اللّوحة ..

0

حينما تخرج من منزلك قاصداً وجهتك ، متحضراً لاستقبال صباح جديد مشتاق فيه لدفئ شعاع شمسه و انعكاس لونه و تقلباته من الفجر حتى الغروب ثم تصاب بخيبة أمل بمجرد أن تفتح باب منزلك فاعلم أن الشتاء قد طرق الأبواب منذ وقت ليس بقليل ، فاليوم لم تزر الشمس هذه المدينة أو لعلها زارتها و لكن بطريقتها فاتخذت من الغيم مخبئ لها ، و دفنت شعاعها خلف ذاك الضباب و كأنها حزينة ، ناقمة على قاطني هذه المدينة أم تراها خجلة منا لا أدري ..
و كما تجري العادة هنا حينما يتلبّد الغيم عرض السماء فتمسي الشوارع مظلمة إلى حد ما و كأن الغروب بدأ يلوح معلناً اقتراب قدومه لا العكس ..
فالساعة الآن الثامنة صباحاً فالفجر قد نادى مصلّيه قبل ساعتين من الآن ..
و بالعودة إلى هذه المدينة عاداتها و أضوائها التي لم يكتب لها الراحة بعد ، ترجلت من حافلتي الصباحية لأمشي على ذاك الرصيف المبلل بعد أن اختفى من عليه ظلال الأشجار التي اعتدت عليها كل صباح ، فالشجر قد بدأ يتعرى من أوراقه و الشمس لم تحنو على أغصانه بعد ..
مضت ساعات يومي بروتينه الاعتيادي ، إلى أن وصلت إلى تلك اللوحة ، فقد كان نهاري الدراسي ذاك يتخلله درس عملي للتعرف على ثقافة و حضارة القبائل التي عاشت هنا منذ مئات السنين و ذلك عن طريق زيارة أحد معارض الرسم الشهيرة هنا ..
كان معرض عادي أو بتعبير أصح بنظري هو معرض عادي ، خاصة أن في زيارتي تلك لم أحظى بمشاهدة القسم الذي يحوي على رسومات لفنانين عالميين ، ما عدا قسم واحد حيث تلك اللوحة .

في بادئ الأمر لم أعر أهمية لتلك المرأة القابعة داخل ذاك الاطار ، خاصة أنني كنت قد مررت على الكثير من لوحات تحمل في طابعها الفن التشكيلي و منحوتات أخرى غير مفهومة الملامح و لم تكن تلك اللوحة تمتلك ميزة خاصة عن سابقاتها بالنسبة لي على الأقل ، خاصة أنني كنت قد انبهرت بجمال لوحات سبقت تلك الامرأة تحمل بين معالمها لقطة من لقطات ماضٍ بعيد ، فهنا عائلة يبدو عليها أنها من طبقة ارستقراطية جلست في إحدى غرف المعيشة و سط قصر لم يرسم ، لتجلس في منتصف اللوحة امرأة تقدّم بها العمر و من حولها كان يجلس أولادها و أحفادها أو هذا ما خيّل لي لا أدري ..
ملتفّين حول إحدى المدافئ الحجرية القابعة داخل أحد الجدران المرسومة تلك ..
و في الطرف الآخر لوحة لخيمة قديمة مهترئة ، غطتها ثلوج هذا المكان و برودته التي لم تتغير يوماً بل لعلها ازدادت قسوة مع ازدياد صعوبة الحياة ، لتجلس على بابها القماشي ذاك إذا أردنا أن نطلق عليه مجازاً مصطلح باب ، لتجلس أسرة يلتمس أفرادها الدفئ حول تنكة كان قد شبَّ فيها بعض ألسنة من اللهب ، لوحة لأسرة تكونت من أفراد أقل من لوحة سبقتها لتروي قصة عائلة أضناها المرض و ربما الجوع فلم يبقَ على قيد الحياة إلا كل قوي متين البنية أو ربما كل من كتب له طول العمر ، أم تراني أقول قصره لا أدري ..
