وطن-في تطور يهدد واحداً من أكثر الملفات حساسية في العلاقات الأردنية الإسرائيلية، كشفت هيئة البث الإسرائيلية العامة “كان 11” أن إسرائيل لم تجدّد حتى الآن اتفاق تزويد الأردن بكميات إضافية من المياه، رغم أن ملف المياه يمثل أحد البنود الحيوية في معاهدة السلام الموقعة بين البلدين عام 1994.
وبحسب ما أوردته “كان 11″، فإن التأخير الإسرائيلي في توقيع اتفاق التمديد يضع ضغوطاً متزايدة على المملكة الأردنية الهاشمية، التي تعاني منذ سنوات من شح مائي حاد، وتعتمد بدرجة كبيرة على إمدادات المياه القادمة من إسرائيل، خصوصاً في ظل تراجع الموارد الطبيعية وارتفاع الطلب الداخلي.
ونقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مسؤول أردني قوله إن “قضية المياه مهمة جداً بالنسبة لنا، وهي أيضاً جزء من اتفاق السلام”، في إشارة إلى أن عمّان قد لا تتعامل مع التأخير الإسرائيلي باعتباره مسألة فنية فقط، بل كملف سياسي يرتبط بالعلاقات الثنائية الأوسع بين الجانبين.
وأضافت “كان 11” أن الأردن يخشى أن تكون إسرائيل تستخدم اتفاق المياه كورقة مساومة في علاقتها مع المملكة، خصوصاً في ظل تدهور العلاقات السياسية بين عمّان وتل أبيب منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عام 2023، وما تبعها من توتر دبلوماسي غير مسبوق بين الطرفين.
وفي مارس الماضي، ذكرت هيئة البث الإسرائيلية أن العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني اشترط عقد لقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بحل ملفات تتعلق بإمدادات المياه والقضية الفلسطينية، ما يعكس ترابط هذه الملفات في الحسابات الأردنية، واعتبارها جزءاً من الأمن القومي للمملكة.
وفي السياق نفسه، أفاد موقع “واي نت” الإسرائيلي، التابع لصحيفة “يديعوت أحرونوت”، بأن إسرائيل تدرس مقترحاً إماراتياً لعقد قمة ثلاثية في أبوظبي تضم وزراء الطاقة في الإمارات وإسرائيل والأردن، بهدف بحث أزمة اتفاق المياه وإعادة إحياء مشروع مشترك لتحلية المياه بدعم إماراتي.
وبحسب ما أورد موقع “واي نت”، فإن القمة المقترحة في أبوظبي قد تتناول ملف تزويد الأردن بالمياه، إلى جانب محاولة إحياء مشروع إنشاء محطة مشتركة إسرائيلية أردنية لتحلية المياه، وهو مشروع سبق أن حظي بدعم إماراتي في إطار مساعٍ إقليمية لربط ملفات الطاقة والمياه والتطبيع الاقتصادي.
وتسعى أبوظبي، وفق التقارير الإسرائيلية، إلى خفض مستوى التوتر بين الأردن وإسرائيل، وهما دولتان تجمعهما معاهدة سلام منذ ثلاثة عقود، لكن علاقتهما السياسية تدهورت بشدة منذ بدء الحرب على غزة، وما رافقها من مواقف أردنية حادة تجاه سياسات حكومة نتنياهو.
في المقابل، نقل موقع “واي نت” عن مسؤول إسرائيلي قوله إن بلاده “تواصل تزويد الأردن بالمياه المطلوبة بموجب معاهدة السلام”، لكنه شدد على أن إسرائيل “ليست ملزمة بتقديم كميات إضافية”، مضيفاً: “إذا كانت هناك نوايا طيبة بين البلدين، فيمكننا توفير المياه الزائدة”.
وبرر المسؤول الإسرائيلي الموقف الحالي بالقول إن إسرائيل أرادت “ملء خزاناتها لمصلحة مزارعيها”، بعد ما وصفه بأنه “أكثر الأعوام جفافاً خلال المئة عام الأخيرة”، في إشارة إلى أن تل أبيب تربط بين احتياجاتها الداخلية واستعدادها لتقديم كميات إضافية من المياه للأردن.
وأضاف المسؤول، بحسب “واي نت”، أن الأردن يحتاج إلى المياه، لكنه قال إن “مساعدة الجيران ينبغي أن تقابلها علاقات أكثر دفئاً”، في تلميح واضح إلى أن أي قمة محتملة في أبوظبي قد تبحث ملفات “التطبيع والمياه وتعزيز العلاقات الثنائية” بين الأردن وإسرائيل.
ومنذ توقيع معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية عام 1994، شكّل ملف المياه أحد أعمدة العلاقة بين البلدين. فقد وافقت إسرائيل حينها على تزويد الأردن بنحو 50 مليون متر مكعب من المياه سنوياً، مع التزام الطرفين بالتعاون في مواجهة شح المياه، وتطوير مصادر جديدة، والحد من التلوث والهدر.
لكن أزمة المياه في الأردن تفاقمت خلال العقود الماضية، مع النمو السكاني والضغط المتزايد على الموارد، إضافة إلى تغير المناخ وتراجع الهطول المطري. ونتيجة لذلك، أصبحت إمدادات المياه من إسرائيل عاملاً مهماً في إدارة الأمن المائي الأردني، لا سيما في العاصمة عمّان والمناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة.
