الشعب يريد تزويج العزاب

0
"أختى العزيزة ديمة: حركتى جروحى بمقالك (مطلوب أبناء حلال) فى وقت يئست فيه فعلاًَ من هذا الموضوع، وخاصة أن لى ثلاث أخوات، وكلنا متعلمات وعاملات، ولم يتقدم لخطبتنا أحد, الكبرى شارفت على الأربعين والثانية فى السادسة والثلاثين، وأنا فى الثانية والثلاثين، والأخيرة فى التاسعة والعشرين، أعمارنا حالة ميئوس منها, وما يزيد الطين بلة عيشة الجفاف من العواطف، فلا أب أشكو له ولا أم تحنو عليكِ وتصبركِ وتفرغين أحزانكِ فى حضنها, شعور من أنك مستثناة من عيش البشر قاتل، والله أكتب لك والألم فعلاً يعتصرنى لا أستطيع أن أكمل، سامحيني". يبدو أننى كتبت خاطرة "مطلوب أبناء حلال" بشيء من السذاجة دون أن أعلم أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن أبواب البيوت مغلقة والهموم مفرقة، وأن القلوب الرقيقة والقوارير قد كسرها الحزن، ظننت أن الأفراح ستقوم بسهولة بمجرد الحديث عنها، وأن الأمنيات قد تصبح حقيقة قريبة حتى جاءتنى الرسالة السابقة، ففرملت تفاؤلى وتوقعاتى وأتعبتنى كما أتعبتنى الخاطرة على قدر ما وصلنى من رسائل وتعليقات خاصة وعامة لم أدر ما أقول أمام مأساوية بعضها، سوى أن أوصى بالدعاء والثقة بأن الله يختار لنا الأفضل سواء أكان زواجًا أو عزوبية، 
وأذكّر أن بعض المتزوجات يعانين من أصعب الابتلاءات فى زواجهن، وأن هناك نساء ترملن وتطلقن تود إحداهن لو ظلت عزباء ولا تعانى كسرة قلب ما بعد انتهاء الزواج. كيفما قلبناها وجدنا تأخر سن الزواج أو عدم الزواج أو العزوف عنه مشكلة، يبدو أنها ليست محلية فقط، وإنما توحد بين العرب أكثر من قضاياهم المصيرية، فجميع الإحصائيات تؤكد انتشار هذه الظواهر فى جميع الدول العربية، حيث أصبح الزواج يقع فى باب الأحلام المستقبلية بكل ما يحمله الحلم من معنى، إلا أن تكون مولودًا وفى فمك ملعقة من ذهب أو يكون جيب بابا مليئا ودفيانًا، أو تكون عصاميا بنيت نفسك بنفسك، وما أقل ما يسمح هذا العصر للشباب بظهور النماذج العصامية!! وبالرغم من حجم المشكلة وخطورتها إلا أننا ما زلنا ندق الماء وهو ماء ونذهب للحرب فيعود أبو زيد وكأنه ما غزا، ونعود لنبحث عن العيون الزرق والشعر الأشقر والطويلة والصغيرة على مبدأ "تجوز الصغار ورافق التجار"، ولا ضير فوق البيعة أن تكون صاحبة دين وخلق وعلم، وإذا كان بحوزتها جنسية أجنبية ففضل على فضل وعائلة من المدينة أو الريف أو منطقة معينة على مبدأ "من طين بلادك سخم خدادك" وطلبات لا تُعد ولا تحصى تظل تزداد تعجيزًا كلما مر الزمن، وبالمقابل يُطلب من ابن الحلال مهر المثل، يعنى 4 آلاف دينار ذهب أقله وجهاز بيت من الباب إلى المحراب وعرس فى صالة بما يساوى على أقل تقدير 15 ألف دينار!! هذا لمن يريد كل شيء مختصرا وعلى الضيق، ولكم أن تحسبوا كم يحتاج ابن الحلال حتى يكون نفسه إذا كان الطبيب بعد تخرجه يحصل على 170 دينارا فى سنة الامتياز وأقل من ألف إذا عمل فى القطاع الصحى وقيسوا بقية الوظائف والرواتب نزولاً بعد ذلك، ففى كم سنة سيجمع تكاليف الزواج هذا مع وجود المصروفات والنثريات التى يصرفها الشاب شهريًا وتأتى على أغلب الراتب؟! لذا أصبح الشباب يتغربون ليتزوجوا، وإلا فمشروع تحويش المهر قد ينتهى والعريس يُزف إلى قبره!! قد لا تحس امرأة متزوجة بأن هناك فتيات مثلها، خلق الله فى قلوبهن مثلما خلق فى قلبها أنسًَا