“هالوين كان قد مرّ من هنا”

0

بدأت ليلتي هذا المساء حين طرق بابي طفل صغير طالباً مني بعضاً من الحلوى ،  طفل لم يتجاوز الثالثة من العمر  كان قد تنكر مرتدياً لباساً يجعله شبيه بالأرنب و لم يخلو الأمر من يد والدته التي مازالت آثارها على وجهه راسمة له شارباً ، ملوّنة أنفه الصغير ذاك ليبدو شبيه بذاك المخلوق ..

ناولته بعضاً ممّا كان لدي و تمنيت له عيداً سعيداً ، ليشكرني و يكمل مع والده المسير …

أغلقت بابي و عدت أدراجي إلى داخل المنزل متناولة وشاحي الصّوفي قبل أن أهمّ بالرحيل ، فالليل كان قد كشّر عن أنيابه معلناً ليلة شتوية بامتياز على عكس ليالٍ سبقتها ..

صحيح أن الساعة كانت قد تجاوزت الثامنة مساء و لكن الشوارع كان لها توقيت آخر ، ليختلف حالها عن ليال أخرى سبقتها أو حتى لحقت بها ، فالمارة باتوا كثر على غير العادة و السيارات بدأت تصطفّ أرتالاً متتالية إذا ما أظهرت إشارة ضوئية لونها الأحمر على عكس المعتاد أيضاً ، فهنا ما إن تعلن الساعة  السادسة حلولها حتى تسرق مع رحيلها كل أشكال الحياة ، لتعيد ما سرقته عند حلول فجر جديد ..

و لكن ليس هذه الليلة ، فالمدينة منذ ليال بدأت تُلبس أبنيتها و منازلها حلة جديدة لتعلن قدوم احتفال سنوي ينتظره كل فئات الشعب هنا إذا صح التعبير رغم اختلاف أعراقهم ألوانهم و معتقداتهم ، فما إن بدأت الأيام تشارف على نهاية شهر تشرين حتى بدأت ملامح الحياة توحي بدخول وقت ذاك العيد ، و هو الهالوين بالطبع  كما تعلمون يا سادة ..

رحت أراقب وجوه المارة مرّة أخرى و لكن هذه المرة مع سابق الاصرار و الترصد ، فهو عيدهم الأول الذي يمر علي هنا ، و صحيح أنني لم  و لن أؤمن بمثل هذه الأعياد و الخرافات يوماً ، و بعيداً عن رأي ديانتي بمثل هذا الأمر و الذي أفتخر به و أتبناه بالطبع إلا أني أحمل قناعة سأصرّح عنها في مجريات هذا اليوم ..

و بالعودة إلى وجوه المارة ، نظرت بحثت و انتظرت ، لم أكن أعلم لماذا فضولي جعلني أدقق و بتعبير أصح كنت أسترق النظر و أختلسه بين الحين و الآخر  ، أتراه الاستغراب أم هذا هو الشعور الذي يصفونه بالدّهشة أم تراه حب اطّلاع و إشباع فضول لا أكثر،  حينها لم أكن أعلم …

إلى أن استوقفني وجه أحد المارة الذي تنكر أو بتعبير أوضح شوه وجهه ذاك لتختفي معالمه البشرية خلف قناع كان قد تدلدل منه عيناً اصطناعية متأرجحة تدل على بشاعة تجعلك تشيح بوجهك عنه ليس خوفاً بالطبع و انما استغراب و ربما اشمئزاز  …

لم يكن شعوري بالغرابة آنذال هو ذاك القناع فصحيح أن هذه المرة الأولى التي تزور مثل هذه الخرافات واقعي إلا أنني كنت قد شاهدت في سنوات قبلها الكثير من الصور المشابهة على الانترنت ، و إنَّما كنت قد أشحت بوجهي عن المارة حزناً على حالهم ذاك ، ليس بسبب اعتقاداتهم تلك التي تجعل من انسان كرّمه الله  و منّ عليه بالعقل بموضع شبيه بالشاة التي ضلّت الطريق فراحت تبحث عمّا يسد رمقها في صحراء لا تسمن و لا تغني من جوع ، لتبقى  جائعة تماماً كأرواحهم و حسب ،  فهم يقومون بتلك الطقوس كأسلاف من الأمم سبقتهم ظانين أنهم بذلك سيقومون بطرد الأرواح الشريرة و إبعادها إذا ما حاولت الاقتراب منهم و ذلك عن طريق ذاك التنكر الشّنيع  ، وكل تلك المراسم تبدأ حين يقوم ملك الموت على حد زعمهم باستحضار و استدعاء كل الأرواح التي فارقت أجساد أصحابها على مدار عام مضى ليقوم ذاك الملك بمحاسبة الأرواح الشريرة منها خاصة و ذلك عن طريق وضعها في أجساد الحيوانات ..

