فورين بوليسي: نظام السيسي يتصدع

0

فيما يلي ملخص المقالة باللغة الانكليزية للكاتب اريك تراجر

خلال الأسابيع القليلة الماضية، كثفت حكومة الرئيس المصري عبد الفتاح من حملتها ضد المعارضين، واعتقلت أعضاء من منظمات ثورية بارزة وصحفيين ناقدين، وحتى نقلت حربها إلى المساجد.

وفي خطاب ألقاه في كانون الأول/ ديسمبر، اتهم الرئيس السيسي هؤلاء “الذين يدعون إلى ثورة جديدة” بمحاولة “تخريب هذا البلد وتدمير شعبه”.

وكانت شعبية السيسي قد تراجعت في الأشهر الأخيرة بسبب الاقتصاد المصري المضطرب. ويأتي ضعف الرئيس المصري من داخل نظامه، حيث ظهرت توترات جديدة في الأشهر الأخيرة.

ويقيناً، أن قلق السيسي يعكس خوفه، والذي ربما لا مفر منه، من أن يعيد التاريخ نفسه. فقد كان في النهاية مديراً للمخابرات العسكرية المصرية عندما استجاب “المجلس الأعلى للقوات المسلحة” لانتفاضة كانون الثاني/ يناير 2011 وأسقط الرئيس المصري آنذاك حسني مبارك، وكان وزيراً للدفاع حين رد الجيش مرة أخرى على الاحتجاجات الواسعة في حزيران/ يونيو 2013 عبر الإطاحة بأول رئيس منتخب في البلاد، زعيم « المسلمين» محمد مرسي.

وهذا القرار الأخير جعل منه عدو الشعب الأول بالنسبة لـ «الإخوان» الذين تعهدوا بالانتقام للإطاحة بمرسي. ولكنه في الوقت نفسه جعل منه بطلاً قومياً بالنسبة إلى عدة ملايين من المصريين الذين كانوا يخشون من أن حكم «الإخوان» يدفع بمصر إلى الهلاك، وأوصله إلى الفوز في الانتخابات الرئاسية التي بالكاد شهدت منافسة في أيار/مايو 2014. ولكن حتى أكبر المؤيدين للسيسي يعترفون الآن بأن فترة السعادة المطلقة قد انتهت.

ومع تباطؤ النمو الاقتصادي وتراجع احتياطيات العملة وارتفاع التضخم وازدياد معدلات البطالة بين الشباب، يشعر المصريون بالوطأة التي ترزح البلاد تحتها، وبات صوت استيائهم يعلو أكثر من أي وقت خلال العامين الماضيين. لكن في الوقت الحاضر لا يبدو أن هناك حماسة شعبية كبيرة لانتفاضة أخرى. إذ إن تجربة السنوات الخمس الماضية قد جعلت الكثير من المصريين، وربما غالبيتهم، يفضلون الابتعاد عن المخاطر على الصعيد السياسي، كما أن غياب أي بديل واضح للسيسي يجعلهم يخشون من أن تؤدي انتفاضة أخرى إلى زعزعة استقرار البلاد إلى حد كبير.

إلا أن التوترات الجديدة الظاهرة داخل قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في وقت ما في المستقبل. فعلى الرغم من أن المحللين كثيراً ما يتحدثون عن “الدولة العميقة” في البلاد كما لو كانت عبارة عن كيان موحد وقاهر، إلا أنها في الواقع عبارة عن تحالف فضفاض لمراكز السلطة يشمل هيئات الدولة مثل الجيش والمخابرات والشرطة والسلطة القضائية – فضلاً عن كيانات غير حكومية مثل العشائر القوية في دلتا النيل، والقبائل في صعيد ، ووسائل الإعلام الخاصة، ومجتمع الأعمال. وفي حين تركز هذه المراكز السلطوية في كثير من الأحيان على المصالح المتنافسة، فإنها تتوحد وراء السيسي بعد الإطاحة بمرسي لسبب رئيسي واحد: أنها رأت أن جماعة «الإخوان المسلمين» تشكل تهديداً لمصالحها أيضاً.

