“أحمد زكريا” وشهداء الأفق المسدود في مصر!

0

حتى وقت متأخر من الأمس كنتُ أتدبر حال مناصري الشرعية في الغربة، بخاصة لما وصلني على أحد مواقع التواصل الاجتماعي إن برلمانياً شهيراً له تاريخ مع النضال الوطني تُخبر بإنه ذو عقلية سياسية أكثر من جيدة.. الرجل ربما بعفوية لم يدرك مقدار دلالة أن يقرر إن الاعتراض على الانتخابات البرلمانية الهزلية تتمثل في “قرارات” لبرلمان 2012م، أو ما تبقى من أعضائه المُطاردين في استطنبول بتركيا، وقد اجتمعوا منذ أيام وأعلنوا في مؤتمر صحفي رفضهم أول انتخابات برلمانية في عهد قائد الإنقلاب، فيما الانتخابات تتم بالفعل على أرض الواقع، قل ما تشاء وأنت صادق عن ضعف الإقبال والتزوير وحكم العسكر والقهر، ولكن الانتخابات إذ تتم ليس مجال الاعتراض عليها صفحة على أحد مواقع التواصل الاجتماعي ثم عرض عدد مرات مشاركة الشعب المصري لبيان البرلمان الشرعي الحقيقي، وعدد مرات الاعجاب وعدد مرات الدخول إلى الصفحة فإن ذلك لا يساوي شيئاً من الأساس مما يجري على أرض الواقع في ..

وعلى ذكر صفحة البرلمان الشرعي على موقع “فيس بوك” والتي عدد أحد أبرز نواب الإخوان البرلمانيين المعاصرين محاسنها ..فإن شاباً جميلاً ينتمي إلى نفس المربع الشريف ما يزال ينشر على صفحته بإن أخاه الخبير الاقتصادي العالمي الذي رفض الاستمرار في العمل بصندوق النقد الدولي .. وعاد ليشارك في ثورة 25 يناير، أو ما ظنناه ثورة، ونشر له مؤخراً صورة نشرتها إحدى كبريات الصحف العالمية.. وهو مُخبأ رأسه أسفل لوح خشبي ينظر إلى ميدان التحرير يوم “معركة الجمل” معتلياً ما يشبه حاوية القمامة..يهم بالنزول للمشاركة في الدفاع عن شرفائه.. فيما مصوران صحفيان مختفيان خلف الحاوية، كان شقيقه يقول في آخر منشوراته إن الأستاذ الجامعي المشارك في أخطر أيام الثورة على الأقل يقارب الوفاة في سجن العقرب، وإن أخاه الآخر محتجز هو الآخر.. رغم عدم انتمائها إلى جماعة الإخوان من الأساس .. وكونهما وطنيان لا أكثر يحبان بلدهما ..

كنتُ أتدبر في كل هذا وسابق معرفتي البسيطة بشخص الدكتور عبد الله خطاب الخبير الاقتصادي العالمي المذكور في الفقرة الماضية، إذ كان الرجل يصلي بعد عودته في مسجد قريب، ولإنه كان يسكن وسط أهل وعائلة فلم تكن تميزه عنهم حتى أخبرني أحد الأصدقاء القريبين بمكانته .. فتعجبتُ من بسيط ثيابه .. وتواضعه البالغ وهو يوصي أحد شباب العائلة لحظتها بمزيد من الاستذكار وبذل الجهد .. وبعد انتهاء العام الدراسي سيتدخل بنفسه لدى أبيه، والشاب لم يكن يريد الالتحاق بكلية اختارها والده له.. وأذكر إن ليلة رمضانية جمعتنا في منزل أحد الأصدقاء.. وكان دكتور عبد الله حاضراً .. فلما دارتْ علينا أكواب الياميش لم تكن الملاعق قد حضرت بعد .. وكان الرجل جالساً على الأرض .. فقال له الصديق:

ـ مثلك يجلس على الأرض ويأكل بأصابعه؟!

فرد الدكتور عبد الله على الفور:

ـ كذلك سنلقى الله .. كلنا من هذه الأرض .. فما الداعي إلى لتكبر ..

تذكرتُ كل هذا ولكني صباح الخميس 22 من أكتوبر فوجئتُ بخبر تنشره ثقة على  نفس موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك” عن تصفية فورية لفرقة اغتيالات لشاب من أسيوط اسمه “” بتهمة الانتماء لجماعة إرهابية، رغم وجود قضية له منظورة بالفعل أمام القضاء المصري، ورغم كونه قد أجرى جراحة طبية الأحد الماضي فقط .. وهو في فترة الألم الأشد عقبها لا يستطيع الحراك من سرير المرض .. ولم يتم إمهاله ليتنفس لا ليهرب .. وبالطبع لم يحتف بوفاته أحد، ولم يذكره أحد إذ إن أمثاله أصبح يعرفهم ويحتفي الله وحده بهم ولا يكاد يمر أسبوع دون تصفية أحدهم على الأقل ..

عقب الفعل البشع الذي تهتز له السماوات والأرض.. والذي يدل على منتهى الاستهانة بحياة الإنسان في مصر تمت محاصرة منزله لئلا يتجمهر أهله المكلومين، وتم التعنت في تسليمهم جثمانه الطاهر، والشهيد لديه 28 عاماً فقط، وهو جامعي خريج كلية تجارة، وقد انتهت خدمته العسكرية منذ سنة فقط، ولو إنه مات في الجيش لقال الإنقلابيون إنه شهيد من خيرة أجناد الأرض برأي ناشرة الخبر.. والتي قالت مطلوب حل . . وكلمة صدق لا الصمت..

أما كلمة الحق فإن دم هذا الشاب ليس في رقبة فرقة الاغتيالات التي تمكنت من قتله .. بل في رقبة الذين سمحوا لمصر أن تتحول إلى غابة لا يتم احترام تحويله إلى القضاء ليتم النظر في أمره، ولا مرضه الشديد، ذنبه في رقبة كل متخاذل عن التفكير في حل ينهي الأزمة، دمه ايضاً في رقبة الطرف الراضي باستمرار الأزمة ممن غادروا مصر .. ولو تعد أيديهم في “ماء النار” القاتل، ويعيشون في “بحبوحة العيش” وليس جميعهم كذلك .. إلا إن البعض يؤثر مصلحة دنيوية عاجلة بالنسبة له على مصلحة بلده الأكثر من طاحنة وقاتلة، إن هؤلاء “يميعون” القضية .. ويضيعون جانباً من حلها .. بتصويرها على إنها لا حل لها، أو الارتكان على أحلام لا يصدقها واقع ولا منطق .. وبفضل أمثالهم وتصديق صادقين لامكانية وجود حل لا دعم له من واقع أو أفق سياسة  بفضلهما تستمر المأساة .. وتستمر إراقة الدماء ..

أما البعض من  أولئك المندسون الذين “يتكسبون” من الواقع المر فحدث عنهم ولا حرج ..

إنني أرفع من جديد ابتهالاً إلى رب العزة أن يعين الشرفاء على أمرهم .. وأن يأخذوا من المواقف ما يُرضي الله تعالى.. وأن يعين قادتهم إلى اتخاذ القرار المناسب الذي يرضيه تعالى، ويُفوت على الحمقى والمندسين وتجار الأزمات ما بينهم فرص التدليس عليهم، ويفوت من قبل على الإنقلابيين والقتلة والفجرة فرصة إفناء الشرفاء ..

2

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.