فالعمر يا سادة لا يقاس يوماً بعدد أيامه بل براحة كان قد منّ الله عليك بمنحك أياها ، فأنت إذا ما تجاوزت الستين من عمرك لن تقول أن عمري ستين و حسب ، بل ربما ستخبر عنه بأنه تجاوز الستين من كثرة عقبات حياة مضت أو لعلك تخبر عنه قائلاً : إن عمري اليوم هو الستون على أن تنتقص منه سنة أو اثنتين ، عشرة أو ربما عشرون ..
ليسألك أحد أحفادك قائلاً :
و يا ترى أين ذهبت تلك السّنين يا جدي ..
فلعلك تجيب حينها قائلا :
لم تذهب يا بني بل هي راسخة في ذاكرتي تماماً كعمري الذي هو معلوم لي على الأقل ، و لكن تلك السنوات مهما رحت أعيدها في ذاكرتي و مهما استرجعت من ذكرياتها فهي لم تثقل عليّ يوماً و لم تحملني مالا طاقة لي به ، فكانت لي الونيس في يوم أضناه كثر التعب ، و كانت لي الصديق في يوم خلا منه الوليف ، و كانت لي الأمل في يوم تخلله اليأس مسدلاً على احلامي حينها الظلام ، فشعرت معها بأني أصغر بعشرين من الأعوام لذلك لم أضيفها على عدد أيامي المعلومة حينما أتحدث عنها ..
و بالعودة إلى ذاك اليوم و بعيداً عن خواطري التي أشعر بأنها باتت هواجس تأسرني وتشعرني بالاختناق حتى أمسك قلمي و أشرع بالكتابة من جديد ، فقد كنت قد أخبرتكم مسبقاً أنني لم أعر تلك اللوحة أي اهتمام بعد جمال لوحات سبقتها فأنا من محبي اللّوحات التي تحمل معها قصة ما ، قصة لماضٍ لم نشهده يوماً ، قصة رويت بألوان ، خطّتها ريشة فنان دون أن ينطق كلمة واحدة عنها ، و لكن سرعان ما جذبتني تلك اللوحة بعد ذاك الوصف ، حين تكلمت المتحدثة باسم ذاك المعرض قائلة حينها :
هذه اللوحة كمثيلاتها التي سبقتها في هذا القسم فهي أيضاً للفنان الشهير ؛
…“Paul Kane “
و هو رسّام كندي ايرلندي الأصل ذاع سيطه في أحداث القرن التاسع عشر خاصة بعد رحلته الشهيرة للتعرف على ثقافات الشعوب الأولى التي سكنت كندا ، و ما إن عاد من رحلته تلك حتى راح يرسم ما شاهده في ترحاله ليخط بريشته و ألوانه الزيتية مالم ينقله يوماً عشرات المراجع و الكتيّبات ، ليرسّخ بذلك التراث الكندي بعادات قبائله المهاجرة و ثقافاتهم ..
و ما إن قالت تلك الكلمة الأخيرة حتى رحت أسرح بخيالي مجدداً :
ثقافة ..
يطلقون عليها ثقافة .. !!
نعم أعلم أن ذاك الفن ثقافة و لكن فحوى الصورة ليست بثقافة البتّة ، بل تدل على جهل الأولين و انحدار ثقافتهم ..
ثم إن ما الثقافة في صورة تشوه المرأة و بتعبير أصح تشوه خَلْق المرأة و جمالها ، ثمّ ألا ينبغي للثقافة لتكن ثقافة أن تنحدر من شعوب عاشت منذ زمن قد يصل وصفه نحو الأزل ، عاشت و نمت مورثة تلك الثقافات و العادات ، الأراضي و الملوك ، و ربما الأديان في بعض الأحيان في بقعة أرض واحدة لنطلق عليها مصطلح ثقافة ، فمن اين لي أن أتعرف على ثقافة بلد استجلبت ثقافتها من العدم ، استجلبتها من شعوب قدموا مهاجرين هاربين أو ربما منبوذين إلى هذه البقعة البيضاء الباردة من الأرض ليرسموا تلك الثقافة من خرافات و عادات بالية من ذاك الهو و الفراغ ليس الثقافي و حسب بل الجغرافي و السكاني و غيرها الكثير الكثير..
ما بالي !!
