بانوراما الواقع المصري منذ 25 يناير 2011م (4)

0

المشهد الرابع : قادة الجيش والثورة والدولة والمجتمع :

لقد سيطرت قيادات الجيش المصري على مصر ، وشاركت النظلم السياسي في قهر وقمع الشعب المصري ، وتسترت على فساد النظام وكانت جزءً منه ، ثم اندلعت الثورة المصرية ، ولا يستطيع أحد مجرد الزعم بأن تلك القيادات بمخابراتها الحربية والمخابرات العامة المتعاونة معها كانت تعلم بموعد اندلاع تلك الثورة ، فماذا كان موقف وسلوك قيادات الجيش تجاه الثورة وتطوراتها ثم الدولة المترهلة شبه الفاشلة ثم المجتمع الذي كان مرتعاً خصباً للتغرير به وتمزيقه وهو لا يملك من أمره شيئاَ ؟

أولاً : قيادات الجيش تراقب اندلاع الثورة وتطورها :

لم تخف قيادات الجيش المصري قلقها الشديد من التطورات السريعة والمتلاحقة للأحداث بعد اندلاع الثورة المصرية في 25 يناير 2011م ، وأعلنت حالة الطوارئ القصوى وهي حالة الحرب ، وظلت تراقب عن كثب ، وأعلنت مجموعة من التدابير ، جاءت على النحو التالي :

أ : النزول إلى الميادين العامة وحراسة المنشآت الحيوية ، ولم يدر أحد حتى تلك اللحظة ما إذا كان هذا التدبير صادر عن قيادات الجيش بمبادرة منها ، أم بأمر من رمز النظام القائد الأعلى للقوات المسلحة ، أم بالاتفاق بين الطرفين ، إلا أن ما يسجل إزاء هذا التدبير أن الجيش لم يشتبك مع الثوار ، ولم يساند قوات الأمن في اعتداءاتهم القاتلة على المتظاهرين ، بل كان وجوده أقرب إلى الموقف الشرفي .

وكان ذلك الموقف من الجيش مدعاة لأن يظن المتظاهرون أن الجيش معهم ، ودليلهم على ذلك أنه لم يشتبك معهم أو يتحرش بهم ، وأنهم يهاجمون النظام ولا يعقب ، بل ويطالبون بإسقاط النظام ويسجلون مطلبهم على مركباته .

ب : في ذات الوقت كانت قيادات الجيش ممثلة في المجلس العسكري في اجتماعات متواصلة مع رأس النظام لدراسة وتقييم الموقف ، وكان لكل تقييمه ، الذي يحقق مصالحه وقد لا يتوافق مع تقييم الآخر وهنا افترق الأخلاء .

(1) فرأس النظام لا يزال يتشبث بالسلطة ، ويأمل رأب الصدع وامتصاص غضب الشعب بمجموعة من الإصلاحات التي أعلن عنها بشكل استفز الثوار ، وأشعل غضبهم وزادهم إصراراً على مواصلة ثورتهم ، بل ورفع من سقف مطالبهم إلى أقصاه وهو رحيل النظام ، وظل الرئيس واقعاً تحت تأثير نوبات التغييب والتنويم المغناطيسي التي تسببها تقارير المخابرات ومباحث أمن الدولة ، والتي مفادها أن الانتفاضة يمكن احتواؤها بالقوة القاتلة كما اعتاد النظام أن يفعل في السابق .

(2) أما الجيش فكان أكثر واقعية في تقييم الأمور ، إذ تبلورت لديه قناعة بأن هذه ثورة عارمة ، وقد وصلت إلى ذروتها حينما طالبت برحيل النظام ، وأنه من الصعب إثناء الثوار عن مطلبهم ، وأن استخدام العنف سيجر البلاد إلى عواقب وخيمة ، ولا يزال في مخيلة الجيش ما هو أدهى وأمرّ .

ت : وأخيراً أكدت قيادات الجيش على أنه لن يتدخل لإنقاذ النظام ، ليس تبرؤً من النظام وأفعاله ، ولكن لأن عمره الإفتراضي قد انتهى ، وانتهى معه تحالف المصالح المتبادلة ، وهذه الذرائعية تتقنها وتحترفها كافة قيادات الجيوش في العالم العربي .

