القبيلة والسياسة في السودان.. سنوات السطوة والنفوذ!

0

الحسن محمد عثمان –الخرطوم“- في استكمال لسلسلة التقارير التي أود من خلالها أن أسلط الضوء على جملة من القضايا التي لم تنل حظا وافرا من البحث والمتابعة في المشهد السياسي السوداني الحافل بالعديد من النماذج الفريدة، ولعل أنموذج اليوم يأتي ضمن هذا الطابع السياسي المختلف عن المحيط العربي والإفريقي، إذ لعبت “القبيلة” دورا مؤثرا في المشهد السياسي السوداني وساهمت إسهاما كبيرا في تشكيل نظام سياسي مختلف في السودان بإعطائها ثقلا ودعما لمجموعات دون أخرى والحديث عنها سيأتي مفصلا في هذا التقرير؛ لتبيان مدى تأثيرها في الواقع السوداني سياسيا واجتماعيا على النحو الذي ساهم في تعميق مشكلات الدولة .

التنوع القبلي في السودان

يعتبر السودان إحدى الدول التي تتنوع فيها القبائل بشكل واسع في كل الأقاليم السودانية التي تتكون من عشرات القبائل الكبرى المنقسمة. إلى بطون وفروع صغرى تنتشر على امتداد الخريطة السودانية وتحظى بنفوذ واسع بين أبنائها .

ويجسد هذا التنوع مشهدا لا يختلف عن أقطار عربية وإفريقية محيطة يتمثل فيها دور القبيلة في مناح عديدة من بينها التأثير السياسي.

هذا التنوع القبلي في السودان أدى لترسيخ مفاهيم عديدة ورسم ملامح سياسية خاصة بالسودان الذي تحظى فيه “القبيلة” بمساحة واسعة. من العمل السياسي الذي يتناقض مع مبادئ “الدولة الحديثة” و مفهوم الهوية الوطنية الذي يتأثر بالتعصب القبلي ،بالشكل الذي يخلق أزمة تؤثر على الشعب وتماسكه وتؤدي لحدوث نزاعات بين أفراده.

ويؤثر هذا التعصب القبلي أيضا على المسار الديمقراطي إلى حد يصل لعرقلته في مراحل محددة ؛ لأن القبيلة في أصلها تختلف اختلافا جوهريا. عن النظام الديمقراطي الذي يتأسس على الفرد ودوره في صنع القرار وتشكيل أنظمة الحكم ، في حين أن القبيلة تعتمد على العقلية الجمعية والتفكير الجمعي. الذي يقدم رؤية جامعة لأبناء القبيلة يكون خلالها رأي الفرد مصادرا وغائبا .

الدور السياسي للقبيلة في عهود السودان الأولى

القبيلة بوصفها نظاما ورابطا اجتماعيا نشأ قبل ظهور مصطلح “الدولة الحديثة” بمراحل زمنية ،حظيت بدور واضح جدا في السودان في عقود. التأسيس الأولى للممالك و السلطنات التي نشأت في الحيز الجغرافي الذي يعرف ب”جمهورية السودان” حاليا ، لم يلحظ دور لمسمى “القبيلة” في فترة ممالك حضارة كوش “نبتة. مروي ، كرمة” أو في عهد الممالك المسيحية النوبية “نوباتيا ،المقرة ،علوة” ؛ نظرا لقوة الرباط الديني المسيحي ونفوذ الكنيسة الواسع -آنذاك- وهو ما أدى إلى حلول الاعتزاز والتعصب للانتماء الديني محل الانتماء القبلي. ولم تثبت الشواهد والمعلومات -على قلتها ومحدوديتها- وجود دور سياسي للقبيلة في نظام الحكم في عهد الممالك النوبية المسيحية .

في المقابل شهدت عهود الممالك الإسلامية في السودان بروزا واضحا للقبيلة وتشكلا لأدوارها الاجتماعية والسياسية ،وللمفارقة فإن أولى. السلطنات الإسلامية في السودان وهي التي عرفت بمملكة سنار الإسلامية أو “السلطنة الزرقاء” تكونت نتاجا لتحالف بين مكونين قبليين. هما قبائل “الفونج” بزعامة عمارة دنقس وقبائل “العبدلاب” بزعامة عبد الله جماع في 1504م ، وفي هذه السلطنة الإسلامية تحديدا يتمثل الدور السياسي للقبيلة بشكل واضح جدا إذ تكون نظام الحكم والإدارة فيها من “مشيخات” ومرجعيات قبلية تدين كلها. بالولاء للسلطنة وتمارس هذه المشيخات والإدارات الأهلية جزءا كبيرا من ممارسات الدولة و تنوب عن الحاكم المركزي في الإدارة .

