ما حكاية الفنان الحمصي الذي عاش في شقة الموسيقار فريد الأطرش بالجيزة ثمانية أشهر

0

وعد الأحمد- وطن- خاص

في شقة الفنان فريد الأطرش أمضى الفنان الحمصي “أسعد ليلى” سبعة أشهر قبل أن يعود إلى حمص مؤثراً الصمت والانزواء في الظل ثلاثين عاماً، قبل أن يرتحل منذ أشهر طاوياً في رحيله ذكريات فنية لا تنسى مع فنان كان له دور كبير في تطوير الغناء العربي والموسيقى الشرقية أداءاً وفكراً وأسلوبا رغم مرور عقود على غيابه، ولكن ما هي قصة هذا الفنان الحمصي مع مبدع لحن الخلود.

 ولد أسعد ليلى في مدينة حمص عام 1939 وكان له نشاط فني ملحوظ في الخمسينات قبل أن يشد الرحال إلى القاهرة لدراسة فن الموسيقى حيث انتسب إلى المعهد العالي للموسيقى، وكان أستاذه في مادة العود “عبد الفتاح صبري” الذي اكتشف إمكانياته الصوتية وشجّعه على الغناء، ثم عرّفه على الفنان الراحل “محمد الموجي” الذي أُعجب بصوته وشجعنه على الاستمرار في دراسة الموسيقى وأصول النغمات والتمرين عزفاً وغناءً، ويقول الراحل أسعد ليلى في لقاء مع هذه السطور قبل وفاته بسنوات:” بعد مرور عام دراسي أي في عام 1957 تعرفت على صحافي سوري من مدينة دمشق  كان يريد مقابلة الأستاذ فريد الأطرش الذي كنت ولا زلت أكن له إعجاباً شديداً قبل أراه  فتشجعت لمرافقة صاحبي الصحافي ودون أي جهد وصلنا المنزل في حي “الجيزة” الذي كان بجوار بيت الرئيس الراحل “أنور السادات” .

 ويردف ليلى في اللقاء المذكور:”قابلنا الموسيقار الأستاذ فريد الأطرش، وبعد التعارف سمع صوتي وطلب مني أن لا أنقطع عن زيارته، ومنذ ذلك الحين بدأت أتردد على منزله في الجيزة ونشأت بيننا علاقة صداقة ومودة، وكان له فضل كبير على صقل موهبتي وتجربتي في الغناء والتلحين الموسيقي”.

 في غرفته الصغيرة المليئة بالنوط الموسيقية وصور حفلاته الموسيقية ونشاطاته واصل الفنان “أسعد ليلى” حديثه مستعيداً كشريط سينمائي جوانب من ذكرياته:

“في عام 1958 تمت الوحدة بين سوريا ومصر فاشتركت في الحفل الذي أقامه المعهد وكان الفنان الراحل فريد الأطرش حاضراً فأُعجب بأدائي وسهرنا بعدها حتى الصباح مع مجموعة من عشاق فريد الأطرش، وطلب مني في هذه السهرة أن أسكن في عمارته بالجيزة “، وأضاف:” كم كانت فرحتي عظيمة ودهشتي كبيرة عندما جاء بنفسه إلى مكان سكني آنذاك وحمل حقيبة ثيابي ، وهكذا سكنت في الطابق العاشر من عمارته التي كان يسميها “بيت العرب” .

في “بيت العرب” بقي اسعد ليلى ثمانية أشهرأي خلال موسم دراسي كامل، وكان الموسيقار الراحل خلالها– كما يقول- في منتهى الإنسانية واللطف والرقة والتهذيب، وهذا شأنه مع كل من كان يتعامل معهم مهما كان مستواهم الاجتماعي أوالثقافي ، وكان رحمه الله خفيف الظل، دائم الابتسام، طيب القلب، أي شيء يسعده وأية كلمة غير مناسبة تضايقه، وكان في منتهى البساطة، ولم أشعر أمامه خلال فترة لقائي به بالتعالي أو التكبر شأن الكثير من فناني تلك الفترة الذين تعرفت عليهم في القاهرة.

