لوحة “خلق آدم” تثير غضباً واسعاً في السودان … هل ستستجيب الحكومة لمطالب إقالة عمر القراي؟

0

كتب الحسن محمد عثمان- الخرطوم- بعد الثورة ظهرت شخصيات كثيرة حاولت استغلال الحراك الثوري لتمرير أجندتها والاستفادة من الزخم الثوري لتلميع صورتها، لكن بالرغم من ذلك لم يؤثروا على الثوار و لم يشكلوا عائقا أمام مسيرة الثورة ، حتى أن أنصار النظام السابق ارتدوا العباءة الثورية و ادعوا أنهم جزء من الثورة !.

الدولة الدينية

من جهة أخرى سعت تيارات سياسية و فكرية لترسيخ فكرة أن ثورة ديسمبر هي ثورة للتحرر من سيطرة “الإسلاميين” و أنها ثورة ضد “الدولة الدينية”  هؤلاء رغم كونهم أغلبية في التيارات المعارضة الدكتاتور عمر البشير إلا أنهم فشلوا في امتحان الثورة و لم يدركوا أن السبب الرئيس في وأد ثورات الربيع العربي هو الصراع الآيديولوجي و حصر الثورة في ثنائية “اليمين-اليسار” بدلا من أن تكون ثورة الحرية ضد الاستبداد و العدالة ضد الظلم.

عمر القراي

شخصية أخرى دأبت على إثارة الجدل منذ ظهورها في المشهد السوداني بعد الثورة و تقلدها لمنصب مدير المركز القومي للمناهج ، “عمر القراي” أحد مثيري الجدل رغم كونه ينتمي لحزب معارض لنظام المخلوع عمر البشير إلا أن نشاطه لم يكن كثيرا و لم يتعرف عليه السودانيون إلا من خلال ظهوره في إحدى حلقات برنامج الاتجاه المعاكس مواجها لبوق نظام الكيزان “ربيع عبد العاطي”.

اقرأ أيضاً: حميدتي يقتل السودانيين كالخراف بدم بارد.. غليان شعبي بالسودان وما حدث لبهاء الدين نوري مرعب

تولى القراي مهام إدارة مركز المناهج التابع لوزارة التعليم والذي يعنى  بصياغة مناهج المراحل التعليمية  وهو موقع يتطلب جهدا كبيرا لإصلاح المناهج التي عانت من إشكالات كثيرة في عهد نظام المخلوع عمر البشير و غلب عليها الضعف في المحتوى و غياب المادة التعليمية و التربوية التي تنشئ جيلا قادرا على الابتكار و التفكير فقد كانت مقررات المرحلة الأساسية غاية في الضعف و لا تتضمن رسالة تعليمية متكاملة و غلب عليها تمرير بعض الأفكار ذات الصلة بالنظام السابق.

مدير مركز المناهج عمر القراي اختار طريقا آخر

ولكن مدير مركز المناهج عمر القراي اختار طريقا آخر، بدلا من السعي لتطوير المناهج و معالجة إشكالاتها المعقدة ، سعى لإثارة الجدل في مواقع عدة ، اعترضت تيارات دينية و سياسية من بينها التيار السلفي على تعيين القراي في هذا الموقع ؛ نسبة لانتمائه لمدرسة فكرية يراها هؤلاء “لا علاقة لها بالدين” و استندوا على الأحكام القضائية التي صدرت في عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري ضد الحزب الجمهوري و التي قضت بإعدام عدد من قادته بينهم مؤسسه “محمود محمد طه” بتهمة “الردة” و هو ما يراه الحزب الجمهوري و أنصاره “حكما سياسيا جائرا” لا علاقة له بالعدالة.

التيار السلفي

ويقول محسوبون على التيار السلفي إن اعتراضهم  على تعيين القراي يأتي ؛  نظرا لأنهم يخشون أن يسعى القراي لتمرير أفكاره و استغلال موقعه لهذا الغرض ، كانت بداية الأزمة عندما أعلن القراي في منابر إعلامية عن اتجاه لتقليل عدد الصور المقررة للحفظ في منهج الصف الأول الابتدائي حينها هاجمه دعاة و خطباء مساجد من بينهم نائب رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية محمد الأمين إسماعيل الذي شن في خطبة الجمعة الماضية هجوما لاذعا على القراي.

سورة الزلزلة المخيفة

لم تخل تصريحات القراي من قدر من الغرابة إذ أنه تحدث عن سورة الزلزلة واصفا إياها ب”المخيفة” و قال إنه ينبغي  ألا تدرس مثل هذه السور لطالب في الصف الأول الابتدائي، مؤخرا واجه القراي حملة من عدد كبير من الدعاة و الشيوخ بعد نشر كتاب التاريخ للصف السادس في مرحلة الأساسية  إذ احتوى الكتاب على صورة  للوحة “خلق آدم” للرسام الإيطالي مايكل آنجلو و هي لوحة تحوي تجسيدا للذات الإلهية و لنبي الله آدم عليه السلام و هي اللوحة التي أثارت جدلا واسعا في منصات التواصل لوجودها في مقرر دراسي لتلاميذ لا يتجاوز عمرهم  اثني عشر عاما و طرحت أسئلة كثيرة عن الجدوى من وجود مثل هذه الصورة في المنهج ، مجمع الفقه الإسلامي أصدر فتوى تحرم تدريس هذا الكتاب.

فتوى مجمع الفقه الاسلامي

وبرر المجمع فتواه وقال إن الكتاب يحتوي على عدد من الأخطاء في مقدمتها الصورة الواردة في المنهج للوحة “خلق آدم” و وصفها المجمع ب”الإساءة القبيحة” للذات الإلهية بعرضها مجسدة للتلاميذ ، و بين المجمع أن الكتاب قدم الإسلام بوصفه “دين إرهاب و عنف”.

