الثقافة والاقتصاد

0

إن وجود اقتصاد في المجتمع أمرٌ حيوي، إذ لا يمكن أن يوجد مجتمعٌ من دون اقتصاد قادر، على الأقل، على تلبية الاحتياجات الأساسية لأعضائه من طعام ولباس وعلاج.

ويتكون كل اقتصاد من مؤسسات حكومية وأخرى خاصة، وشركات كبيرة وصغيرة، ومشاريع فردية وجماعية إنتاجية ومالية وخدماتية لا يمكن تفعيلها من دون عمّال وموظفين.

في المقابل، لا يمكن استمرار أعضاء أي مجتمع في العيش من دون الانخراطِ في نشاطات اقتصادية يحصُلون من خلالها على دخل ومواقعَ اجتماعية وعلاقات إنسانية. نتيجة لهذا، تؤثر قيم الناس وتقاليدهم ومواقفهم، أي ثقافتهم، في طريقة تنظيم الاقتصاد وكيفية عمله ومدى كفاءته، فيما يقود انخراط الناس في النشاطاتِ الاقتصادية المتعددة إلى التكيف مع طرق عمل الاقتصاد وعلاقاتهم مع غيرهم أثناء العمل وبسببه.

الثقافة والاقتصاد وما يفرض على العمال والموظفين

وهذا يفرض على العمال والموظفين تطوير مواقفِهم وقيمهم للتجاوب مع ما يمرُّ به الاقتصاد من تطور وتحول؛ وهذا يتسبب في تغيير علاقات الإنتاج الاجتماعية والهياكل الاقتصادية في المجتمع، بما في ذلك  توزيع الثروة بين أعضائه.

اقرأ أيضاً: كتب البروفسور محمد عبدالعزيز ربيع: الاحتفال بالهجرة النبوية

وبكلمات أخرى، يرتبط الاقتصاد بالمجتمع بعلاقة ديناميكية تقوم على التأثير المتبادل، ما يجعل من غير الممكن أن يستمر طرف على حاله فيما يمر الطرف الآخر بعمليات تطور وتحول.

يتكون كل مجتمع من أفراد وجماعات ومنظمات ذات تقاليد وعادات وقيم مشتركة تسعى للعيش معاً، وإقامة اقتصاد ونظم حياة وعلاقات متنوعة تستهدف خدمة مصالح متبادلة.

وهذا يجعل الاقتصادَ فضاءً يلتقي أفراد المجتمع من خلاله، يتفاعلون مع بعضهم البعض، ومع مكونات بيئتهم بعناصرها الطبيعية والتكنولوجية والاجتماعية، ويشتركون في نشاطات متنوعة بهدف تحسين مستوى معيشتهم وتحقيق أهدافِهم.

وهذا يعني أنه ليس من الممكن إقامة علاقة اجتماعية دائمة أو شبه دائمة من دون أن يكون لها وجهٌ اقتصادي، وأنه ليس بالإمكان إقامة علاقة اقتصادية دائمة أو شبه دائمة من دون أن يكون لها بُعدٌ اجتماعي.

وفيما تقوم الثقافة بربطِ الناس بعضهم بعضاً بغراء من التقاليد والقيم والمعتقدات، وتشكيل مجتمع، تقوم النشاطات الاقتصادية والمالية بربط الناس بعضهم بعضاً بشبكة علاقاتٍ مصلحية ذا بعد مادي توفر لهم إمكانات الحصول على دخل والبقاء.

وفيما تقوم الثقافة بدور العامل المنظم لأوجُه الحياة الاجتماعية، يقوم الاقتصاد بدور العالم المنظم لأوجه الحياة المادية. ولمّا كان من غير الممكن الحفاظُ على مجتمع من دون اقتصاد أو الحفاظ على اقتصاد من دون منتجين ومستهلكين، فإن الاقصاد والثقافة يُشكلان قلبَ كل مجتمع وعقله؛ إذ فيما توفر الثقافة الغراء الاجتماعي الذي يربط أعضاء المجتمع الواحد بعضهم إلى بعض، ويوفر الاقتصاد متطلبات الحياة المادية للمجتمع، تقوم علاقة الاقتصاد بالثقافة بتحديد مكانة المجتمع وحيويته وموقعه من شعوب العالم.

وهذا يعني أن الثقافة والاقتصاد، أي قلب المجتمع وعقله، أمران حيويان لا يُمكن لمجتمع أن يعيش من دون أي منهما، كما أنه لا يمكن له أن يحافظ على توازنه من دون وجودِ تناغُم بين القلب والعقل، أي الثقافة والاقتصاد.