النظام القبلي أدى لانهيار الدولة

ويشير باحثون في هذا الشأن إلى أن هذا النظام القبلي هو أحد الأسباب الرئيسة التي أدت لانهيار الدولة السنارية التي كثرت. في آخر عهدها الحروب والانقسامات القبلية التي ساهمت في تفكيك الدولة وإسقاطها .

وبجانب هذا التأثير الكبير للقبيلة الذي وصل لحد الإسهام في تأسيس أول دولة بالمفهوم الحديث في السودان ومن ثم تأثير آخر في إسقاطها. فإن أدوار القبيلة ونفوذها لم ينته بسقوط دولة الفونج بل استمر في مراحل لاحقة.

تأسست ممالك إسلامية أخرى ذات طابع قبلي مماثل من بينها مملكة “المسبعات” في المنطقة التي تعرف حاليا بإقليم “كردفان”. و “سلطنة الفور” في إقليم دارفور الحالي .

القاسم المشترك بين هذه الممالك الإسلامية هو اعتمادها الأساسي على النظام القبلي في تقوية حكمها وتمرير سياساتها عبر زعماء القبائل. الذين يدينون بالولاء لها ،وبذلك أصبحت القبيلة صاحبة نفوذ واسع وتأثير وقرار بالاستناد. على سيطرتها على رقعة جغرافية تدعي أنها ملكية خاصة لأبناء قبيلتها. وهنا يكمن الإشكال الذي سيؤدي لاحقا لصراعات على أرض وموارد تمثل حلقة لا تنتهي من النزاعات والقتال المستمر.

تأثير القبيلة في عهد “الدولة المهدية”

نشأت الدولة المهدية نتيجة لخطاب ديني صوفي وتحالف بين قطاعات لها ولاء لطرق صوفية متعددة ، لكن في الوقت نفسه أثر البعد القبلي. على الدولة ونظامها السياسي ،وعقد المهدي تحالفات مع قبائل كثيرة لزيادة نفوذه وتقوية دولته .

واعتمد المهدي على النظام القبلي في حملاته المسلحة و ساهم دعم زعماء القبائل له و “مبايعته” في تقوية جيوش المهدي ، في المقابل أسهمت. الصراعات القبلية في تفكيك دولة المهدية بعد وفاة مؤسسها محمد أحمد المهدي .

تأثير زعماء القبائل في فترة الحركة الوطنية ما قبل الاستقلال

كانت الإدارة الأهلية صاحبة نفوذ و سطوة في عهود الاستعمار في السودان من بينها فترة الحكم التركي الذي أعطى مساحة سياسية لزعماء القبائل. وأشركتهم في تنفيذ بعض سياسات الدولة وقراراتها ؛نسبة لما يمتلكونه من قبول ونفوذ بين أفراد قبائلهم ،وفي عهد الاستعمار البريطاني/المصري في السودان. أصبح زعماء القبائل على اختلاف مسمياتهم “عمدة ،شيخ، ناظر ،مك، شرتاي، أمير، سلطان” محل ثقة لدى سلطة الاحتلال التي أعطتهم دورا كبيرا في إدارة. جزء من شؤون البلاد عبر ما عرف عليه اصطلاحا. ب”نظام الإدارة الأهلية” إلى حد وصل لمنح زعماء القبائل سلطات قضائية وإدارية تمكنهم من حل النزاعات والخلافات. عبر المحاكم التي سميت ب”المحاكم الأهلية” .

وأتى هذا الدعم الكبير لإغلاق الطريق أمام طبقة المتعملين والمثقفين الذين يسعون لمجابهة المستعمر ، ويصح وصف هذه العلاقات. بأنها تكامل بين زعماء القبائل والمستعمر يضمن فيها الطرفان مصالح الآخر بالشكل الذي يمنح زعماء القبائل سلطة ونفوذا واسعا. بينما يثبت حكم المستعمر. من خلال تحالفه مع الإدارة الأهلية التي تضمن بقاءه.