 و مخافة أن لا تتلبّس بهم يتنكرون …

بل لأَنِّي أرى أن الانسان ليس بحاجة أن يرتدي مثل تلك الأقنعة ليتوارى عن أنظار الأرواح شريرة كانت أم خيِّرة ، ميتةً كانت أم طيبة ، فلكل انسان منّا أقنعة مختلفة تُرتدى في الوقت ذاته من كل يوم لتترك روح الانسان قبل وجهه متورمة تفتقد بساطتها الأولى ، و بالطبع ليس بالضرورة أن تمتاز تلك الأقنعة بطيبة تخفي خلفها شر فكثيرة هي الأقنعة التي ما أن تظهر للناظرين حتى تستشعر قسوتها و ربما جبروتها و لكن ما إن أنت أزلت بعضاً من غبار السنين التي أخفت معالم ذاك الوجه و حقيقته  حتى تجد طيبة لم تكن للتوقع وجودها يوماً ، و العكس بالعكس ، و لكن هناك من يدع أحدهم ينزع عنه ذاك القناع  ، أو لعلّه يترك لنفسه المجال  ليلتمس روحه الأولى بين الحين و الآخر إذا ما اشتاق إليها  في خلوته ،  و آخرون جعلوا ذاك القناع عنواناً لهم يستدل به عليهم و لا يُبعده عن وجوههم و أرواحهم إلا الموت  كتمثال خُط عليه أجمل الملامح من يد فنان عاشق فأبرز جمال ذاك الوجه دون أن يعلم أنه سيأتي يوماً على ذاك التمثال ليوضع في مكان أبعد ما يكون عن الجمال و ليمتص قبح ذاك المكان مخفي رونقه الأول  كما هو الحال في ملامحنا الأولى قبل كثرة تلك الأقنعة ..

و لكن وبعيد عن كل ذلك كان يراودني سؤال لم أستطع أن أجد له إجابة ألا وهو :

 هل تراهم يعتقدون بتلك الخرافة أم هذا العيد استمر فقط  لهدف التسلية و كسر الروتين ، و بفرض أنهم ما يزالون يتبنّون ذاك الاعتقاد فسؤالي هنا أتراهم قد شاهدوا يوماً روح شريرة ، لا أقصد أرواح الأموات هنا بالطبع و إنما أتحدث عن تلك الأرواح التي مازالت تقطن أجساد أناس يتجولون بيننا جاعلين من أجسادهم قناعاً سدّا منيعاّ و ربما ستاراً  يخفي خلفه الكثير من الحقد الكره و البغضاء و إذا ما أنت جازفت بروحك النّقية نوعاً ما و ذلك بالنسبة لأرواحهم بالطبع  و رحت تبحث بين أنقاض جمال أرواحهم الأولى تلك فإنه سيعترض طريق بحثك من الشوائب ما يضر ليس بحياتك و حاضرك و حسب و لا حتى بمستقبلك و حسب بل حتى أحياناً بماضيك أيضاً  فتجعل منك انساناً قد يلعن حظه مئات المرات ليس لأنه كان قد كُتب لك أن تؤلف معهم بعض أحداث حياتك لتبقى مكتوبة بأيديهم وسط صفحات أيّامك بل لأنه قد كُتب لك أن تبدأ حياتك في بيئة تخلو من الحقد يتخللها الحب ليغلف روحك و يضفي عليها طبقة رقيقة كاستبرق ،  يسر الناظرين ،  فإذا ما حظيوا برؤيتها و التمسوا وجودها حتى التفوا بها كنبتة ” المجنونة ”  حين تتطفل على أحد الجدران مستخدمين كل أسلحتهم باختلافها ألا وهي تلك الأقنعة ..

 لكنك ما لا تعلمه حينها أن  نعومة ذاك الاستبرق  و جماله يجعله عرضة للتلف السريع فيكفيه قليل من حقد بعض البشر ليتركه كقطعة قماش بالية مزَّقت حوافها بعض الطفيليات فإذا ما استدركناها أنقذنا ذاك الثوب بأقل الخسائر و إذا لم نلاحظها أو لعلنا لاحظناها و لكن  لم نعرها اهتمام و بتعبير آخر استئصال فإنها ستترك ذاك الثوب بعد أن تجعل منه ذكرى جميلة كوردة جورية وضعت في كتاب قديم أصفرّت أوراقه لتدل على عدد الأيام و ربما عدد الأيادي التي امتدت إليه تاركة بصماتها عليه  فتجد تلك الزهرة قد أخذت بعد نيف من الزمن صَفار أوراقه لتمسي شاحبة هزلة تشتاق ضوء الشمس ، و ما إن أنت حاولت لمسها حتى تساقطت أوراقها الواحدة تلو الأخرى أمام عينيك لتقبع بمحاذاة قدميك تستنجد عطفك لكي لا تتركها للريح تصفر بها و هي شبه ميتة .