الاقتصاد يمر بمرض يضعف قدرته على العطاء

لذلك حين يصاب الاقتصاد بمرض يُضعف قدرته على العطاء، أو تـتعرض الثقافة إلى أزمة تضعف قدرتها على التطور، فإن أوضاع المجتمع تسوء قليلا أو كثيرا، ما يجعل قدرته على النمو وتحقيق التقدم بشقيه المادي والثقافي تتراجع.

اقرأ أيضاً: كتب محمد عبدالعزيز ربيع: الثقافة والحضارة

إن الأفكار التي تركز على دور الثقافة في تحقيق التقدم تستمد منطقها من كتابات ماكس فيبر عالم الاجتماع الألماني الذي ركز على دور القيم والمواقف في تحفيز الناس على العمل والإنتاج والادخار. مع ذلك، رأى فيبر أن التباين في القيم والمواقف يعود إلى المعتقدات الدينية وليس إلى الثقافات أو معطيات البيئة. لكن كتابات كارل ماركس تتناقض مع المقولات الثقافية، إذ يرى ماركس أن أنماط الإنتاج وعلاقات الإنتاج الاجتماعية هي التي تُشكل الثقافات، وليس العكس؛ الأمر الذي يعني أن هناك مفكرين يرون القيم والتقاليد والمواقف بوصفها العوامل الرئيسية التي تسهم في تشكيل القوى التي تحدد قدرة الشعوب على تحقيق التقدم، فيما يرى آخرون أن أنماط الإنتاج وعلاقات الإنتاج تُشكل الثقافات وما ينبثق عنها من قيم وتقاليد وهياكل اجتماعية.

إضافة إلى هذا وذاك، هناك من يزعم أن الثقافات جزء من جينات الشعوب غير القابلة للتغير، ما يعني أن هناك شعوباً مكتوباً لها، بسبب جيناتها الثقافية، أن تنجح وتنهض، وهناك شعوب أخرى مكتوب عليها، بسبب جيناتها الثقافية أيضا، أن تعيش حياة تخلف وبؤس، وأنه ليس بالإمكان تغيير هذه الحقيقة.

كان فيبر مصيباً حين قادته ملاحظاته إلى الاستنتاج بأن تباين المعتقدات الدينية يتسبب في حدوث نتائج اقتصادية متباينة. فالمواقف المختلفة من العمل والمثابرة والادخار، واختلاف النظرة إلى الحياة المرتبطة بالدين هي سمات ثقافية تفرز تشكيلات اجتماعية ذات قدرات متفاوتة على الإسهام في تنمية وتطوير المجتمعات والاقتصاديات.

من ناحية أخرى، كان كارل ماركس مصيباً أيضاً حين قال إن التحولات في أنماط الإنتاج وعلاقات الإنتاج تؤدي بالحتمية إلى إحداث تحولات في الهياكل الاجتماعية والقيم والمواقف الثقافية، وذلك في ضوء دراسته لمدى قيام النزعة المادية للنظام الرأسمالي بتدمير عناصر الثقافة التقليدية والقيم المنبثقة عنها.

اقرأ أيضاً: الثقافة والمجتمع

ولما كانت الثورة الصناعية قد قامت بتغيير أنماط الإنتاج وعلاقات الإنتاج والمواقف والقيم وتقاليد العمل ونظمه والعلاقات الاجتماعية في وقت واحد، فإن كلا من النظرية المادية والنظرية الثقافية تبدو عاجزة بمفردها عن تفسير ما جرى في أوروبا قبل وأثناء حدوث الثورة الصناعية. لذلك لا يجوز الجزم بأن الثقافة مسئولة بمفردها عن خلق العلاقات القادرة على تحقيق التنمية والنمو والنهضة، أو أن أنماط الإنتاج الاقتصادية مسئولة بمفردها عن تغيير المواقف والقيم والتقاليد وتحقيق نهضة وتقدم. وفي الواقع لا يمكن فصل الثقافة عن الاقتصاد أو فصل الاقتصاد عن الثقافة؛ لأن الثقافة والاقتصاد وجهان متلاصقان ومتكاملان لحياة مجتمعية واحدة، ما يجعل كل وجه يؤثر في الوجه الآخر ويتأثر به بشكل متواصل، بوعي أحياناً ومن دون وعي في غالبية الأحيان الأخرى. ومن خلال التفاعل المتواصل هذا تتقدم بعض الشعوب ويتخلف بعضها الآخر.

 

كتب البروفسور محمد عبد العزيز ربيع

 

تابعوا قناتنا على يوتيوب لمشاهدة كل جديد

أضغط هنا وفعل زر الاشتراك

 

[ratemypost]
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

قد يعجبك ايضا

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More