ومن ناحية أخرى فإن الجيش لم ينحز إلى الشعب في ثورته ، ولكنه كان يبحث عن تحالف جديد ، يحافظ على الميزات السياسية والافتصادية الخطيرة وغير المقبولة في دولة مدنية ، أي ميزات ما فوق الدولة للقيادات العسكرية ، وكانت مصر والمجتمع المصري في وضعية من السيولة والتفكك السياسي والاجتماعي وحتى الفكري والثقافي بما يفرض صياغة وتشكيل أنماط جديدة ومبتكرة للعلاقات بين الجيش والنظام السياسي المحتمل والمجتمع ، وكان الجيش ينوي القيام بمهمتي الصياغة والتشكيل ، حتى يكون قوة أساسية في التطور السياسي والاجتماعي للدولة المصرية .

ثانياً : استدعاء النظام للجيش لقمع الثورة :

لقد قرر رمز النظام السياسي استدعاء الجيش الذي يعد جزءً أصيلاً منه ، وذلك لمواجهة الثورة بشكل مباشر ، وعبر صراع مسلح ، إلا أن الجيش رفض الدخول في هذه المواجهة التي تبدو مبكرة ، واستمرت الثورة المصرية ، وتم خلع رئيس مصر الذي كذب وزوّر إرادة الشعب ، وادّعى أن الشعب انتخبه رئيساً في عام 2005م ، وتحقق أول أهداف الثورة .

ثالثاً : الجيش يتخلى عن النظام ويترك الشعب يقضي عليه :

لقد قررت قيادات الجيش المصري وقوف الجيش على الحياد الإيجابي ، حياد المراقبة والترصد ، وحددت لموقفه خيارين مشروطين :

(1)الخيار الأول : إذا ولدت الثورة نظاماً سياسياً ، يمثل إنتاجاً للنظام القديم في نسخة مكررة ، يحفظ لقيادات الجيش مميزاتها ، ودولتها المرفهة الثرية المنفصلة عن الواقع الاجتماعي بتناقضاته ونقائصه ، فالجيش على موقفه المراقب للأحداث ولا دخل له في السياسة لأن السياسة تسير كما يريد !!

(2)الخيار الثاني : إذا طرحت الثورة نظاماً سياسياً شكلته وفق شروطها ومتطلباتها وطموحاتها ، وانتوى أو شرع في الاقتراب من الجيش ، والتنقيب في أموره وشئونه الخاصة ، وانتهك حرمة وحمى الجيش المصري العظيم صاحب الانتصارات  والأمجاد .

عند هذه اللحظة يتحول الجيش من الحياد الإيجابي إلى الانحياز الصريح والعنيف والمباشر ضد ذلك النظام ، الذي حاول اللعب مع الكبار ، مهما كان ذلك النظام نتاجاً للثورة ومحققاً لطموحاتها ، وذلك ليثنيه عن أهدافه الفادحة ، ويهذب ويشذب سلوكاته وفق متطلباته ، أو يجتثه من جذوره ، ويطوح به ويتولى هو الأمر ، ولتذهب الثورة ونظامها إلى الجحيم !

رابعاً : الجيش يحكم مصر بشكل مباشر عبر المجلس العسكري :

وبعد الخلع الذي سبقه فقدان الشرعية ، واللذين بموجبهما (الخلع وفقدان الشرعية) أصبح “محمد حسني مبارك” شخصاً مصرياً متهماً بعدة تهم ، وهو في هذه الوضعية ، قام بتفويض سلطاته كرئيس للجمهورية ، التي افتقدها تماماً ، بموجبات ثلاثة هي : فقدان الشرعية ، والخلع ، والتهم المتعددة ، إلى المجلس العسكري لكي يدير شئون البلاد .

إزاء هذا المشهد نسأل : ماهي صفة وأهلية مانح التفويض ، وما هو الوضع القانوني لعملية التفويض ، ومن الذي تم تفويضه ، ولماذا هذا المفوَّض بالذات ؟

أ : مانح التفويض سقط حقه في القيام بالتفويض ، وفقد أهليته في القيام بذلك ، فالتفويض إذن قد وقع باطلاً ، وما يترتب عليه فهو كذلك .

