وطن-في تطور أمني حساس يعكس تصاعد المخاوف الأوروبية من نشاطات التجسس الروسية، اعتقلت السلطات الإيطالية في روما عميلين سابقين في أجهزة الاستخبارات، بتهمة تمرير معلومات ووثائق مصنفة إلى جهة مرتبطة بالسفارة الروسية في العاصمة الإيطالية.
وقالت صحيفة “لا فانغوارديا” الإسبانية إن العملية التي نُفذت الثلاثاء في روما جاءت بعد تحقيقات مطولة قادتها أجهزة الاستخبارات الإيطالية، وكشفت عن شبكة يشتبه في أنها كانت تحصل على معلومات حساسة تتعلق بقطاع الدفاع الإيطالي، مقابل مبالغ مالية.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، فإن أحد الموقوفين غادر جهاز الاستخبارات عام 2012، فيما ترك الآخر الخدمة عام 2013. وبدأت القضية عندما رصد جهاز الاستخبارات الداخلية الإيطالي AISI، العام الماضي، مؤشرات على نجاح أجهزة روسية في تجنيد عميل إيطالي سابق بهدف الحصول على معلومات سرية.
وأوضحت التحقيقات أن المشتبه به الرئيسي كان يتلقى أموالاً مقابل جمع معلومات مصنفة، خصوصاً تلك المرتبطة بالصناعة الدفاعية الإيطالية. وتتعامل السلطات مع القضية باعتبارها عملية مكافحة تجسس نفذتها الاستخبارات الإيطالية ضد نشاط روسي داخل البلاد.
ونقلت صحيفة “لا فانغوارديا” عن بيان لقوات الكارابينييري أن المعتقلين، وبينهما ضابط صف سابق يبلغ من العمر 59 عاماً، يواجهان اتهامات تشمل التجسس، وإفشاء أسرار، والتدخل غير المشروع في أنظمة معلوماتية، إلى جانب جرائم أخرى مرتبطة بالأمن القومي.
ووفقاً للصحيفة، بدأت التحقيقات رسمياً في مايو 2025، وتركزت على العميل السابق الذي يُشتبه في أنه عمل لصالح شخص روسي يُعتقد أنه عنصر استخباراتي، وكان يتمتع بحصانة دبلوماسية داخل إيطاليا.
وتشير رواية المحققين إلى أن العميل الإيطالي السابق كان يمثل “قناة الاتصال الوحيدة” لذلك الشخص الروسي المشتبه به، وكان يحصل على المعلومات عبر ستة مصادر مختلفة، من بينهم أربعة عسكريين لا يزالون في الخدمة، ويعملون في مواقع توصف بأنها شديدة الحساسية.
وأضافت صحيفة “لا فانغوارديا” أن اللقاءات بين المشتبه به الإيطالي والروسي كانت تتضمن تحديد احتياجات الجانب الروسي من المعلومات، قبل أن يتحرك العميل السابق لجمعها عبر شبكة علاقاته، ثم يسلمها مقابل مبالغ مالية.
واعتمدت التحقيقات، وفق ما أفادت به الصحيفة، على وسائل متعددة شملت التنصت، والمراقبة الفنية، وعمليات تتبع ميدانية، إلى جانب فحص اتصالات وتحركات المتورطين. وتقول السلطات الإيطالية إن هذه الأدلة ساعدت في كشف آلية الحصول على المعلومات ونقلها.
وفي إطار العملية، نفذت قوات الأمن عمليات تفتيش شخصية ومنزلية ورقمية طالت المعتقلين الاثنين وخمسة أشخاص آخرين يخضعون للتحقيق. وترتبط الشبهات الموجهة إليهم بالحصول على معلومات حساسة تمس أمن الدولة، والتجسس السياسي أو العسكري، وإفشاء أسرار الدولة.
وبحسب ما أوردته “لا فانغوارديا”، فتحت القضية مسارين قضائيين متوازيين ومنسقين؛ الأول تشرف عليه النيابة العامة في روما، التي أصدرت أوامر التوقيف والتفتيش، والثاني تتولاه النيابة العسكرية في العاصمة الإيطالية.
وأمرت النيابة العسكرية بدورها بتفتيش مواقع وأجهزة تعود إلى العسكريين الأربعة العاملين حالياً، والذين يخضعون للتحقيق للاشتباه في إفشائهم أسراراً عسكرية والحصول على معلومات سرية لأغراض تجسسية.
القضية أثارت ردود فعل سياسية سريعة في إيطاليا، إذ رحب وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو بالعملية، معتبراً أنها تكشف حجم النشاط الاستخباراتي الروسي ضد بلاده.
ونقلت صحيفة “لا فانغوارديا” عن كروسيتو قوله: “بفضل عمل نيابة روما، ومجتمع الاستخبارات، ووحدة العمليات الخاصة في الكارابينييري، يثبت الدولة الإيطالية اليوم للجميع ما هو الموقف الحقيقي لروسيا تجاهنا”.
وأضاف وزير الدفاع الإيطالي أن القضية تؤكد وجود “صراع هجين يومي، وحرب كامنة ومستمرة تهدف إلى إضعاف مؤسساتنا وتحالفاتنا وأمننا”. واعتبر أن ما كشفته التحقيقات ليس سوى “رأس جبل الجليد” ضمن استراتيجية أوسع يشارك فيها “أعداء خارجيون وخونة من الداخل مستعدون لبيع وطنهم مقابل المال أو السلطة أو المصالح الشخصية”.
وختم كروسيتو تصريحاته بالتأكيد أن الدولة الإيطالية “وجهت ضربة إلى بعض هؤلاء اليوم”، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن المواجهة “مستمرة ولا تتوقف”، موجهاً الشكر إلى الأجهزة والجهات التي تعمل على التصدي لهذه التهديدات الأمنية.
وتأتي هذه القضية في وقت تتزايد فيه حساسيات الدول الأوروبية تجاه ملفات التجسس الروسي والحرب الهجينة، خصوصاً في ظل التوتر المتواصل بين موسكو والعواصم الغربية، وتنامي المخاوف من محاولات اختراق مؤسسات الدفاع والأمن داخل الاتحاد الأوروبي.
اقرأ المزيد
تحقيق يكشف خريطة التجسس الإسرائيلية: نصف دول العالم تحت المراقبة الرقمية