اتَّكأت برأسي المثقل على نافذة السيارة بعد أن رميت بجسدي المنهك داخلها فقد امتصت قواي زخم و تزاحم تلك  الأفكار مبعدة ناظري عمّا يجري حولي في هذا الواقع المهتز ، فقد كنت قد مللت أولئك المارة باقنعتهم الظاهرة منها و الباطنة رافعة رأسي نحو السماء تاركة نسمات ذاك المساء تلامس وجنتيّ أو ربما تصفعهما من شدة برودتها و كأنها توقظني من غيبوبة تلك الأفكار ليحاصرني صباح ذاك اليوم المنقضي في الزمان و لكنه معلن وقوفه الاضطراري و ذلك في ذاكرتي بالطبع ..

كانت الثامنة صباحاً حين رحت أرتشف من فنجان قهوتي الصباحي المعتاد مرارته و ربما مرارة الأحداث لا أعلم …

قلبت صفحاتي  بين الأخبار آخذة جرعتي اليومية المعتادة من تلك الأحداث التي بدأ يخيفني اعتيادي عليها سماعها و مشاهدتها ، و حتى  إذا أنا عزمت على الامتناع عنها حاصرتني المخاوف و الأوهام و جعلت جدران واقعي مرصوفة حولي كصندوق خشبي أُقفل بابه بقفل أصدأته  الأيام جاعلاً عدّاد قواي يرسم العدد صفر على لوحته الالكترونية  لأعود مجدداً مسحوبة الإرادة نحوها ، فيصبح حالي كطفلة لم تتجاوز الثالثة من العمر أضاعت قطعة الحلوى الوحيدة  التي كانت تملكها لتجدها تحت أقدام المارة فلا هي عادت بمقدورها أن  تتناولها لتستطعم حلاوتها و لا هي حتى باتت قادرة على رفعها من تحت أقدامهم فموطني تماماً كقطعة الحلوى تلك …

لأجد نفسي واقعة ببئر من اللّا نهاية فأعود لمتابعة تلك الأخبار مجدداً كل صباح و ما إن انتهي حتى أغلق ذاك السيل من الدماء لا الأخبار متعهدة مرة أخرى و ربما كاذبة أيضاً بأن لا أسمع شيئاً منها على الأقل في القريب العاجل  ضاربة بعرض الحائط  المقولة الشهيرة التي تقول  ” ان تعلم خير لك من أن لا تعلم “.

فالجهل في بعض الأحيان هو الدواء ذاته فليس كل معرفة أو علم تغني صاحبها فكثير هي العلوم التي انتهت بمقتل الآلاف و ربما الملايين و كثيرة هي الأحداث و المعارف التي تقتل في أعماقنا شي جميل كان قد نمى يوماً كسنابل قمح ذهبية اهتزت لامعة تحت أشعة يوم مشرق ، لتستبدلها  بأخرى  زارها أسراب الجراد فباتت خاوية على عروشها ، لنقلب كفينا على فقدانها ، فإن مقطع مصور واحد لطفل يبكي عائلته المركونة تحت الرماد أو لعله كان يبكي ضمائرنا المفقودة ، ليحرق ملوحة دمعه جرح قديم كان قد سكن قلوبنا وما إن تجف تلك الدمعة من على ذاك الجرح  حتى يتلاشى ذاك الألم الآني فيختفي و كأنه لم يكن ، كعابر سبيل لم يحظى باستراحة داخل قلوبنا ، مكملين ما بدأنا به ..

 و لكن مالا نستشعره في تلك اللحظة الآنية أن تلك اللقطة هي  كفيلة بأن تنهي كل جميل داخلنا ، و بذلك تجعلنا تلك الأحداث على علم بها بل و تجعلنا داخلها  و بالإجبار ..

فتحت نافذة تلك المركبة الحديدية التي كاد ثقل هواءها يطبق على أنفاسي لأتمتم لنفسي قائلة ليتني أستطيع أن أصرخ بأعلى صوتي بأولئك المارة و أخبرهم قائلة ؛ إنَّ الخوف لا يكمن في  أرواح شريرة لأناس ماتوا و باتوا رماداً بل الخوف من أرواح اتخذت من الظلام طريقاً و من الظلم سيفاً وبندقية و جعلت دنيانا جحيم ..

فالخوف كل الخوف ليس من موت الأشرار بل من فقدان أطهار جاؤوا إلى دنيانا عابري سبيل لتنالهم يد الظلّام كذلك الطفل الذي يبكي أخيه النائم تحت الأنقاض فالأول ماتت روحه و هي ماتزال على قيد الحياة و الآخر لم يجد بدنيانا موضع قدم لبراءته و طفولته تلك فاتخذ من السماء سبيلاً ليحلق في جنان الخلد قرب نور الرحمن تاركاً أيّانا غارقين في بحر الظلمات وسط ضباب الأيام لتجرفنا وسط سيل مجرياتها  و أحداثها  ..

مونتريال – كندا

31-10-2015

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.