غرق المدينة ونجاة الضمائر..! 

0

 تابعتُ كغيري من ملايين المحبين لوطنهم مصر مأساة غرق المدينة الثانية.. والعاصمة الساحلية “الإسكندرية”، وشعرتُ بالألم يمزق القلب لحال أهلها ..بخاصة مع وفاة عدد منهم من تأثير سقوط أسلاك كهرباء الترام، أو الغرق في الشوارع .. كما في حالة القبطان البحري الذي غرق في سيارته، وآثرتُ هنا التوقف أمام ظاهرة فريدة من نوعها تتنامى من جانب معارضي الإنقلاب.. وهي تنامي مواد السخرية مما يحدث على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وبالتالي انتشار ما يسميه المصريون بروحهم المرحة، وقت الصفاء، “القلش” أو السخرية العميقة مما لا يستطيعون مواجهته، وهي الظاهرة التي كانت تطير النوم من عينيّ الراحل الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، فبعد ان أحكم قبضته على البلاد.. وتعمد سجن وتجويع الشرفاء إن لم يكن قتل أبرزهم غيّلة ودفنهم .. بعد أن استتبتْ له مصر فآجأه المصريون بعطرهم الفريد في المقاومة ب”النكتة” .. ولكن الأمر لم يلبث أن تحول حاكماً بعد آخر.. فما كان يزعج عبد الناصر لم يكن الرئيس اللاحق عليه ” السادات” يهتم به من الأساس، أما الرئيس غير المأسوف عليه “حسني مبارك” فقد كانت النكتة إحدى أبرز منتجات أجهزة مخابراته للتخفيف عن الشعب والتنفيس عن أوجاعه .. دون تقدم يُذكرُ أو حل لأي منها، ومؤخراً مع قائد الإنقلاب السفاح “السيسي” وصلنا لحالة من التداخل شديدة تجعلنا شبه نوقن إن أجهزة المخابرات التي كان يرأس أبرزها “المخابرات الحربية” لولا الثقة غير المحدودة التي أولاها له الرئيس محمد مرسي، فك الله أسره وخفف عنه، ..أما المخابرات اليوم فصارت توهم الشرفاء بأن نصراً ما يقترب من أبوابهم .. وكم كلفهم هذا التوهم وما يزال؟

.. أما الفعل شبه  المنتشر الأيام القليلة الماضية ونأسى له ونتحير فكمية السخرية من واقع بالغ المرارة .. سخرية مصحوبة بالصورة والفيديو للقسوة المفاجئة التي يعانيها أهلنا وشعبنا في محافظة الإسكندرية التي كانت تحيا في بساطة  لولا أن ضربها الإهمال في أقسى صوره ..دع عنا أن النُّوات كانت وما تزال تأتيها في مواعيد محددة .. وأن أموال المعونات الإماراتية “قيل 176 مليون دولار” بددها الإنقلابيون مؤخراً .. فالأمر يُصب في النهاية في خانة الإهمال المُميت!

