بوصفه أقوى قوة منظمة يُخشى جانبها ، كما ضمنت لهم عزل تلك المؤسسة الرهيبة والعنيفة عن كافة المؤثرات التي تجعل منها خطراً على نظام الحكم وبصفة خاصة التوجه الإسلامي .

ث : تأثير التوجهات الأيديولوجيـة للأنظمة السياسيـة على الجيوش :

لم يكن من الصعب ، بل كان من المنطقي ، أن تسحب الأنظمة السياسية توجهاتها الأيديولوجية على جيوشها ، وقد تبدى ذلك في الاستراتيجيات والعقائد القتالية ، والتسليح وحتى التكتيكات ، وأصبحت الجيوش في الدول العربية أسيرة الأيديولوجيات أو العقائد السياسية ، وإذا كانت الأنظمة قد كبلت نفسها بتوجهات أيديولوجية فقد جرّت معها جيوشها ، وكان لذلك أثره الحاسم على حرية حركة تلك الجيوش فيما بعد.

ج : اختلاف أهداف الجيوش من دولة إلى أخرى :

لم تتفق الجيوش العربية حول أهداف وجودها ، فهناك من الجيوش ما جعل هدفه الأول مواجهة القوى الكبرى ، والانخراط في الصراعات الدولية والمنافسات الأيديولوجية بين المعسكرين المتناحرين ، وكانت مصر وإندونيسيا في مقدمة الدول الإسلامية التي تحمست لهذا الهدف ، وهناك من الجيوش ما جعل هدفه خوض الصراعات الإقليمية ذات الطبيعة المزمنة مثل مصر وسوريا في الصراع العربي الإسرائيلي ، والباكستان في الصراع الهندي الباكستاني ، والصومال وإريتريا في الصراع في القرن الأفريقي ، وهناك من الجيوش ما جعل هدفه في دعوى تعزيز السيادة الوطنية ! وكان ذلك هو هدف معظم الدول العربية ، وحتى الآن لم ندر المضمون الحقيقي لهذا الهدف ! .

والمدقق في هذه الأهداف يستشف أنه بالإضافة إلى اختلافها من دولة إلى أخرى ، هناك تغييب متعمد لأية أهداف تمس صميم الفكرة الإسلامية ، أو تسعى إلى تكتيل الجيوش العربية وراءها .

لقد سعت جميع النظم السياسية في الدول حديثة الاستقلال إلا اللمم من أجل تجريد جيوشها من الانتماء إلى الفكرة الإسلامية في أسسها أو محاور حركتها أو أهدافها ، وبالرغم من ذلك ظلت تلك الجيوش تحتفظ داخل أفرادها بوازع ديني خفي ، كان يظهر على السطح في وقت الأزمات والشدائد ، فكم كانت عبارة ” الله أكبر ” الخالدة لها فعل السحر في اندفاعة الجيش المصري في حرب رمضان ، حيث لم تستطع إيقافها الجيوش التي لا تقهر ، أو الخطوط الدفاعية الحصينة ، إذن لا يزال للإسلام رواسخه التي لا يمكن طمرها ، حتى ولو سكنت في اللاوعي ! .

د. بسيوني الخولي
د. بسيوني الخولي
مصري حاصل على درجة دكتور الفلسفة في العلوم السياسية بمرتبة الشرف الأولى من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ـ جامعة الفاهرة 1989م ، ودرجة الأستاذية ، عمل بمعظم الجامعات العربية ، له أكثر من سبعين مؤلفاً ، وأكثر من مئتي بحثاً ، مؤلِّف موسوعة "الدرر الزاهرة في الأصالة المعاصرة" في 56 كتاباً ، شارك في العديد من المؤتمرات والندوات العربية والعالمية ، عمل في مناصب استشارية عديدة ، تلقى شهادات تقدير من الجهات التي عمل بها . البريد الإليكتروني : [email protected] تليفون : +201094332499
اقرأ أيضاً

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -

الأحدث