وأردف الفنان الراحل في اللقاء المذكور مستحضراً صفات الفنان الكبير”فريد الأطرش” الذي كان ” كريماً جداً ومضيافاً وودوداً لكل من حوله حتى أنه كان يصرف في أيام قليلة ما لا يقل عن 20 أو 30 جنيهاً مصرياً في دعوات الغداء أو العشاء التي كان يقيمها لأصدقائه” وكان-كما روى ليلى- “يخصص مبلغاً شهرياً يساعد به المحتاجين والفقراء لأنه عاش شطراً كبيراً من حياته يعاني القسوة والبؤس والحرمان بعد أن استقر به الحال مع أمه وشقيقته أسمهان في مصر، ولذلك كان أكثر ما يؤلمه أن يرى إنساناً محتاجاً، وأما زملاءه من الفنانين فكانت لهم مكانة خاصة في وجدانه وبالذات الأكبر منه سناً، حتى أنه خصص جناحاً كبيراً من عمارته للآلات الموسيقية التي كان يتركها الفنانون الراحلون من أصدقائه أومن فرقته فيشتريها بمبالغ كبيرة كنوع من المساعدة لعائلاتهم حتى تجمّع لديه عدد ضخم من الآلات الموسيقية بمختلف أنواعها فصارت أشبه بمتحف موسيقي.

مع صفية حلمي:

وحول تأثره بالفنان فريد الأطرش أشار ليلى إلى أنه أفاد الكثير من معلومات الراحل وارشاداته حول الموسيقى والتلحين حتى أنه – كما يقول أهداه كتاباً يجمع النغمات الموسيقية كلها لا زلت يحتفظ به حتى الآن كجزء غال من ذكرياته عن تلك المرحلة  واستدرك قائلاً: “كانت أيامي في مصر من أجمل سنوات عمري إذ عايشت فيها كبار الفنانين العرب والمصريين، وكان لي شرف الجلوس إليهم وحضور حفلاتهم والسماع إلى نصائحهم وتوجيهاتهم الفنية، وهناك تعرفت على الأستاذ “حنفي حنفي” المسؤول عن نادي المدام “صفية حلمي” الذي طلب مني أن أقدم فقرة غنائية سورية على مسرح النادي في ميدان الأوبرا ، وفي ذات اليوم- كما قال- ” ذهبت لمقابلة المدام صفية وإجراء بروفة على الأغنية التي سأقدمها وتعرفت حينها على الفنان الأستاذ “محمد مكاوي” عازف القانون الشهير ونلت إعجاب صاحبة النادي حين قدمت في المساء أغنية ” عاليادي” مع موال، وكنت سعيداً بنجاحي.

 في العام 1960 عاد اسعد ليلى إلى حمص يحمل “كارنيه” من نقابة المطربين والموسيقيين بالقاهرة برقم العضوية 256 بصفة مطرب وموسيقي بتوقيع محمد الحنفي مديرالنقابة آنذاك، وبعد وصوله إلى حمص عُيّن مدرساً موسيقياً في عدد من المدارس الإعدادية ومارس مهنة التدريس فيها لغاية عام 1972 وخلال هذه الفترة انتسب إلى نادي الخيام، وبدأ يعمل في هذا النادي حتى عام 1973 حيث أُصيب بمرض ومنعنه الأطباء عن الكلام والجهد فترك  التدريس والنادي ، وخلال تلك الفترة-كما قال الفنان الراحل ” قدمت الكثير من الألحان الموسيقية ومنها لحن نشيد وطني للفنان منير عطا الله بعنوان ” قسم الثائر” وأغنيتين للشاعرالأستاذ “عبد الكريم الناعم ” غنتهما الفنانة ” فاطمة نعمان” ونشيد للشاعر “عون درويش” أداء المجموعة وأغنية “بدأ الزحف” غناء الطالبتين مها ورحاب عبد العال وأغنية وطنية لشقيقي ” محمد ليلى” غناء “رحاب عبد العال” وكذلك لحنت أغنية للشاعر الشهيد “خالد بشار” غناها الطفل- آنذاك- “جورج وسوف” الذي سرد حكايتي معه في لقاء مع مجلة الشبكة اللبنانية للصحافي الراحل “جورج إبراهيم الخوري”.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More