وفي عام 2021، وافقت الحكومة الإسرائيلية على زيادة كميات المياه الموردة إلى الأردن بمقدار 50 مليون متر مكعب إضافية، ليصل إجمالي الكمية إلى نحو 100 مليون متر مكعب سنوياً لمدة ثلاث سنوات. غير أن حكومة نتنياهو، منذ عام 2024، رفضت تمديد الاتفاق لفترة طويلة، واكتفت بتمديدات قصيرة لا تتجاوز ستة أشهر، بينما طلب الأردن تمديد الاتفاق لخمس سنوات.
وبعد توقيعه آخر تمديد للاتفاق في مايو 2024، قال وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين إن إسرائيل “ستواصل استخدام مواردها الطبيعية لتعزيز مكانتها في المنطقة”، وهي عبارة قرأها مراقبون باعتبارها مؤشراً على إدخال ملف المياه ضمن أدوات النفوذ السياسي والدبلوماسي الإسرائيلي.
وفي فبراير الماضي، ذكرت قناة “المملكة” الأردنية أن عمّان أعدت إجراءات تهدف إلى تأمين احتياجات البلاد المائية بعيداً عن الضغوط السياسية أو التطورات الإقليمية، في إشارة إلى إدراك الأردن لحساسية الاعتماد على مصدر خارجي في ملف حيوي مثل المياه.
وحتى الآن، لم يصدر تعليق أردني رسمي مباشر على الخلاف الحالي حول تجديد اتفاق المياه مع إسرائيل. غير أن الصمت الرسمي لا يلغي حساسية الملف، خصوصاً أن الأردن سبق أن خفض مستوى علاقاته الدبلوماسية مع إسرائيل منذ الحرب على غزة، واستدعى سفيره غسان المجالي في نوفمبر 2023.
وفي الأسبوع الماضي، أصدر الملك عبدالله الثاني مرسوماً ملكياً أنهى رسمياً مهمة السفير الأردني في إسرائيل غسان المجالي، وأعاده إلى عمّان من دون تعيين بديل له، وهي خطوة عكست حجم التدهور في العلاقات بين البلدين منذ بدء الحرب الإسرائيلية على غزة.
وتشير تقارير “كان 11″ و”واي نت” إلى أن المياه لم تعد مجرد ملف فني بين الأردن وإسرائيل، بل تحولت إلى أداة ضغط سياسية في علاقة توصف عادة بأنها “باردة” رغم استمرار معاهدة السلام. ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه إسرائيل اتهامات باستخدام تقييد المياه عن قطاع غزة كسلاح حرب، ما يضاعف حساسية أي تحرك إسرائيلي مشابه تجاه دولة ترتبط معها باتفاق سلام.
ورغم التوتر السياسي، كان الأردن جزءاً من الجهود العربية والإقليمية التي ساهمت في اعتراض صواريخ وطائرات مسيرة إيرانية استهدفت إسرائيل خلال الحرب التي استمرت 12 يوماً العام الماضي، وكذلك في جولات التصعيد الأحدث، وهو ما يجعل الخلاف حول المياه أكثر تعقيداً في ظل تداخل الاعتبارات الأمنية والسياسية.
وتتزامن الأزمة مع تصاعد التحذيرات الدولية من تفاقم أزمة المياه عالمياً بسبب التغير المناخي. فقد حذر تقرير حديث للأمم المتحدة من أن “الكوكب دخل عصر الإفلاس المائي العالمي”، مشيراً إلى أن نحو ثلاثة أرباع سكان العالم يعيشون في دول مصنفة بأنها غير آمنة مائياً أو تعاني انعداماً حاداً في الأمن المائي.
وبحسب صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، تُعد إسرائيل من الدول الرائدة عالمياً في إنتاج مياه الشرب عبر تحلية مياه البحر، إذ تعتمد الأسر الإسرائيلية بنسبة تتراوح بين 70 و80% على المياه المحلاة المنتجة من محطات منتشرة في أنحاء البلاد.
وتنتج إسرائيل حالياً نحو 804 ملايين متر مكعب من المياه المحلاة سنوياً. ووفق “هآرتس”، وافقت الحكومة الإسرائيلية الشهر الماضي على خطة لرفع القدرة الإنتاجية لمياه الشرب المحلاة إلى ملياري متر مكعب سنوياً بحلول عام 2050، ما يعزز موقعها الإقليمي في ملف بات من أكثر ملفات الشرق الأوسط حساسية.
وبينما يواصل الأردن البحث عن ضمانات طويلة الأمد لأمنه المائي، تكشف أزمة تجديد اتفاق المياه مع إسرائيل أن الموارد الطبيعية، وفي مقدمتها المياه، أصبحت جزءاً مركزياً من معادلات السياسة الإقليمية، لا سيما في منطقة تعاني أصلاً من الجفاف وشح الموارد وتداعيات التغير المناخي.
اقرأ المزيد
جدل واسع في الأردن حول تحركات السفير الأمريكي جيمس هولتسنايدر ونشاطاته الميدانية غير المعتادة

