وطن-لا تظهر خشونة الركبة أو ما يُعرف طبيًا بـ«الفصال العظمي» بين يوم وليلة، بل تتكوّن تدريجيًا عبر سنوات من الضغط والتآكل المتراكم في الغضروف، وهو النسيج الذي يعمل كوسادة واقية داخل المفصل ويساعد على امتصاص الصدمات أثناء الحركة.
وقالت مجلة “لا فيدا لوثيدا” الإسبانية إن التقدم في العمر والعوامل الوراثية يظلان من الأسباب التي لا يمكن التحكم فيها بالكامل، لكن مراجعة علمية حديثة حللت 131 دراسة وشملت أكثر من 5 ملايين شخص، كشفت عن أكثر من 150 عامل خطر مرتبطًا بخشونة الركبة، من بينها عوامل يومية يمكن تعديلها والحد من تأثيرها قبل أن تتفاقم المشكلة.
الوزن الزائد.. العامل الأكثر تأثيرًا في خشونة الركبة
يُعد الوزن الزائد والسمنة، وفق ما أوردته المجلة الإسبانية، أبرز عامل قابل للتعديل يزيد خطر الإصابة بخشونة الركبة. فكل كيلوغرام إضافي لا يضيف عبئًا بسيطًا على المفصل، بل يضاعف الضغط الواقع على الركبة أثناء المشي والحركة، ما يسرّع تآكل الغضروف مع مرور الوقت.
ولا يقتصر الأمر على الضغط الميكانيكي فقط، إذ تشير الدراسات إلى وجود علاقة واضحة بين ارتفاع مؤشر كتلة الجسم وزيادة شدة خشونة المفصل. فكلما ارتفع وزن الجسم، ازدادت احتمالات تدهور حالة الغضروف وظهور الألم والتيبس وصعوبة الحركة.
وأضافت مجلة “لا فيدا لوثيدا” الإسبانية أن الدهون الزائدة في الجسم لا تمثل عبئًا بدنيًا فحسب، بل تفرز مواد التهابية تؤثر في المفاصل وتُسرّع تلف الغضروف، وهو ما يجعل السمنة عاملًا مزدوج الخطورة على صحة الركبتين.
الجلوس الطويل وقلة الحركة يضعفان المفصل
قد يبدو الأمر غير متوقع، لكن قلة الحركة لا تحمي الركبة كما يعتقد البعض، بل قد تزيد مشكلاتها. فالغضروف لا يمتلك تغذية دموية مباشرة مثل أنسجة أخرى في الجسم، وإنما يعتمد بدرجة كبيرة على حركة المفصل التي تساعد على توزيع السائل الزلالي داخله.
وبحسب ما نقلته “لا فيدا لوثيدا“، فإن نمط الحياة الخامل والجلوس لفترات طويلة يقللان هذا التحفيز الميكانيكي الضروري، ما يضعف تغذية الغضروف بمرور الوقت. كما تؤدي قلة النشاط إلى ضعف العضلات المحيطة بالركبة، وهي العضلات التي تعمل عادة على دعم المفصل وتخفيف الضغط عنه.
لذلك، فإن الحركة المنتظمة والمعتدلة تُعد عنصرًا مهمًا للحفاظ على صحة المفصل، بشرط ألا تتحول إلى إجهاد متكرر أو تحميل زائد على الركبة.
الحركات المتكررة ترهق الغضروف
الجلوس المتكرر في وضع القرفصاء، أو الركوع لفترات طويلة، أو صعود ونزول السلالم بشكل متواصل، كلها حركات قد تبدو عادية لكنها تضع ضغطًا كبيرًا على الركبة، خصوصًا إذا كانت جزءًا من الروتين اليومي أو طبيعة العمل.
وكشفت المجلة الإسبانية أن المهن التي تتطلب ثني الركبة باستمرار أو حمل أوزان أو الوقوف لساعات طويلة ترتبط بزيادة خطر الإصابة بخشونة الركبة. ويشمل ذلك أعمال البناء والزراعة وخطوط التجميع وبعض الأعمال اليدوية التي تعتمد على المجهود البدني المتكرر.
وتشير الدراسات المهنية إلى أن تكرار الضغط على المفصل، حتى من دون إصابة واضحة، قد يؤدي مع الوقت إلى تآكل الغضروف وظهور أعراض مثل الألم عند الحركة، والطقطقة، وصعوبة النهوض أو صعود الدرج.
الأطعمة فائقة المعالجة والسكريات تزيد الالتهاب
يلعب النظام الغذائي دورًا مهمًا في صحة المفاصل، وليس فقط من زاوية زيادة الوزن. فالإكثار من الأطعمة فائقة المعالجة، مثل الوجبات السريعة والمشروبات السكرية واللحوم المصنعة، ظهر في المراجعة العلمية الحديثة كأحد العوامل المحتملة التي ترفع خطر خشونة الركبة.
وقالت مجلة “لا فيدا لوثيدا” الإسبانية إن الآلية المقترحة لا ترتبط بالسمنة وحدها، بل بما تسببه هذه الأطعمة من التهاب مزمن منخفض الدرجة في الجسم. وهذا النوع من الالتهاب قد يفاقم أعراض خشونة المفاصل ويساهم في تسريع تلف الغضروف.