ب : لقد تم منح التفويض الباطل ، من غير أهله ، لمن لا يستحق ، وهو المجلس العسكري ، إذ أنه في حالة خلو منصب رئيس الجمهورية بفقدان الشرعية ، يتولى مهام رئيس الجمهورية رئيس مجلس الشعب أو رئيس مجلس الشورى أو رئيس المحكمة الدستورية العليا بالترتيب ، ومن ثم فقد أقحم الجيش نفسه في الحياة السياسية واستولى على السلطة دون مبرر أو مسوغ قانوني أو شرعي ، وبالرغم من أن هذا لا يصنّف موضوعياً على أنه انقلاب عسكري ، إلا أنه يمثل عملية استيلاء على السلطة بامتياز وبكل ما تعني الكلمة .

ت : ومعنى ماتقدم أن المجلس العسكري لا يجوز له شرعاً وقانوناً تولى مهام رئيس الجمهورية ، ولا يجدر به سياسياً القيام بذلك لجهله بالسياسة وإدارة شئون البلاد .

خامساً : قيادات الجيش تبتعد عن السلطة مؤقتاً لاستجلاء الأمور :

منذ خلع رمز النظام واستيلاء المجلس العسكري على السلطة في يوم 11 فبراير 2011م ، دخلت مصر في دوامة الفوضى والفشل في كل الأمور ، لدرجة أن الكثير من منظمات ومؤسسات التقييم الدولية ، صنفت مصر ضمن الدول الفاشلة ، وذلك بسبب جهل وتخبط المجلس العسكري في إدارة البلاد .

وبالرغم من القلاقل وعدم الاستقرار اللذين شهدتهما مصر خلال هذه الفترة بسبب مضادات الثورة تم انتخاب مجلس الشعب ، وتم تشكيل الهيئة التأسيسية لتوليف وصياغة الدستور ، وتم انتخاب مجلس الشورى ، وتم انتخاب رئيس الجمهورية ، وتم الاستفتاء على الدستور .

لقد بدا أن البلاد تتجه بجدية نحو استكمال مؤسسات الدولة ، والشروع في صياغة وتنفيذ خطة إنمائية صارمة ، في إطار نموذج أو مقترب إسلامي للسياسة والحكم والإنماء ، إزاء هذه الوضعية تحركت قوى متعددة في مقدمتها الجيش عن طريق قياداته ، وتحالفت معها قوى عربية وإقليمية وعالمية جمعها هدف واحد ، هو إسقاط هذا النموذج أو المقترب ، بإفشال الرئيس والمؤسسات المنتخبة ، وإشاعة الفوضى ، ثم قيام قيادات الجيش بانتزاع السلطة ، هذه المرة من خلال انقلاب عسكري .

سادساً : قيادات الجيش تنقلب على أول نظام ديمقراطي في تاريخ مصر وتستولي على السلطة :

حددت قوى مضادات الثورة بالاتفاق مع القوى الإقليمية والقوى العالمية يوم 28/6/2013م ، لتنفيذ مخطط اجهاض الثورة ووأد نظامها ودولتها الواعدة ، وذلك عبر المشاهد التالية :

أ : الغطاء السياسي : تكاتف قوى مضادات الثورة من أجل الضغط على النظام ، وعدم التعاون معه ، وإيصال الأوضاع إلى ما عُرف بـ”انسداد الأفق السياسي” ، وهكذا يكون النظام قد أعلن صراحة عن طريق المتحدث الرسمي ـ الذي بدا أنه ضمن خيوط المؤامرة ـ قد أخفق في إدارة العملية السياسية .

ب : غطاء النخبة التافهة : حيث أوعز قائد الجيش لخمسين شخصية ـ حسب السيدة “منى مكرم عبيد” ـ ليستصرخوه كي يخلصهم من الرئيس المنتخب ويعجّل بعزله ، ولا عجب أن يتحول المثقفون إلى متآمرين وفق منطق أن الغاية تبرر الوسيلة ، يا لحمرة الخجل !!

