شمس الدين النقاز – وطن (خاص)

أيام قبل الإنتخابات البرلمانية وشهر قبل نظيرتها الرئاسية وتحديدا يوم الخميس 16 أكتوبر 2014، صرّح رئيس حزب نداء الباجي قائد لصحيفة الصباح نيوز المحلية قائلا “الحق أجيب بما قاله المثل العربي فالنداء والنهضة عبارة عن خطيْن متوازييْن لا يلتقيان إلا بإذن الله.. وإذا التقيا فلا حول ولا قوة إلا بالله” وذلك في إطار ردّه على سؤال وجّه له مفاده “رفضتم مرارا وتكرارا الدخول في تحالف بعد الإنتخابات مع ، فماذا لو وضعتكم الانتخابات أمام وجوب التحالف مع أو إجراء حل البرلمان وإجراء انتخابات أخرى سابقة لأوانها فأيهما تختارون؟”

الإجابة لم تتأخّر أكثر من شهر من تاريخ فوز قائد السبسي برئاسة البلاد  وتحديدا في أواخر شهر يناير 2015، حيث أعلن حزب رسميا عن التحالف مع حركة النهضة لتشكيل حكومة توافقية يقودها الحبيب الصيد لتبدأ أول فصول الضحك على ذقون منتخبي الّذي قامت حملته على تخوين النهضة وتشويهها وكيْل التّهم لها ولأنصارها والتشكيك في وطنيتهم وهويتهم وانتمائهم لتونس.

كفى بالGOOGLE شهيدا على ما نقول واكتبوا في محرك البحث “نداء تونس يتهم النهضة” أو “البسي يتهم النهضة” وستتفاجؤون بحجم الأخبار المتعلقة بهذا الموضوع وهذا غيض من فيض.

في شهر ديسمبر 2012 اتهم الباجي قايد السبسي وزارة الداخلية بالتواطؤ مع “محسوبين” على حركة النهضة الحاكمة، بمهاجمة اجتماع لحزبه بجزيرة جربة جنوب البلاد، معتبرا أن هذه الحركة “أصبحت خطرا على تونس”.

وفي سبتمبر 2013 وخلال المجلس الوطنى لحركة نداء تونس اتّهم قائد السبسي القيادي بحركة النهضة الحبيب اللوز بإرسال النساء التونسيات إلى سوريا لممارسة جهاد النكاح و أنه كان على اللوز أن يذهب هو للمقاومة في سوريا بدل إرسال نساء تونس و تبنى أبنائهن بعد عودتهن من سوريا.

وفي شهر يناير 2014 وعلى هامش المنتـدى الإقتصـادي العالمـي بدافـوس خلال لقاء جرى بحضور رئيس حركة النهضة راشد الغنوشى ، أكّد السبسي أن أولويات حركة النهضة إثر وصولها إلى السلطة كانت تغيير صبغة المجتمع التونسي وليس إرساء الديمقراطية.

الأمر نفسه تكرّر في الحملة الإنتخابية الرئاسية للسبسي، ففي 19 ديسمبر 2014 ووسط حشد من أنصاره وبحضور عدد من الأحزاب والشخصيات المساندة له في حفل اختتام حملته الإنتخابية بشارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة، قال قائد السبسي “شعبنا ذكي وسيختار يوم الأحد المقبل بين الغث والسمين فإما عودة للترويكا المشؤومة التي خربت البلاد أو النهوض بتونس.”

كذلك لمّح السبسي في كلمته التي ألقاها بمناسبة اختتام حملته الإنتخابية بشارع الحبيب بورقيبة إلى تواطئ حركة النهضة في ملفّ الإغتيالات التي حصلت في البلاد حيث قال إنه يعلم من سلح ومن دفع إلى جرائم الإغتيالات السياسية التي حصلت في البلاد ووعد بأنه سيعمل على كشف كل الحقيقة للشعب التونسي، لكنه تناسى الأمر بعد سنة من وصوله إلى الحكم وتجاوز وعده لعائلات الضحايا عندما أضاف قائلا في نفس الكلمة التي ألقاها إنه”مستعد للتضحية من أجل تونس، ولن ترقد له عين دون معرفة حقيقة هذه الإغتيالات.”

إنّ عمليّة تقصّي الإتهامات التي وجّهها زعيم حزب نداء تونس ورئيس الجمهورية الحالي إلى حركة النهضة تفضي بنا إلى نتيجة حتميّة مفادها أنّ النّهضة كانت عدوّا لدودا للسبسي أثناء وجودها في الحكم وقبل الإنتخابات البرلمانية والرئاسية الأخيرة نهاية العام 2014، وقد قامت حملة النداء الإنتخابية على التشكيك واتّهام حركة النهضة بأنّها وراء كل نكبات البلاد وأنّ نداء تونس سيكون المنقذ وطوق النّجاة للرجال والنساء والأطفال والشباب والشيوخ والعجائز، لهذا وحسب استطلاع للرأي نشره المكتب المتخصص في استطلاع الآراء “سيغما كونساي”، فقد صوتت أكثر من مليون امرأة تونسية لفائدة السبسي بالجولة الثانية للإنتخابات الرئاسية، أي ما يفوق 60% ممن انتخبوه وذلك لخوفهم على مستقبل أبنائهم ومستقبل تونس في ظلّ وجود “الإسلاميّين”.