التأثير السياسي للقبيلة في عهود الأنظمة الديكتاتورية السودانية

مر السودان بعد استقلاله بمراحل غلب عليها الحكم العسكري الاستبدادي ، وأسهم هذا الاستبداد في خلق أنظمة سياسية واجتماعية. عززت التفرقة و المناطقية و القبلية ؛نتيجة لممارسات هذه الأنظمة وتهميشها للأقاليم بجانب غياب المشاريع التنموية في كل أرجاء السودان.

أدى هذا التهميش لظهور تنظيمات سياسية ذات طابع “قبلي” و “مناطقي” تنادي بحقوق مناطقها وتسعى لذلك ، كان أول هذه التنظيمات السياسية. المتدثرة برداء القبيلة والمنطقة “مؤتمر البجا” الذي تأسس عام 1958 وطالب بتطبيق الحكم الفيدرالي وتنفيذ مشاريع تنموية في شرق السودان واعطاء أبناء الإقليم حقهم في التمثيل السياسي في نظام الحكم. ومنح أهل الإقليم نصيبهم من موارد إقليمهم . كما تشكل ما عرف ب”اتحاد جبال النوبة” الذي ضم زعماء قبليين وسياسيين عام 1964 كما تشكل تنظيم آخر حمل اسم “جبهة نهضة دارفور ”

أتى نظام المخلوع عمر البشير عبر انقلاب 30 يونيو 1989 بتحالف بين العسكر و الجبهة الإسلامية القومية ، اعتمد نظام البشير اعتمادا كبيرا. على “الإدارة الأهلية” في بسط نفوذه وسيطرته ،وأصبح زعماء القبائل أعضاء في حزب البشير و بعضهم. ترشح في الانتخابات التشريعية باسم حزب البشير .

كان لقادة القبائل دور محوري في حشد أبناء قبائلهم في اللقاءات التي كان البشير يقيمها في كل أقاليم السودان لإقناع الرأي العام العالمي. بأنه “يحظى بشعبية ” بينما تقول الحقيقة إن هذه الحشود ما هي إلا حشود “مصطنعة” تخالف الواقع الذي يبين مدى كره الشعب. للبشير ونظامه الذي أمعن في إنهاك السودانيين. و تعميق مشكلاتهم التي تأتي الحروب العبثية ذات الطابع القبلي في مقدمتها.

التعرات القبلية

وبالإشارة إلى دور البشير في تعزيز “النعرات القبلية” ، ينبغي ذكر أزمة دارفور التي تسبب الخطاب القبلي والعنصري في تعميقها. وكان لنظام البشير دور أساسي فيها عبر تسليح القبائل وتكوين المليشيات القبلية المسلحة التي أطالت أمد الحرب بين الحكومة من جهة. و الحركات المسلحة. التي راح ضحيتها عشرات الآلاف الأبرياء من المواطنين .

هذه الأزمة رسخت لمفهوم جديد أعطى مساحة للقبيلة في السياسة والعمل العسكري إذ أن أغلب أطراف الصراع المسلح في دارفور. يستندون على أساس مناطقي وقبلي سواء في جانب التنظيمات المسلحة من القبائل العربية التي اتهمت بأنها مدعومة. من نظام البشير أو في جانب الحركات المسلحة. التي يتكون أفرادها من القبائل الإفريقية التي اتهمها نظام البشير بأنها مدعومة من جهات خارجية .

وأدى هذا الاصطفاف القبلي الذي خلقته ممارسات نظام المخلوع عمر البشير لفرض واقع جديد وأثر بشكل واضح. على وحدة وتماسك الإقليم. المثقل بجروح الحرب الغائرة وآثارها المأساوية.

دور التعصب القبلي في خلق النزاعات السودانية و إعاقة تقدم السودان

منذ المراحل الأولى لتشكل الدولة السودانية الحديثة شكل التعصب القبلي عثرة في مسار تقدم السودان ؛نسبة لسطوة القبيلة ونفوذها. الواسع في المجتمع السوداني الذي يغلب عليه الطابع الريفي الذي يعتبر مركز ثقل للنفوذ القبلي ، خلافا للمجتمع المدني الذي تتلاشى فيه هذه الانتماءات. وتنحصر في حدود التعارف والعلاقات الاجتماعية فقط .

