عصفور الدّوري..

0

كان يوم يحمل التأريخ ذاته و لكن قبل ثلاث سنوات من اليوم حين غادرت مدينة الياسمين مدينتي دمشق للمرة الأولى دون أن أعلم أين ستكون محطتي الأخيرة و متى سيكتب لي موعد لقاء مع ذاك الياسمين مجدداً ..

نهضت من فراشي بعد أن أغلقت منبهي الذي أيقظني ليخبرني أني قد أتممت الثلاث سنوات من الاغتراب لأتوجه نحو نافذتي مجدداً و كأني أخبر نفسي أن هذا العام كان قد مرّ عليّ خلف نافذة غريبة أخرى غير التي كانت في ذاك العام الماضي ، لأسأل نفسي قائلة : ترى خلف أي النوافذ سوف يُكتب لي النظر في العام القادم ..؟

لم يعد بإمكاني فتح نافذتي بعد اليوم لأتنشق نسمات الصباح العليلة عند الفجر  ، فتلك النسمات لم يعد بمقدوري وصفها بالعليلة لصباحات و أيام  كثيرة متتالية متعاقبة من الآن و ذلك بالطبع قبل أن يزور الربيع هذا المكان مجدداً ، فقد بدأ الثلج يزور هذه المدينة و لا أعلم متى سَيُكتب انقطاعه معلناً عن نهاية لهذا الشتاء الذي قد بدأ لتوّه ..

رحت أراقب تلك الحبيبات التي أخذت تهطل و كأنها حصاد لإحدى حقول القطن الذي أخذ يتطاير في الهواء إثر عاصفة اقتحمت مكان توضّعه  ، لأسرح بعيداً عن مكاني هذا من جديد ..

فإذا بذاكرتي تعود بأدراجها إلى ما قبيل ذاك التأريخ بقليل  حيث مسقط رأسي حيث دمشق و منزل جدي …

صحيح أن ذلك المنزل ليس كالمنازل القديمة الأثرية القليلة  التي مازالت تحتفظ ببعض آثار تلك العاصمة ، و صحيح أنه لم يكن هناك نافورة صغيرة تتوضّع في أرض الدار كبعض البيوت القديمة التي حافظت على ذاك الأثر إلا أنه  كان يمتلك أشياء كثيرة تجعله راسخاً في ذاكرتي على الأقل..

فربما تلك النافورة لم تكن في أرض الدار و لكن لم يخلى الأمر من وجود واحدة في شرفة ذاك المنزل لتحكي بخريرها قصص قاطنيه ، اجتماعاتهم ضحكاتهم و حتى دمعاتهم …

 ليحيط بها أحواض امتلأت بالورود و شجيرات الصنوبر، فإذا ما هبت نسمات الخريف في مثل هذا التوقيت من العام هناك حتى امتزجت رائحة الخضرة مع تلك النسمات فيسرقك الخيال من واقعك ليوهمك للحظات أنك كإنسان قد تاه في إحدى أمسيات ذاك الخريف وسط غابة من أشجار الصنوبر ، ليسافر بك ذاك الخيال مجدداً فيدخلك عند إحدى المحال التي كانت تبيع أجمل الزهور في تلك المدينة فإذا بك تبدأ باختيار الأجمل منها لتجمعها بين يديك جاعلاً منها باقة جميلة و كأنها هدية لحبيب أبعدته المسافات فابعدت معها موعد اللقاء ،  و كل ذلك ينعشه نسمة من نسمات تشرين هناك ..

هناك حيث مدينتي ، مدينة الياسمين ..

و الجدير بالذِّكر  أنّك لن  تعود من خيالاتك الجميلة تلك  إلا حينما تستشعر واقعك الأجمل حين يلمس كفّك يد صغيرة لطفل ذو السنوات الأولى من عمره فإذا به يشدّ ثوبك ليخبرك عن مطلبه ، طفل كنت قد عشقت ملامحه و كلماته يوماً ..