أتراني أتحدث عن اللوحة أم عن نفسي يا ترى ..؟
فهم إن كانوا قد مارسوا عاداتهم و طقوسهم يوماً فإني هنا بت لا أملك من أمري أن أمارس عادات كنت قد نشأت عليها سواء أكانت تتصف بالبالية أو لا ، و هنا لم أعد أشعر بأي من الطقوس سواء أكانت دينيّة أم غير ذلك ، و إلى هنا قدمنا مهاجرين هاربين و ربما سنمسي يوماً منبوذين ..
لا أعلم ..
و إذا بصوتها مجدداً يعيدني من أفكاري تلك حين أخبرتنا قائلة :
لم يكن الرجل يتعرض لمثل تلك العادة البالية ففي عرف و ثقافة هذه القبيلة ما هي إلا حصراً و قصراً على المرأة دون الرجل في تلك الحقبة ..
فالصورة كما تروا هي لأمرأة تحمل طفلة تمارس عليها عادة كانت قد ورثتها من أجدادها و آباءها ، فذلك المهد الذي يتوسط تلك اللوحة ليس بمهد عادي ، فاللوح الخشبي القابع فوق رأس الطفلة و المشدود الوثاق بحبل وصل بالطرف الآخر من ذاك العذاب لا المهد كفيل بتشويه رأسها إلى الأبد ، لتكبر حاملة شكل رأس أم كانت تحمل شكل رأس أمها و جدتها و هلمّ جرّة ..
فلم يكن مني غير أن بادرتها بسؤال عاجل طالبة منها تفسير منطقي لذلك ، فأجابتني قائلة ..
إنها عادة بالية تماماً كمثيلاتها في أقدام فتيات الصّين في القِدَم و رقبة بعض الشعوب الطويلة التي شوهها ابتغاء جمال مزعوم واضعين فيها الحلقات واحدة تلو الأخرى ..
فقد كانت هذه القبيلة تعتقد أن ذلك يمنح الفتيات جمالية خاصة و ليش تشويه في الجمجمة ما عاذ الله ..
و أن بذلك يصلون إلى مستوى أعلى من مستويات الذكاء لا الحد منه ، و ربما يرجعونه للانتماء أيضاً فما أن يراهم أحد الغرباء حتى يستنبط على الفور انتمائها و أصلها الذي يعود إلى أحد قبائل الهنود الحمر الشهيرة ..
ثم رحنا نكمل تجوالنا ، و بالرغم أننا كنا ننتقل من لوحة إلى أخرى إلا أن أفكاري مازالت عالقة عند حواف ذاك الإطار الذهبي الذي يخبّئ من قصص نساء ظلموا الكثير الكثير لتراودني أسئلة عدّة منها ..
ترى من الذي اخترع تلك الخرافة و جعلها قانون يسري على جميع الفتيات من بعده ، و كيف له أن يقرر عن فتاة لم تبلغ الشهر من العمر بأن يحرمها من حياة لا يتخللها تشوه مصطنع ثم لماذا كل ذاك العذاب ..؟
و لم أبرح تلك الأفكار إلا حين صادفتني لوحة كانت قد علّقت في زاوية ذلك المعرض قبل مغادرتي إياه ، و التي كانت تروي قصة لإحدى شوارع هذه المدينة في حقبة ليست بعيدة كثيراً عن اللوحة الأولى ، حقبة كانت تجسد شوارع فرشت بالأحجار و أبنية اتسمت ببعض الحضارة ليتوسطها مقطورة صغيرة كانت قد عُلّقت بأحبال سلكية لتدل على بدء عصر جديد … …
و كأن تلك اللوحة بجمالها و صمتها راحت تخبرني و تجيبني على سؤالي الذي مضى قائلة لي :
قبل سؤالك عن حضارة اندحرت و لم يبقى منها سوى بعض أوراق و كتيّبات و عدد قليل من اللوحات عليك يا سيدتي أن تجيبينني على ما يحصل في هذا القرن الذي يلقب بالقرن الواحد و العشرون ..