أسباب متعددة أدت لتعميق مشكلة التعصب القبلي من بينها انتشار الجهل والأمية بجانب الاستبداد الذي حكم السودان. في أغلب سنواته. بعد نيل الاستقلال، هذا التعصب تطور ليصل لتبني خطاب كراهية وعنصرية مهد لسنوات من الحروب والنزاعات المسلحة ذات الطابع القبلي. التي أزهقت فيها أرواح عشرات الآلاف من السودانيين. في دارفور و جنوب كردفان والنيل الأزرق وغيرها من المناطق.

دور القبلية في إعاقة مسار الثورة

النظام القبلي بوصفها نظاما اجتماعيا سابقا للدولة الحديثة له تأثير واسع في شتى الأصعدة ومن بينها الممارسة السياسية ، في السودان شكل. النفوذ القبلي عائقا كبيرا أمام البناء السياسي الطبيعي الذي يستند على مشروع فكري وبرنامج عمل يقدمه الحزب سعيا لإيجاد موطئ قدم له في الحلبة السياسية. لكن خلافا لهذا النظام لعبت القبيلة دورا في السياسة السودانية. وصدرت العقلية الجمعية القبلية البدائية لمضمار الممارسة السياسية التقدمية التي تبنى على حرية الفرد في اختيار من يمثلونه دون تأثير لرباط قبلي أو مناطقي .

تجلت هذه المشاركة السلبية للقبيلة في السياسة السودانية في المرحلة التي تلت إسقاط نظام المخلوع عمر البشير وبداية فترة المجلس العسكري. بقيادة عبد الفتاح البرهان، وفي تلك الفترة هرع الزعماء القبليون من مختلف. أنحاء السودان لتقديم الدعم والإسناد والتفويض للمجلس العسكري. في مخالفة لمسار الثورة الداعي للحكم المدني الكامل وتنحي العسكريين .

نظمت قبائل متعددة لقاءات حاشدة حضرها قادة المجلس العسكري وفي مقدمتهم “عبد الفتاح البرهان”. و”محمد حمدان حميدتي”. وهي اللقاءات التي اتكأ المجلس العسكري عليها لإيهام العالم بأنه مدعوم من قبل شعبه في تكرار لذات السيناريو الذي كان ينتهجه المخلوع عمر البشير. وتمثلت العلاقة الوطيدة بين العسكريين وقادة القبائل. في ترشيح الشق العسكري لعدد من قادة القبائل ليكونوا أعضاء في المجلس التشريعي القادم ممثلين لحصة المكون العسكري .

المشهد السياسي بعد حل المجلس العسكري

لم يغب تأثير القبيلة في المشهد السياسي حتى بعد حل المجلس العسكري وتشكيل المجلس السيادي ومجلس الوزراء عقب. توقيع اتفاق المرحلة الانتقالية. إذ تكونت مجالس قبلية تبنت خطا سياسيا يتعارض مع قيم الثورة من بينها كيانات نشأت. في شرق السودان حاولت أن تحل محل الإدارة الأهلية التقليدية.

من بينها ما عرف ب”مجلس نظارات البجا” وهو الكيان الذي تبنى خطاب كراهية وعنصرية أثر على وحدة الإقليم ،وأقحم فيه اسم البجا. دون أن يكون ممثلا لهذه الأرض ،كما نشأ ما عرف ب”الآلية التنسيقية لعمد البني عامر” وهو كيان آخر. حاول أن يقحم القبيلة في الشأن السياسي. وسعى لبسط نفوذه والحل محل الإدارة الأهلية المعترف بها التي يمثلها ناظر القبيلة.

في سياق متصل احتمى قادة من النظام السابق بقبائلهم وسعوا لإعاقة مسار العدالة عبر استخدام القبيلة. كدرع يحميهم من العدالة .

ويعد أكبر أخطاء السلطة الحالية هو المساحة السياسية الواسعة التي منحتها السلطة لزعماء القبائل في تعارض واضح. مع مبادئ الدولة الحديثة. التي تتناقض مع مفهوم القبيلة ، وبذلك أصبح للزعماء القبليين دور سياسي بدلا من أن تكون أدوارهم محدودة في إطار تعزيز السلم الاجتماعي.

تابعوا قناتنا على يوتيوب لمشاهدة كل جديد

أضغط هنا وفعل زر الاشتراك

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More