أو لعلها صوت قهقهات أحبتنا الذين كانوا يشاركونا ذاك المساء ، أم كان ذاك سببه رائحة لفنجان قهوة كان قد صبّ لتوّه ، أم تراها يد جدي التي أخذت تداعب بعض من خصلات شعري بعض أن بعثرتها تلك النسمات قليلاً لتوقفني عن التخيل و تعيدني إلى واقعي الجميل ذاك …

بل و حتّى الشّتاء هناك كان له مذاق أجمل و أرقّ من هنا ،  مذاق يخبرك بأنه و برغم برودته إلا أنه يحمل معه من الدفئ الكثير الكثير ..

 فمن أين أبدأ بالحديث و كيف لي أن أنهي تلك الكلمات ، أأبتدأها بجمعات الأهل في الشتاء أم  بأحاديثهم التي تُغني يومك و تدفئ روحك و تشحنها أيام و أيام  في دوامة حياتك المعتادة فتصبّرها إلى لقاء آخر في نهاية أسبوع قَد يليه ،  فإذا بك تشحن روحك من جديد  ..

أم برائحة حلوى جدتي التي طغت على المكان ، أم صوت قرقعة الأواني و الصحون معلنة حلول جمعة الأهل و الأحباب حول تلك المائدة ..

أيقظني من ذكرياتي تلك عصفور كان قد وقف على غصن إحدى الاشجار المواجهة لنافذتي ، فالثلوج أخذت بالانقطاع روايداً رويداً و الشمس ارتفعت لتعتلي السماء معلنة شروقها ، ليغرد ذاك الدّوري و يقفز من غصن إلى آخر و كأنه بذلك يذهب برودة أمسية طويلة أثقلت جناحيه الصغيرين فأخذ يحلق بهما بين الحين و الآخر سارقاً من شعاع الشمس دفئها …

إن صباح مشرق واحد كان كفيل بأن يمحي من ذاكرتك الصغيرة برودة تلك الأمسية فما بال أرواحنا التي باتت رثة و أضناها  برودة الأيام و فقر الاحباب !!  قلت محدثة نفسي من جديد ..

و رحت أكمل ..

 و كيف لها بعد طول ذاك الغياب أن تمحي آثار سنين من الاغتراب ؟

تُرى أتراك إذا ما هاجرت من هنا حين ميعاد هجراك هل ستشتاق إلى موطنك كما أشتاق ، هل تُراك ستخبر أصدقائك الجدد عن هنا و عني و عن هذا الشّبّاك  ، هل ستقول لهم أن هناك مشتاق ، مشتاق قد اشتاق ليس للشجيرات التي احرقتها يد الحرب و لا الورود و البراعم التي جففتها دخان و لهيب القنابل ، و لا لفنجان قهوة لم أعد استطعم جمال  مذاقه و حسب ، بل بت اشتاق إلى كل زقاق وشارع ،  إلى كل ياسمينة قطنت على جدران  تلك المدينة أو سقطت لتزين حاراتها ، إلى أصوات المارة و مناداة البائعين التي كنت انزعج منها يوماً ، إلى رائحة الخبز الدمشقي في حاراتنا و طعم فطورنا الشهي ، بل حتى بت اشتاق المشي في أسواق كنت قد سئمتها يوماً ..

و اذا بذاك الدّوري يبدأ بالطيران  مبتعداً عن نافذتي ليختفي عن ناظري ، فابتسمت متمتمة حينها قائلة :

أتراه سمع كلماتي ، أتراه فهمها ،  أم لعلّه ملّ نافذتي !!!

و إذا به يعود مجدداً بعد بضع دقائق حاملاً في منقاره الصغير بعضاً من الأعواد الرفيعة فيدخل إحدى تجويفات تلك الشجرة و كأنه كان يبني له عشاً يقيه برد شتاء قادم  ..

يبدو أن إقامتك هنا لا تتصف بالقليلة أيضاً ، قلت ضاحكة ..

و لم يكن مني سوى أني ابتسمت رافعة رأسي نحو السماء سائلة مولاي قائلة:

أتراني سأعود يوماً إلى عشّي الأول ، و هل سيكتب لي القدر رؤيته كما كان سابقاً مفعماً بالضحكات مليء بالأحداث و الكلمات ، يتربع داخله الأهل و الأحباب …؟؟

أم ستبقى يا وطني ذكرى جميلة وسط أيام هذا الاغتراب ؟

كندا – مونتريال .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.