ت : الغطاء الشعبي : وهنا بذلت قوى مضادات الثورة كل ما لديها من أجل القيام بعملية سرابية ، توهم الداخل والخارج بحشد شعبي مصطنع ، يطالب برحيل النظام ، ويستنجد بالجيش ، ولا أدري ومعي علماء الاجتماع السياسي كيف يمكن استدعاء الثورة بدعوات حضور الصالون الثوري لمأدبة التآمر على ثورة الشباب المصري البطل ، بل وبمشاركة الجيش والشرطة في زي مدني !!

ث : الحدث المهزلة “البلطجة السياسية” : الجيش ينهض ليحنو على الشعب ، الذي لم يجد من يحنو عليه ، فيتدخل بوصفه مالك القوة والمال ، والعقل السياسي الراجح ، فيرسم خارطة الطريق ، وعلى الجميع السمع والطاعة ، وتتحول مصر إلى معسكر :

(1) خطف رئيس مصر وفريقه الرئاسي وإخفائهم في مكان مجهول ، في سابقة هي الأولى من نوعها في التاريخين الحديث والمعاصر ، بمنطق الإرهاب والبلطجة السياسية ، ولا أدري كيف لا يقدر شعب على حماية رئيسه !!! وهذا يمثل إعلان حرب بغي على الحاكم الشرعي والمشروع للبلاد ، ومعلوم أن أحكام حرب البغي ، تفرض مواجهة الباغي بالقوة ، حتى يفئ إلى أمر الله ويثوب إلى رشده ، ويكف عن إيذاء الناس وتدمير مقدرات المجتمع التي أهمها على الإطلاق الجيش ، الذي سيزج به في مواجهة رهيبة ومدمرة مع الشعب ، ترتد بالبلاد عقوداً .

(2) تعيين مجموعة من البشر لم يعرف بهم أحد ، لإدارة شئون البلاد تحت إمرة قائد الجيش ، الذي لم يتمكن أحد من معارضته .

(3) تعليق العمل بالدستور ، وهذا يعني الحكم وفق قواعد بديلة ، هي ما عُرف بالإعلان الدستوري الذي لم يعترض عليه أحد ، من الأحرار الليبراليين والعَلمانيين !!

(4) إغلاق عدد من الصحف ، وعدد من القنوات الفضائية ، والقبض على عدد كبير من رموز العمل السياسي في البلاد .

(5) مهاجمة المتظاهرين المعتصمين المحتجين على الإنقلاب العسكري ، وارتكاب مذابح جماعية بشعة واعتقالات للمتظاهرين .

(6) التهديد بفض الاعتصامات السلمية بالقوة ، ومنع الناس من التعبير عن رأيهم فيما يحدث في بلادهم ، واعتراضهم على الاعتداء عليهم ، وفرض قانون التظاهر ثم قانون الإرهاب .

ج : أركان الانقلاب العسكري “الأحجية المصرية” : هل يحتاج ما سبق إلى اجتهاد مضني من أهل العلم والخبرة لإثبات أن ما حدث في مصر هو إنقلاب عسكري ، أليس هذا من قبيل الهراء ، ما هذا الاستخفاف بعقول البشر ، إن من يحاول أن يستخف بعقول البشر متذاكياً ، لا بد أن ييقن أنه أغبى هؤلاء البشر ، وبالرغم من ذلك لنذكر أركان الإنقلاب العسكري الذي نُكبت به مصر في 3/7/2013م :

(1) ليس من حق الجيش التدخل في الحياة السياسية أو العملية السياسية على الإطلاق حتى في حالة الثورة ، فيجب أن يظل محايداً ، وتترك الفرصة كاملة للشعب ليمارس مهمته في انتزاع الشرعية بإجماعه المطلق ، وليس بفصيل منه ، وكل الثورات العربية كان الأغلب الأعم من الشعب مع الثورة ، وفي حالة تدخل الجيش نكون إزاء إنقلاب عسكري .