في المقابل، تشير الأدلة إلى أن الأنظمة الغذائية الغنية بمضادات الالتهاب الطبيعية، مثل حمية البحر المتوسط، قد يكون لها تأثير وقائي. فالأطعمة الغنية بالبوليفينولات، مثل الخضراوات والفواكه وزيت الزيتون والمكسرات، تساعد على تقليل الالتهاب وربما إبطاء تدهور الغضروف.
النوم السيئ عامل لا يجب تجاهله
لا ترتبط خشونة الركبة بالحركة والوزن فقط، فالنوم أيضًا يدخل ضمن العوامل التي تؤثر في صحة المفاصل. فقد أظهرت المراجعة التي شملت أكثر من 5 ملايين شخص أن سوء جودة النوم، بما في ذلك النوم لساعات قليلة بشكل مزمن، قد يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالفصال العظمي.
وبحسب المجلة الإسبانية، لا تزال الآلية الدقيقة لهذه العلاقة قيد البحث، لكن النوم غير الكافي يرتبط بارتفاع مستويات الالتهاب في الجسم، وهو العامل البيولوجي نفسه الذي يظهر في أكثر من سبب مرتبط بخشونة الركبة.
كما أن قلة النوم قد تزيد الإحساس بالألم وتضعف قدرة الجسم على التعافي، ما يجعل أعراض المفاصل أكثر إزعاجًا لدى الأشخاص الذين يعانون بالفعل من مشكلات في الركبة.
إصابات الركبة القديمة قد تعود بعد سنوات
إصابة الركبة لا تنتهي دائمًا بمجرد اختفاء الألم. فحتى الإصابات التي تبدو وكأنها شُفيت تمامًا قد تترك أثرًا طويل المدى، وتؤدي بعد سنوات أو عقود إلى ما يُعرف بـ«خشونة ما بعد الإصابة».
وأوضحت المجلة أن تلف الغضروف أو إصابات الغضروف الهلالي أو الأربطة قد تضعف قدرة المفصل على التعافي الكامل. ومع مرور الوقت، قد يتحول الضرر الأولي إلى تدهور مستمر في بنية المفصل.
وتشير نماذج تجريبية إلى أن بعض الإصابات الصغيرة في الغضروف، إذا لم تُعالج أو يُتعامل معها بشكل صحيح، يمكن أن تؤدي إلى ضرر مزمن داخل المفصل. لذلك، فإن تجاهل إصابات الركبة أو العودة السريعة للنشاط العنيف دون تأهيل مناسب قد يزيد خطر الخشونة مستقبلًا.
بعد الأربعين.. تقل قدرة الغضروف على التعافي
مع التقدم في العمر، وتحديدًا بعد سن الأربعين تقريبًا، تبدأ قدرة الغضروف على إصلاح نفسه في التراجع طبيعيًا. كما يفقد جزءًا من مرونته، فيصبح أكثر عرضة للإجهاد والإصابات البسيطة الناتجة عن الأنشطة اليومية.
وقالت مجلة “لا فيدا لوثيدا” الإسبانية إن هذا العامل لا يُعد عادة سيئة بحد ذاته، لكنه يفسر لماذا تصبح العادات اليومية أكثر تأثيرًا في منتصف العمر وما بعده. فالهامش الذي يمتلكه الغضروف للتعافي يصبح أقل، وأي ضغط زائد أو وزن مرتفع أو قلة حركة قد يترك أثرًا أكبر من السابق.
ولهذا السبب، تزداد أهمية الوقاية في هذه المرحلة العمرية، عبر التحكم في الوزن، وتقوية العضلات، وتجنب الحركات المرهقة، والحفاظ على نمط حياة نشط ومتوازن.
كيف نحمي الركبة من الخشونة؟
الجانب الإيجابي، وفق ما خلصت إليه المراجعة العلمية التي أوردتها المجلة الإسبانية، أن كثيرًا من عوامل خطر خشونة الركبة يمكن تعديلها. فالحفاظ على وزن صحي، وممارسة الحركة بانتظام دون إفراط، وتحسين جودة النوم، والاعتماد على نظام غذائي مضاد للالتهاب، كلها خطوات مدعومة بالأدلة وليست مجرد نصائح عامة.
أما في حال وجود إصابة سابقة في الركبة أو استمرار الألم والتيبس وصعوبة الحركة، فإن استشارة طبيب عظام أو اختصاصي علاج طبيعي تصبح ضرورية. فالتقييم المبكر يساعد على وضع برنامج نشاط مناسب يحمي المفصل، بدلًا من تسريع تآكله دون قصد.
وتبقى خشونة الركبة من المشكلات الصحية التي يمكن تأخيرها أو تخفيف حدتها إذا جرى التعامل معها مبكرًا، ليس بعلاج واحد فقط، بل بتعديل نمط الحياة اليومي الذي يحدد إلى حد كبير مستقبل المفصل وصحة الحركة.
قد يعجبك
أفضل 20 طعامًا يساعد على التخلص من احتباس السوائل في الجسم بشكل طبيعي..
القدم السكري.. لماذا قد يتحول جرح صغير إلى مضاعفات خطيرة لدى مرضى السكري؟
حقيقة المشي حافي القدمين: كيف تتحول ممارسة “التواصل مع الأرض” إلى تشويه دائم لعظامك؟