فهل تراك تستطيعين أن تفسري لي صورة ظلّت عالقة في ذاكرتك الصغيرة تلك أيام ، ليال و أشهر و ربما لن تبرأ تفتكُّ منها و لن تتخذ من النسيان سبيلاً في يوم من الأيام ..
تلك الصورة التي التقطت رسمت و كُتب عنها الكثير الكثير لطفل لم يتجاوز الثالثة من العمر قذف البحر بجثمانه نحو أحد الشواطئ حين أنجاه الله من برودة ذاك المكان و ظلم البشر ، فأخذه إلى جنانه ليخلّصه من ذاك العذاب ..
أم تراني أتطلع لإجابتك عن صورة أخرى لامرأة انتحبت ابنها الرضيع لتبقى في الذاكرة إلى الأبد ، أم لعلّي أنتظر منك أن تجيبينني عن تلك النار التي تشتعل هناك حيث موطنك و مسقط رأسك ، أم أذكرك بصورة للاجئة احتضنت البرد في خيمة لا تقيها برداً لشتاء و لا أعاصيراً لصحراء و لا حتى حر الأيام ، التحفت العراء و احتضنت الصخر لتوقف أنين جوع اعتصر أحشاءها و أنزل دمعها ، في خيمة شدّت في قرن يلقب بالواحد و العشرين و ليس في زمن بعيد حمل لنا من أثره لوحة و بعضاً من الألوان ، أم لشيخ يبكي الأسى ليرسم على جبينه خطوطاً و علامات من القهر لا الكِبٓر ، أم ..
كفى ..
قلت بصوت أعلى من الهمهمة بقليل ، قلتها و الدّمع كان قد جعل من عيني منزلاً له ، قلتها متهدجة الصوت مرتعشة ..
ثم أردفت و كأني أجيب صمت تلك اللوحة قائلة :
لن أجيبك على كل ما مضى فلا أملك مما يحدث حولي تفسير منطقي و لا تحليل يجعلني أدخل ضميري بغيبوبة أسبوع شهر و ربما سنون كما يفعل بعض العرب و كثير من الزعماء و لكن دعني أبوح لك بأمر ما يا هذا ..
ليس التشوه حصراً على الجماجم و لم يكن يوماً قصراً على ما نلمسه كلوحة استوقفت تجوالي منذ قليل ، فكم من بني البشر يمتلكون من التشوهات التي لا نعرف متى بدأت و إلى أين سيصل بها المآل ، و كم من اختلاف لم يُحترم ساقَنا إلى تخلّف و رجعيّة لتصب بِنَا في نهر من التشوهات ليست الفكرية و النفسيّة و حسب بل حتى ستطال في أحد الأيام حضارة قد يصل تكوينها إلى نحو آلاف و ملايين السنين من الآن فيمسي ذاك التشوه كفيل بأن يمحي حضارات و أمم ، ليصل المآل بشعب كان يمتلك الدفئ الحب و الوفاء ، و كان يتمسك بالعروة الوثقى إلى شعباً بات ينام بين البرد و الجوع و العراء ، يحيط به التهجير و الظلم ، ليستيقظ على الخوف محتضناً أحلامه التي حطمتها نيران الحرب و أشعل بها تشوهات البشر أمراضهم و طغيانهم ، فيبات من لم يمتلك يوماً ذاك الميثاق الغليظ و من لم يتمسك بتلك العروة الوثقى في أيام سلمه و أمانه زائغ القلب تائهاً لا يعلم من أمره رشداً ..
و لكن عليك أن تعلم يا هذا أن ليس كل اختفاء شمس هو نهاية ما ، فلعل صباح هذا اليوم لم يشرق بشمسه المعتادة و لكن غيمه كان كفيلاً بأن يسقي أشجار هذه المدينة ، و بأن يجحف السّيل بشوارعها ليتركها ثلاجيّة فإذا بذاك الغيم باعثاً برائحة نقاءه لا أمطاره و حسب لتؤنس روحنا باكراً و لتنعش ذكرياتنا حيناً و لعلّها لتخبرنا أيضاً أن شمس غد قادم لا محالة ..

متحف musèe des beaux arts
لوحة تحمل اسم صاحبتها :
Caw – Wacham

مونتريال -كندا.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.