بيد أن هذا الخوف من عودة «الجماعة» تضاءل في الأشهر الأخيرة. فمع عشرات الآلاف من أعضائها في السجن، وقيادتها المنفية التي تنقسم على نحو متزايد، ومع تراجع عدد الأعضاء في مصر المستعدين للمخاطرة بحياتهم في المظاهرات، لم تعد جماعة «الإخوان المسلمين» موجودة ككيان متماسك على أرض الواقع.

ومن دون التهديد الذين يطرحه «الإخوان» فيما يتعلق بتوحيد مراكز السلطة الأساسية في نظام سيسي، أصبحت التوترات الكامنة داخل النظام تبرز الآن إلى الواجهة. والمثال الأكثر وضوحاً على ذلك هو تدهور علاقات السيسي مع مجتمع الأعمال. فرجال الأعمال لا يرون بديلاً للسيسي لأنهم يعتقدون أنه حالياً في مركز الصدارة.

هذا وتبرز أيضاً علامات على توتر بين السيسي والأجهزة الأمنية. ففي حين أن أنشطة غير شفافة، إلا أنها تمارس تأثيراً كبيراً على وسائل الإعلام الخاصة في البلاد، وعلى الأرجح تسمح، إن لم تكن تشجع، بالتزايد المفاجئ في الانتقادات التي واجهها السيسي في الأشهر الأخيرة.

إلى جانب ذلك، تبرز أدلة على مناورات بين الأجهزة الأمنية المختلفة التي غالباً ما تتنافس بين بعضها البعض للحصول على الأموال والنفوذ السياسي. ويظهر بعض هذا الاحتكاك في البرلمان المنتخب حديثاً. على سبيل المثال، فجأة قام حزب “مستقبل وطن”، الذي يُعزى نجاحه في الانتخابات الأخيرة على نطاق واسع إلى جهاز المخبارات الداخلية، وهو “جهاز الأمن الوطني”، بالانسحاب فجأة الشهر الماضي من الكتلة البرلمانية المؤيدة للسيسي. وعندما عاد الحزب وانضم ثانية إلى الكتلة بعد بضعة أيام، أوضح الناطق الرسمي باسمه أن الحزب كان يسعى إلى المزيد من النفوذ في المكتب السياسي للكتلة، مما يوحي بأن البرلمان الجديد قد يوفر منصة للوساطة في هذه الخلافات داخل النظام.

وحتى إن التوترات بين الأجهزة الأمنية أكثر وضوحاً على الشبكات الفضائية المصرية، حيث يتم فجأة انتقاد وكالات أمنية محددة بصراحة تامة.

وقد يكون التطوّر الأكثر أهمية هو ما أفاد به المسؤولون الأجانب حول وجود توترات بين السيسي والجيش. ففي حين أن الجيش قد يبدو وكأنه يشكل القاعدة الطبيعية لدعم الرئيس، يعزو المسؤولون هذا التوتر إلى الدائرة السياسية الضيقة المعروفة للسيسي، التي تولد عدم الثقة وربما الغيرة بين كبار المسؤولين الآخرين. ولم يؤدِ تزايد التحديات الاقتصادية والأمنية في مصر سوى إلى تضخم المخاوف العسكرية. وهناك أيضاً دلالات على احتكاك بين كبار الضباط، إذ برز نقصاً في احترام الجنرالات ذوي المستوى العالي تجاه رؤسائهم، وذلك خلال اللقاءات مع مسؤولين أجانب.

من الصعب تقدير مدى عمق هذه الانشقاقات داخل النظام أو شدتها. إذ إن الأعمال الداخلية في نظام السياسي بالكاد مرئية للمراقبين الخارجيين، وحتى أعضاء مراكز السلطة الأساسية يرون أن الوضع الحالي مربك.

ولكن حتى لو بدا السيسي مهيأً للبقاء في سدة الحكم، لن ينعم بالراحة بسهولة. وقد حذر مقدم إحدى البرامج التلفزيونية من أنه إذا اشتدت المشاكل الاقتصادية في البلاد سيتقلص هامش الخطأ المسموح للسيسي بشكل كبير.

إريك تراجر هو زميل “استير واغنر” في معهد واشنطن.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.