وسكنًا إلى الرجل وشعور فطرى بالأمومة، غير أن هناك كثيرات من بنات حواء ينمن كل يوم على وسادة مبللة بالدموع ملتحفات ببرد الوحدة بعيدا عن أعين الأهل وشعور الحسرة والشفقة. غير أن التعدد عند الكثيرات لم يعد حلا مقبولا بسبب إفساد المجتمع لصورته التى جعلته أعظم كارثة قد تحل بامرأة أو مثله مثل الإصابة بمرض السرطان القاتل على حد وصف إحداهن! فوقوع الظلم فيه جعله مصيبة لا حلاً، كما شرعه الله وطبقه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته، وعلى صاحب النية الطيبة الذى يريد حل مشكلة العنوسة عند الطرفين ولديه القدرة المادية التى هى شرط التعدد أن يزوج العزاب فيحقق المراد ويكسب الأجر. إن المشكلة كبيرة كبيرة بقدر ما هو الزواج عظيم والأسرة عظيمة، فهى الحصن الوحيد الذى بقى ليدافع عن وجودنا والتى تريد أوروبا بمعاهداتها ومؤتمراتها وبرامجها أن تقضى عليها وتسقط خط الدفاع الأخير عن كياننا لنصبح لقمة سائغة لمن أراد أن ينهشنا! إن على كل أم وأب وولى أمر وفتاة وشاب أن يقف وقفة صدق مع نفسه ويراجع حساباته قبل أن يفوت قطار العمر ويظل الأبناء والبنات حسرة أمام ناظرى آبائهم تؤنب ضميرهم فيتمنون لو تعود الأيام ليحسنوا التصرف بحق أولادهم، والأيام لا تعود، فعلينا أن نستغل إقبالها وتغير الناس ومفاهيمهم فى مرحلة ربيعهم لنطرح عنا كل قيد وشرط بالٍ غير الدين والأخلاق والعلم وما يكفى لبداية حياة كريمة لشخصين. لن يطمع ابن الحلال إذا أحسنا الاختيار مستعينين بالله، ولن يقول كريم الخلق والنفس إننا بعناه ابنتنا بثمن بخس وما صدّقنا، بل سيحفظ الجميل ويظل يذكر: لقد زُوّجت على القرآن أو على دينار أو على أخلاقي، فالنفس السوية كالأرض الطيبة لا تخرج إلا طيبًا، ولكم صدقت أمثالنا حين قالت "خذوهم فقراء (من ناحية المادة) يغنهم الله"، وهو سبحانه تعهد فى حديث رسوله بعون الناكح الذى يريد العفاف، وعلى كل من يدخل بين شاب وفتاة أن يكون محضر خير لا عينًَا ناقدة، سواء أكان أبًا أو أمًا أو أختًا، فليس أبناؤنا فى كمال يوسف عليه السلام وليست كل بناتنا بجمال سارة. فى يوم ما اعترضت الزهراء فاطمة على فقير بنى هاشم على بن أبى طالب الذى تزوجها بالدين بعد أن رهن درعه، فكان لها والد نبى أفهمها عناصر حسن الاختيار الذى عاشته فيما بعد حبًا وعرسًا لا ينتهى وقرة عين لا تنقطع افتخر به على رءوس الأشهاد، فقال: وبنت محمد سكنى وعرسى مشوب لحمها بدمى ولحمي وسبطا أحمد ولداى منها فمن له سهم كسهمى نعم الشعب يريد تزويج العزاب والشعب يريد العفة والإحصان والطهارة، ولو أدركنا أهمية هذه الأهداف لجعلنا هذا المشروع على قائمة أهدافنا الإصلاحية فى كل الدول العربية، فما من مصلح ولا شهيد ولا صاحب رسالة ولا أسير ولا مجاهد ولا عالم إلا وهو نتاج زواج مبارك بين طيب وطيبة. إنه حاضرنا وإصلاحه إصلاح لمستقبلنا وما نزرعه اليوم من صلاح النوايا والأعمال سنحصده غدا بإذن الله قوة ومنعة وجيلا مميزا.. وحقيق أن نؤمن معًا هذه المرة باللسان والأعمال.. طاللهم أدم الفهم لمقاصدك عنواننا، وشريعتك سلوكنا، والفرح بقسمتك نبراس حياتنا.. كل يوم وأنتم من أهل الفرح يا أهل الحلال
 
د. ديمة طارق طهبوب
[ratemypost]
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

قد يعجبك ايضا

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More