(2) إن ما حدث على أرض مصر طيلة سنة من حكم الرئيس المنتخب وحتى الإنقلاب العسكري هو صراع سياسي على السلطة ، وليس موجة ثورية كما يدّعي البعض ، ومن ثم فليس من حق الجيش التدخل من أجل ترجيح كفة فصيل من الشعب في الصراع أو التنافس السياسي ، على فصيل آخر ، فعلاوة على كون التدخل في الحياة السياسية ، محظوراً على الجيش أساساً ، فهو أكثر حظراً في حالة انحياز الجيش إلى فصيل من الشعب ، وهذا التصرف من الجيش يجعل ما يقوم به هو إنقلاب عسكري .

(3) ليس من حق الجيش خطف رئيس الدولة المنتخب وفريقه الرئاسي وإخفائهم ، وهذا فعل من قبيل أفعال العصابات المسلحة ، ويعاقب عليه القانون الجنائي الدولي ، وإذا فعله الجيش كنا إزاء إنقلاب عسكري وجريمة خطف وإخفاء لرئيس الدولة وشخصيات عامة ، ونادرة هي الحوادث أو السوابق المثيلة في التاريخين الحديث والمعاصر .

(4) آلية نقل السلطة من رئيس منتخب بأسلوب ديمقراطي ، إلى آخرين غير منتخبين ، إذا قام بها الجيش كنا إزاء إنقلاب عسكري .

(5) إذا قام الجيش بتعليق العمل بالدستور ، وطرح أية أفكار سياسية ، فمعنى ذلك إيقاف العملية السياسية بشكلها المدني ، والانصياع للأفكار العسكرية ، وهذا يعد من أمارات الانقلاب العسكري .

(6) إذا قام الجيش بأفعال وتصرفات تسيئ إلى المواطنين ، وتحول بينهم وبين حرية التعبير عن آرائهم ، ويرتكب في حقهم المذابح والاعتقال والتعذيب ، فنحن إزاء إنقلاب عسكري دموي ، وأمام جيش يرتكب جرائم ضد الإنسانية ، يعاقب عليها القانون الجنائي الدولي .

(7) إذا قام الجيش بتهديد المواطنين واتهامهم بالإرهاب ، كنا أمام أسوأ كارثة في التاريخ ، وهي أن يقتل الجيش مواطنيه ، ويبث العداوة بين عناصره وبين المواطنين ، وهذه جريمة يحاسب عليها القانون الجنائي الدولي ، مثلما حدث في ليبيا وسوريا واليمن .

ح : الجرائم التي اقترفتها مضادات الثورة ومنفذو الإنقلاب العسكري في حق الشعب والمجتمع المصري :

(1) إرهاب وترويع الناس ، وتخريب مقدرات المجتمع ، والعبث بمكناته ، على مدار سنة وهي فترة حكم الرئيس المنتخب .

(2) إثارة الفتنة الطائفية والمذهبية والسياسية للوقيعة بين أبناء الوطن الواحد ، وذلك بقصد إفشال النظام السياسي ، وإرباك مؤسسات الدولة .

(3) تدمير أسس السلام الاجتماعي ، وتقطيع أواصر الترابط بين أبناء الوطن الواحد ، وإهدار مبادئ المواطنة والسماحة والرضاء العام والولاء للوطن .

(4) خدش الحياء ، والخروج على النظام العام ، وانتهاك النسق القيمي والأخلاقي للمجتمع ، عبر تعمد نشر البذاءات ، وكل ما ينحدر بالقيم والمثل والمبادئ .

(5) نشر الأكاذيب والشائعات ، وتلفيق الافتراءات ، والتعتيم على الحقائق ، ما يجعل الناس يعيشون في شك ، حيث تفتقد الحقيقة .

(6) إزدراء الأديان ، من خلال اتخاذ رموز ورمزيات الشرائع الإلهية ممثلة في الإسلام والمسيحية واليهودية مادة للتندر والسخرية والاستخفاف .

(7) قلب نظام الحكم الديمقراطي الشرعي والمشروع ، وإهدار إرادة الشعب المصري ، التي تأكدت من خلال أربع ممارسات ديمقراطية ، لانتخاب مجلس الشعب ورئيس الجمهورية ومجلس الشورى والاستفتاء على الدستور ، واستبدال آلية التغيير العسكري العنيف بالآلية الديمقراطية لتداول السلطة .