لكن وبعد كلّ هذه المسرحية الإنتخابية التي استعمل فيها النداء كلّ الأسلحة الأخلاقية وغير الأخلاقية وأغلب الوجوه التجمعية والدستورية،وبعد التأكيد على هوية الحزب العلمانية ومرجعيته البورقيبية منذ الإعلان عن نشأته، سرعان ما تغيّر الأمر ورضخ النداء للواقع السياسي المفروض عليه من قبل أطراف داخلية وخارجية بضرورة التحالف بين الإسلاميين والعلمانيين.

بعد أقل من عام من هذا التحالف، نجحت النهضة في إقصاء الجناح اليساري “المتطرّف” في نداء تونس والّذي كان رافضا منذ البداية لتحالف العلمانيين مع الإسلاميين، فالنهضة ضغطت على قيادة النداء وعلى الرئيس الباجي قائد السبسي من أجل إيجاد حلّ لمحسن مرزوق ومن وافقه، ففي 17 من شهر آب أغسطس الماضي صرّح القيادي في حركة النهضة محمّد بن سالم لصحيفة المصوّر التونسية أن النهضة ستنسحب من الحكومة إذا ما تواصلت التصريحات الإستفزازية لمحسن مرزوق الأمين العام للنداء وقتها وما هي إلّا شهرين حتّى استقال مرزوق من الأمانة العامة من النداء.

وما قول قائد السبسي أمس في مدينة مخاطبا المؤتمرين “أؤكد على أن الوسطية هي أساس هذا الحزب وكل من حاد عنها لا مكان له فيه” دليل كاف على أنّ صقور النداء انهزموا بالضربة القاضية أمام حمائم النهضة.

محسن مرزوق الأمين العام السابق والمستقيل مؤخرا من نداء تونس بسبب الخلافات الجوهرية بينه وبين شقّ ابن الرئيس حافظ قائد السبسي حول التحالف مع حركة النهضة والمرجعية الموحّدة التي تغيّرت بقدرة قادر وبسبب ما اعتبره انحرافا بمشروع نداء تونس الأصلي و الوطني كان قد صرّح اليوم خلال اجتماع شعبي تحت شعار من أجل تجديد المشروع الوطني المعاصر بقصر المؤتمرات بالعاصمة أن الرسالة الأساسية من رسائل هذا الإجتماع هي أنّ المشروع الوطني العصري مختلف اختلافا جوهريا مع كل من يخلط بين الدين والسياسة” وذلك في إشارة إلى انحراف النداء بصبغته الجديدة عن الأهداف المرسومة في حين كان هو نفسه من الدّاعين إلى ضرورة استمرار حكم الحزبين الرئيسين في البلاد “النداء” و “النهضة”، لتحقيق الإستقرار في شهر آب أغسطس الماضي  في حواره مع وكالة الأناضول التركية.

مرزوق تابع مستفزّا الرئيس السبسي في كلمته اليوم قائلا “إن رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي هو رئيس كل التونسيين وأنه لا ينكر دوره في بناء المشروع الإصلاحي لحزب نداء تونس و أنه يدعوه للإشراف على افتتاح المؤتمر التأسيسي للحزب الجديد يوم 2 مارس آذار المقبل، مثلما افتتح أمس مؤتمر  “الوفاء” لنداء تونس في إشارة  إلى تخلّي السبسي عن منصب رئيس الجمهورية وتعويضه بالرئاسة الشرفية للنداء.

قائد السبسي بدوره خرق الدستور أكثر من مرّة خلال الأشهر الأخيرة، فمع نهاية شهر نوفمبر الماضي خاطب حزب نداء تونس في خطاب تلفزي أثار موجة من الإنتقادات من قبل أحزاب المعارضة وعدد من الناشطين اللّذين دعوه إلى النأي بمؤسسة الرئاسة عن التجاذبات والصراعات الحزبية خاصة تلك التي لا علاقة لها بمشاغل واهتمامات التونسيين وكان خرق السبسي للدستور نابعا من إملاءات خارجية جيث اعترف بنفسه خلال الكلمة التي ألقاها بمناسبة افتتاحه لأشغال الدورة 30 لأيام المؤسسة بمدينة سوسة الساحلية أنّ صندوق النقد الدولي والولايات المتحدة الأمريكية، اتّصلا به شخصيا ودعوه إلى التدخل لحلّ أزمة النداء لأن في ذلك خدمة للشأن الوطني.

