الموقف الدولي المفضوح من الثورة السورية

0

يلمس المتابع لتصريحات مسؤولي الغرب هذه الأيام، وضوحاً لافتاً في وقوف حكوماتهم مع بشار الأسد في محاولته تدمير سورية والقضاء على شعبها. لكنني أريد أن أؤكد أن موقف الغرب هذا، لم يتغير منذ بداية الثورة، إلا أنه أصبح أكثر وضوحاً فقط. وقد أشرت منذ بداية تشكيل ما يسمى مجموعة أصدقاء سورية إلى الخطر الداهم الذي قد يحيق بهذه الثورة بسبب تلك المجموعة التي تهدف بشتى الوسائل إلى إلحاق الأذى بالثورة من خلال محاصرتها عسكرياً وسياسياً، ومن خلال مد الأسد بما يمكنه من الصمود إلى أطول فترة ممكنة.

لعب الغرب على وتر توحيد المعارضة السورية، لدرجة أن بعض مسؤوليه يعيد هذه الجملة دون أن يعرف أقطاب المعارضة وأطيافها، وإنما هي جملة أريدَ لها أن تصبح شعاراً يهدف إلى التخلي عن ثورة الشعب السوري والتهرب من مساعدته.

بذل الغرب أكبر الجهد في تشتيت عمل المعارضة السورية، فما إن استطاعت هذه المعارضة تشكيل المجلس الوطني، حتى بدأ الحديث مباشرة عن توحيد جديد لأطيافها، ودقت الأسافين في المجلس حتى سقط، وإن كنت لا أعفي المجلس من المشاركة في تدمير نفسه بسبب ضيق أفقه السياسي والتنظيمي خاصة. وعلى أية حال ما كان المجلس لينجح أبداً في عمله، إذ قصد الغرب منه إضاعة الوقت فحسب.

انتهى المجلس فعلياً وتم استبداله بالائتلاف، والحقيقة أنه لا فرق بين الاثنين، وأعضاء المجلس قفزوا على الفور من السفينة الغارقة إلى سفينة الائتلاف، وكما وعد الغرب المجلس الوطني بالمساعدة والاعتراف والدعم، ثم تخلى عن وعوده، فعل بالائتلاف فوعده ثم نكث. فالمسألة ليست مجلساً ولا ائتلافاً بل أساليب خبيثة في تضييع الوقت وتشتيت الجهد، إذ يطالب الغرب اليوم بتشكيل حكومة وطنية، بل وبتوحيد أطياف المعارضة السورية من جديد. وللأسف يستمر أعضاء المعارضة بالركض وراء السراب الأمريكي- الغربي وذلك بسبب ضعفهم الإعلامي وجهلهم السياسي. فبدل أن يسترشد هؤلاء المعارضون ببوصلة الثورة وأبطالها، يركضون مرة إلى أمريكا وأخرى إلى روسيا. ولذلك ترى عياناً تناقض تصريحاتهم وأفعالهم.

في الوقت الذي تدعي فيه أمريكا وأوروبا مساندتها للثورة السورية، تقوم البحرية الأمريكية بمراقبة المياه الدولية وسواحل اللاذقية وطرطوس لتمنع وصول السلاح إلى أيدي الثوار، كما يرفض الاتحاد الأوروبي رفع الحظر عن السلاح الذي قد يصل إلى الجيش الحر. وعندما استطاعت جبهة النصرة إلحاق الهزيمة تلو الأخرى بقوات الأسد وشبيحته، أسرعت أمريكا في إدراجها كمنظمة إرهابية حتى تقول للعالم أنها لا تستطيع أن تدعم الإرهابيين في سورية. وهكذا فعلت الدول الغربية قاطبة، إذ أشار وزير الخارجية البريطانية هيغ إلى خطر الجهاديين السوريين على أوروبا كلها، وإنها لتصريحات معيبة، يعرف العالم كله أن مقصودها منع تقدم الثوار. أما فرنسا فقد أثار إعلاميوها قصداً، قضية "خطر الفرنسيين الذين يقاتلون الأسد على المجتمع الفرنسي والأوروبي.

الغرب وأمريكا تفرجوا على الشعب السوري وهو يذبح على مدار ثمانية أشهر عندما كان شعار الثورة سلمية سلمية، وكان بمقدور الغرب الضغط على بشار الأسد لينصرف عن الحكم.  لكنهم أرادوا لهذه الثورة أن تصبح مسلحة فيتهمونها بالأسلمة ثم يحاربونها. ويستغرب المرء أن يطلب الأوروبيون من الشعب السوري المسلم، أن تكون ثورته بوذية مثلاً أو علمانية. إنما هي حجة واهية للحفاظ على الأسد.

المسألة لا تحتاج إلى كثير من التفكير، إذ يكفي أن نعلم أن ثوار الداخل يؤكدون اليوم أن مسؤولين غربيين طلبوا منهم أن يضرب بعضهم بعضاً للحصول على السلاح، وخاصة ضرب الكتائب الإسلامية وجبهة النصرة. إنها أمريكا وحلفاؤها الذين احتلوا أفغانستان والعراق، وصمتوا عن مذابح الروهينغا، ولن يختلف الأمر في سورية. الشعب السوري لا يحارب اليوم مغتصب الحكم في دمشق بل يحارب مغتصبي الحكم في مجلس الأمن والأمم المتحدة، أولئك الذين اغتصبوا حياة الناس بجبروتهم وفجورهم أيضاً.

د. عوض السليمان. دكتوراه في الإعلام – فرنسا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.