(8) إلغاء العمل بالدستور ، وحكم الناس بالنار والحديد ، واعتقالات غير مبررة ، ودون إجراءات قانونية .

(9) خطف وإخفاء رئيس الدولة وفريقه الرئاسي ، في عملية هي الأغرب في التاريخين الحديث والمعاصر ، واستخدام القوة المسلحة في هذه العملية .

(10) تمزيق الصف الوطني ، وشرذمة أبناء المجتمع بين القوى السياسية المتصارعة ، وتأليب أبناء المجتمع بعضهم ضد بعض ، والعمل بالأساليب غير المشروعة على إنهاء وجود فصيل من المجتمع وشيطنته وتجريم أفعاله عبر التصفية الجسدية والنفي خارج البلاد .

(11) خيانة المجتمع ، وعدم الولاء له ، وإهدار مبدأ المواطنة ، والإساءة إلى المتفق عليه من القيم والمبادئ والأخلاق .

(12) قتل المواطنين في مذابح جماعية ، ترتقي إلى جرائم ضد الإنسانية ، وتعذيبهم إلى حد القتل العمد في المعتقلات والسجون وأقسام الشرطة ، واغتصاب النساء والرجال في مشاهد وممارسات هي الأشنع على مستوى العالم ، والاعتداء على الحريات بكافة أشكالها عبر أفعال وممارسات بشعة وغير آدمية .

ح : النتائج الكارثية المأساوية لجرائم قوى مضادات الثورة : حسرة وألم ، شعب منقسم يتربص بعضه ببعض ، يتامى ، ثكالى ، معتقلون ، معتصمون في الشوارع والميادين ، ماجنون يرقصون ويلعبون في ميدان التحرير ، جيش متعطش إلى الدماء والقتل ، أمن يعث في البلاد الفساد ، قضاء يفتري ويجور ويتجبر ، إعلام يكذب ويتخرّص ، اقتصاد منهك ، دولة على شفا الإفلاس ، إدارة مهترئة ، حياة غير آمنة وغير محتملة .

سابعاً : قيادات الجيش المصري سبب انتكاسة الثورات العربية :

إذا كانت قيادات الجيش المصري قد بددت جهود الثورة المصرية ، ووأدت نتاجها المتمثل في دولة مدنية عصرية ، ونظام سياسي ديمقراطي ، ومجتمع مدني ، وفرضت نظاماً شمولياً عسكرياً بوليسياً من جديد ، فإنها في ذات الوقت قد أدت إلى انتكاسة الثورات العربية ، وذلك عبر ما يلي :

أ : استنساخ الحالة المصرية ، إذ عمد الجيش المصري ومعه قوى إقليمية أبرزها السعودية والإمارات المتحدة إلى تكرار الحالة المصرية في تونس وليبيا واليمن ، إلا أن تلك المحاولات باءت بالفشل .

ب : تأييد دعوى النظم الدكتاتورية التي تقول بأن الثورات العربية جرّت الفوضى وعدم الاستقرار إلى المنطقة ، وقد انبعثت تلك الدعوى الداحضة من تلك الدول الدكتاتورية ذات الأنظمة الفاسية خوفاً من وصول الثورات إليها وإيقاظ شعوبها الغارقة في القهر والفساد .

ت : إصابة الشعب العربي باليأس من التخلص من النظم الاستبدادية الفاسدة عبر الثورات العربية في مواجهة الترسيخ لتلك النظم مثل نظام الأسد في سوريا الذي يسانده النظام الإنقلابي في مصر بكل الوسائل ، وبعث آلية الانقلابات العسكرية لإعادة النظم الديكتاتورية الفاسية التي أطاحت بها الثورة  .

ث : إتاحة الفرصة كاملة أمام القوى الإقليمية الشاذة والقوى العالمية الحاقدة للتدخل في دول الثورات العربية وإفسادها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً لإجهاض الثورة ، ووأد نتاجها ، وتبديد جهود أبناء الشعب العربي .

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.