لكن الواجب النظر إليه ويهمني هنا بقوة ..إن حدث خلال الأيام القليلة الماضية يفصح عن تمام تغير غير محدود في شخصية طرف من مناهضيّ الإنقلاب.. وادوات تعبيرهم عن مقاومته، فبدلاً من مفردات سقوط الإنقلاب التي تَبين فيما بعد إنها كانت أحلاماً لا أكثر، وبدلاً من تمني عودة الشرعية، وحلم القصاص للشهداء والمصابين، وعودة العدل، اللهم اهدنا إلى العمل بما يعيد علينا آمالنا في بلادنا، إذ إن الدي يتوهم النصر أو النجاح أو التوفيق وهو لم يأخذ بأسبابه ما هو إلا واهم ..مع محبتي عودة الحق الذي عهدناه في بلادنا سنوات من 11 فبراير 2011م حتى 30 من يونيو 2013م بدرجات، إذ إن تدخل العسكر ومحاولاتهم إفشال الحياة بجميع جوانبها كانت قائمة على قدم وساق لكن بدرجات زمنية متفاوتة، مع عظم المسئولية وتعجل جماعة الإخوان التدخل في أمر الرئاسة، وتحمل معاناة حطم بلد ظلموا أنفسهم بتحمل مسئوليته دون استعداد كافٍ، وقد أسفرتْ ردود الفعل على معاناة الإسكندرية من طرف معسكر الشرفاء في صورة مئات إن لم يكن آلاف الآراء .. ومن بينهم سياسيون وعلماء دين وأحياناً كُتّاب وغالباً صحفيين.. الجميع يتسابق في “التنكيت والتبكيت” وغالباً لوم أتباع ومؤيدي قائد الإنقلاب عبد الفتاح السيسي على تصديقهم إن مصر ستتغير كما وعدهم و”أخلف” .. والحقيقة هنا لا أراها تخرج عن أمور أخطرها:إن مصر بلدنا .. نحن مناصري نهضتها وتقدمها .. وإن الذين سرقوها منا لم يفعلوا بها ذلك إلا بمساعدة طرف منهم عن غباء وثقة عمياء غالباً، والأمر لا يمنع وجود خونة ومندسين ما بيننا زاد صوتهم ..وزاد تأثير ضراوة أفعالهم لما احتدمتْ الأزمة وأججها وأشعلها تمسك الطرفين بالتصعيد وإجرام العسكر .. ، وفور تصاعد الأحداث اتخذ طرف من الشرفاء قرار الخروج من مصر آلافاً وصار بعضهم يمثل طرفاً من القيادة الثورية لا يُستهان بها، وأتباع بعض هؤلاء شاركوا في السخرية المُرّة من واقع الحياة في مصر وتبعات غرق بعض أحياء مدينة كبرى مثل الإسكندرية واحتمال تكرار ما حدث، لا قدر الله، ولما تتم مواجهة كل هذا بطوفان من التنكيت فإنما الأمر عبارة عن إعلان، أرجو أن يكون جزئياً، بالفشل في إيجاد سبيل للمقاومة بعد قلة التظاهرات في شوارع مصر، وعدم وجود صيغة فعلية لإنهاء الأزمة في مصر، هذا بعد طوفان وعود لا حد له، وآمال كانت ممدودة كم أسهمتْ في سقوط مئات، إن لم يكن آلاف الشهداء ومثلهم من المعتقلين والمصابين إن لم يكن أكثر، بخاصة مع وجود ما يُقارب مليون مطارد، ويتمخض المدد الثوري المرجو عن كلمات..من قبل البعض.. أبسط ما يُقال عنها إنها شماتة في مأساة شعبية جارفة .. وقد تتجدد.. وكأن سقوط مصر صار منتهى آمال العشرات ليعودوا لحالهم الذي كانوا عليه ..

لم يكن نهجاً ثورياً واضحاً إذاً .. وإنما الصامدون اليوم يعانون من اضمحلال فرص الحل أمامهم .. وبعضهم يتعلقون بآمال تتعلق بسقوط لمصر وتمام الانهيار الاقتصادي ربما يُوجد ذلك حلاً أمامهم .. إنني إذ أتمنى أن ننتبه جيداً لمقاومة هذه الانفعالات والكلمات التي تدل على انعدام او فلنقل تقلص في الضمير لدى الكثيرين .. فإن هذا الشعب المصري هو طرف واحد يمثل أهلنا جميعاً .. أخطأ طرف منه لا ينكر أحد .. مهما كان عدد هذا الطرف ..وساند العسكر في مسلسل استخدام القوة .. ولكن الطرف صاحب الحق والشرف والكرامة ينبغي ان يأخذ منحاً كاملاً من الكرامة ..من مثل ما حاول البعض فعله.. من تبيان إن هؤلاء أهلنا لا يصح لنا ولو شىء يسير من “الشماتة” فيه ..

كنتُ أتمنى أن يكون رد الفعل تجاه أحداث الإسكندرية الأخيرة واضحاً نتمنى فيه جميعاً كطرف ثوري السلامة للمصريين وتمني أن لو كنا إلى جوارهم لنساعدهم على أمرهم، وإن مُنعنا من ذلك فإن في أقصى نقطة من قلوبنا يسكن هذا الأمل.. إسعاد هذا الشعب وتوعيته بإن نهضته وتقدمه هي نواة لنهضة وتقدم الأمة، وهو منتهى آمالنا من الحياة وفيها، وإننا مهما لاقينا من صعوبات في سبيل تحقيق هذا الهدف لن نكل أو نمل لإننا لا نطلب الثواب له في الدنيا، وإنما نهدف الوصول إلى رضا الله بتعمير الدنيا أولاً ثم انتظار المثوبة منه في الآخرة .. وإننا لن نمل من طلب هذا الأمر، وهو أمر واحد في الحقيقة.. رضا الله بتعمير الأرض .. ومصر من أرضه تعالى .. سكنا فيها وسكنتْ فينا .. وإن البعض منا إن لم يفهم أو نسي أو تناسى دوره الحقيقي..فإن على المجموع الشريف أن يذكره بأن ما يفعله هو جزء من موات وغرق الضمير الذي أزاحه من بلده إلى خارجه .. وإن الاستمرار على الغاية السامية أجلّ وأنبلّ ما نسعى إليه في الحياة ومالا ينبغي أن نحيد عنه مهما حدث لإننا لا نسعى لهدف دنيوي..نسأل الله تمام الثبات عليه لتنجو ضمائرنا وتعرف سبيلاً حقيقياً للنجاة من الأخطار المهولة التي تقود وطننا ومن ثم الأمة!

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.