بدوره هاجم القراي مجمع الفقه الإسلامي واصفا إياه بأنه لا يملك حق إجازة المناهج و أن هذا من صلاحيات المجلس القومي للمناهج و قال في مؤتمر صحفي إن الحملة الرافضة لما ورد في كتاب التاريخ  بأنها “حملة جائرة و غير شريفة” ، واعتبرها حملة لفلول نظام الإنقاذ ، وربما وجد القراي في اتهام معارضيه بأنهم “فلول نظام البشير” تهمة مطاطية يلجأ لها أنصار السلطة الحالية في كل مرة تتعرض فيها السلطة لانتقاد.

وصارت تهمة الانتماء للنظام السابق من نصيب كل من يسعى لانتقاد الحكومة الحالية ، ليس ثمة خطأ في القول بأن الحملة الرافضة للقراي ينخرط فيها محسوبون على النظام السابق لكن مصادرة حقهم في التعبير فقط لأنهم “كيزان” يتعارض مع أبجديات حرية التعبير و هذا التعبير لا يقصد  به الإساءة و التكفير و التهديد بالقتل بطبيعة الحال فالخلاف مع القراي لا يبرر استخدام هذه الوسائل السيئة.

الخطباء و الدعاة

ودون القراي بلاغات في عدد من الخطباء و الدعاة و اتهمهم بتكفيره ، من ناحية أخرى مارس القراي في رده على الاتهامات الموجهة إليه و مارس أسلوبا غريبا لا ينبغي أن يمارسه المسؤول الحكومي إذ عرض القراي نتيجة الشهادة الثانوية لأحد منتقديه وهو وزير سابق في عهد الرئيس المخلوع و هنا طرحت أسئلة عن الغرض من عرضها و عرض درجاته للرأي العام ؟! ،  وما الذي سيستفيده الرأي العام من هكذا أسلوب ؟! ،

لوحة “خلق آدم”

وفي تعليق على لوحة “خلق آدم” قال القراي إن هذه الصورة موجودة في مقررات الفنون في جامعة أم درمان الإسلامية ، هل يحاول القراي أن مستوى الفهم و الإدراك بين طالب في المرحلة الابتدائية مساو لمستوى طالب الجامعة؟! ، و ما الفائدة المرجوة لطفل لم يبلغ الثانية عشرة بعد من معرفة هذه اللوحة ؟ ، ينتمي القراي للفكر الجمهوري الذي يرى مؤسسه أن الله جل في علاه هو “الإنسان الكامل” فهل يسعى القراي لتمرير أفكاره عبر تضمين هذه اللوحة ا في المقرر الدراسي لتلاميذ ما زالوا في بداية مشوارهم التعليمي.

صديق مهدي

وفي حديث لصحيفة “الصيحة” المحلية نفى عضو لجنة المؤلفين و عميد كلية التربية في جامعة بخت الرضا “صديق مهدي” أن يكون للجنة المؤلفين دور في تضمين لوحة “خلق آدم” في كتاب التاريخ للصف السادس مبينا أنهم كتبوا خطاب تبرئة ذمة من التغير الذي طرأ على الكتاب، و قال إن القراي هو من أدخل الصورة إلى الكتاب، وهذا الرأي يدحض ما قاله القراي في مؤتمره الصحفي و تصريحاته التى نفى فيها أن يكون له صلة بكتابة المقرر ، منصات التواصل الاجتماعي شهدت حملات واسعة للمطالبة بإقالة عمر القراي من منصبه و هي حملات تحظى بدعم تيارات متعددة من بينها جماعة أنصار السنة المحمدية و “المجمع الصوفي العام” و مجموعات أخرى ، في المقابل نشط آخرون معبرين عن دعمهم للقراي ، قادة سياسيون علقوا دعما للقراي من بينهم ياسر عرمان المرشح السابق لانتخابات 2010 و القيادي في قوى الحرية و التغيير الذي علق واصفا الحملة على القراي بأنها تحظى بدعم “فلول النظام” ، كما علق المساعد السابق للرئيس المخلوع “مني أركو مناوي” مطالبا أئمة المساجد بعدم التدخل في شؤون المناهج !  ، ليس ثمة خطأ في القول بأن اعتبار حملة رفض عمر القراي و وصفها بأنها حملة “فلول النظام” هو نوع من الهروب إلى الأمام.

تجميد العمل بالمقترحات الحالية للمناهج

في تعليقه على القضية أعلن رئيس الوزراء عبد الله حمدوك تجميد العمل بالمقترحات الحالية للمناهج و تشكيل لجنة من العلماء و المتخصصين للعمل على إعداد المناهج الجديدة وفق أسس علمية تراعي التنوع الثقافي و الحضاري -حسب تعبيره- ، قضية القراي تمثل تحديا حقيقيا و ينبغي التعامل معها بصورة متزنة و ينبغي أن يكون النقاش عن  أخطاء المنهج وضرورة معالجتها  ، ولن يكون التشهير و التكفير و الإساءة أسلوبا مناسبا ، وينبغي على مناصري القراي أن يفرقوا بين “فلول النظام” و بين المواطن الذي يحق له انتقاد أخطاء المسؤولين فالثورة جاءت لتحقيق الحرية و لم تأت لاستبدالها بقمع آخر !

تابعوا قناتنا على يوتيوب لمشاهدة كل جديد..

 

أضغط هنا وفعل زر الاشتراك

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More