كذلك خرق السبسي أمس الدستور في مدينة سوسة وفق ما صرّح مجموعة من السياسيين حيث اعتبر الناطق الرسمي باسم الحزب الجمهوري عصام الشابي أنّ حضور رئيس الجمهورية لافتتاح مؤتمر نداء تونس و إلقائه خطابا بالمناسبة و جلوسه علی منصة اللجنة المنظمة للمؤتمر مؤشرات تدل علی أنّ السبسي خيّر النزول من أعلى هرم السلطة إلى ربوة العمل الحزبي و تخلی عن الدور الجامع باعتباره رئيسا لكل التونسيين وأنه بما فعله، قد خرق بصفة واضحة أحكام الفصل 76 من الدستور “الذي ذبحه من الوريد إلى الوريد”، وفق تعبيره، وعاد إلى مربّع الحزب – الدّولة، “ليحدث كلّ ذلك أمام أعين التونسيين     والعالم و بمباركة زعيم حركة النهضة راشد الغنّوشي الذي ابتهج بانتصاره علی الإستئصاليين.”

يبدو أنّ مصير حزب نداء تونس سيكون مزيدا من الإنشقاقات في المستقبل وما حدث اليوم في مدينة سوسة من غضب بعض القياديين فيه بسبب عدم حصولهم على حصّتهم من الكعكة الّتي أعدّها صندوق النقد الدولي والولايات المتحدة الأمريكية دليل على ذلك، ويبدو أنّ تصريحات القيادي في نداء تونس لزهر العكرمي في حواره مع وطن قبل أيام من أنه يخشى أن يكون مصير نداء تونس التفتت والرحيل مثلما حصل مع حزبي المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل بعد أن تحالفا مع حركة النهضة لقيادة البلاد عام 2011 بدأت تظهر حقيقتها على أرض الواقع.

حزبا النداء والنهضة وإن تقرّبا وقتيّا فهما في شهر العسل الأسود وما أدراك ما العسل الأسود كما يقول الأديب المصري طه حسين، فمحسن مرزوق لن يترك القيادة الجديدة للحزب التي سيفرزها مؤتمر سوسة على حالها بالإستعانة بالمنشقين الآخرين، كما أنّ حركة النهضة التي تعيش بدورها مشاكل داخلية بين قياداتها هي الأخرى مهدّدة بمصير مشابه لما حدث للنداء خاصّة وأنّ عمليّة تدجين صقورها قد أعطت أكلها وقتيّا بفضل تكتيكات الأب الروحي للجماعة راشد ولا أحد يعرف إن كتب لهذا التّدجين أن يتواصل نجاحه.

الشعب التونسي بمثقّفيه وبجهّاله فقدوا الثقة في الطبقة السياسية بعد أن رأوا من تكتيكات الشيخين الشيء العجاب ومن تأمّل حال النخبة المثقّفة الّتي انتخبت حزب نداء تونس كيف تبكي على الأطلال لعرف أنّ ما حصل لهم في الإنتخابات الأخيرة كان مقلبا وأنّ الإسلاميون والعلمانيون يصبّون في مصبّ واحد هو معين المصلح الإسلامي “عبد العزيز الثعالبي” حسب زعمهم في حين أنهما يتنازعان إرثا لا يملكانه فلا هم ثعالبيون ولا هم بورقيبيون.

النداء والنهضة بينهما برزح لا يلتقيان وإن التقيا فعلى طاولة معوجّة سرعان ما ستكسر سيقانها الواحدة تلو الأخرى، فبعد كل تلك الحروب الإعلامية بين الحزبين وبعد أن كان “السبسي وحزبه أخطر على تونس من السلفيين حسب تصريحات سابقة للغنوشي، وبعد أن كانت “النهضة والنداء خطان متوازيان لا يلتقيان إلا بإذن الله” حسب تصريحات سابقة للسبسي، هاهي البارحة حمامة النهضة تحط رحالها فوق نخلة النداء في مؤتمره الأول، فقد حضر الشيخان و”غازل” كل منهما الآخر في مشهد قد يُنسينا للحظات “حروب عهد قديم.”

ففي مدينة سوسة التقى خط النهضة بخط النداء ولا ندري هل تم ذلك بإذن الله أم بأوامر من “المسؤول الكبير”،التقى الخطّان وبقي شقّ آخر من كلام السبسي “وإذا إلتقيا فلا حول وقوة إلا بالله”، فهل ستحوّل شقوق النداء هذا الإلتقاء إلى صراع جديد أم أنّنا سنشهد فترة تُعشّش فيها الحمامة فوق النخلة و النخلات أو ربما تكون الحمامة قد عشّشت فوق أعجاز نخل خاوية.

فسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.