إسلاميو السودان …قصة النشأة والحكم وأسئلة ما بعد ثورة ديسمبر

0

الحسن محمد عثمان- الخرطوم“.. ظل جزءا من اللعبة السياسية السودانية منذ المراحل الأولى لتكوين الحركة السياسية في البلاد إذ تكونت جماعات وأحزاب سياسية ذات مرجعية إسلامية منذ مرحلة ما قبل الاستقلال وفي فترة الحكم المدني الأول الذي عقب الاستعمار الثنائي، كانت البداية بتيار عرف باسم “” وهو تيار نشأ في 1949 انتمى له طلاب الجامعات وعرفت  الحركة بمواجهتها للتيار الشيوعي الصاعد آنذاك ، لاحقا تكونت ما عرفت بجبهة الميثاق الإسلامي بقيادة د. وتحول اسمها لاحقا إلى الجبهة الإسلامية القومية وهي التي نفذت انقلابا عسكريا في 30 يونيو 1989 .

 

التأثير السياسي للإسلاميين في مرحلة التأسيس الأولى

لم يكن تأثير التيار الإسلامي في مرحلته الأولى بصورة يمكن أن تنجح في خلق ثقل كبير لدى الرأي العام السوداني والحديث هنا عن حركة التحرير الإسلامي  لاحقا تأسست “جبهة الميثاق الإسلامي” في 1964 وهي تحالف ضم أعضاء ينتمون للصوفية و السلفيين والمتأثرين بفكر الإخوان المسلمين، دخلت الجبهة في معترك السياسة واستفادت من قدرات مؤسسها وقائدها حسن الترابي الذي كان قادما للتو من فرنسا وكان له الدور الأكبر في خلق برنامج للجبهة و السعي لتقديمها للرأي العام بصورة تجعلها منافسة لثنائي الحكم آنذاك “الحزب الاتحادي و حزب الأمة” ، كان مشروع الجبهة إسلاميا متأثرا بتيارات الإسلاميين العربية وفي مقدمتها حركة الإخوان المسلمين في مصر و سعت الجبهة -حسب مؤسسها حسن الترابي- لخلق نموذج سياسي إسلامي مماثل يهدف لتمكين “الدين” و هي الشعارات أثبتت مرحلة اللاحقة “فراغها من مضمونها” ،لم تكن هذه الحركة فرعا من الإخوان المسلمين -حسب مؤسسها حسن الترابي – لكنها تعاطفت معهم عندما تعرضوا للقمع والملاحقة والقتل في عهد الديكتاتور جمال عبد الناصر ،  لعب زعيم جبهة الميثاق حسن الترابي دورا كبيرا في “ثورة 21 أكتوبر 1964” التي أسقطت نظام الديكتاتور إبراهيم عبود إذ تحدث الترابي في ندوة أقيمت في جامعة الخرطوم في التاسع من سبتمبر 1964 عن أزمة جنوب و بين الترابي أن مشكلة الجنوب دستورية في المقام الأول و أساسها وجود نظام مستبد ، لاحقا فرضت السلطات على الندوات و دخلت في صدام مع طلاب جامعة الخرطوم ومنعتهم من إقامة ندوة وقتل إثر ذلك طالبان وجرح آخرون ، تحدث الترابي عن ثورة أكتوبر في “شاهد على العصر” مع عن ثورة أكتوبر و قال إنها  “ثورة أشعلها الإسلاميون وسرقها الشيوعيون” و هو ما يفهم في سياق  الخلاف الحاد بين التيارين طوال المراحل السياسية السودانية و ترجم لاحقا في مواقف عديدة ، دخلت جبهة الميثاق البرلمان في 1965 و حصلت على سبعة مقاعد ، قصة حل الحزب الشيوعي فهمت في إطار الصراع بين الإسلاميين و الشيوعيين وكانت بدايتها في ندوة لجبهة الميثاق الإسلامي  تضمنت مداخلة من طالب عرف نفسه بأنه “ماركسي” ثم تحدث بعبارات فيها إساءة لبيت النبي صلى الله عليه وسلم و مقام السيدة عائشة رضي الله عنها وبعدها خرجت مظاهرات حاشدة إثر هذه الإساءة بالتزامن معها أصدر الحزب الشيوعي بيانا نفى فيه انتماء الطالب للحزب الشيوعي ، تطور الأمر لاحقا وأعلن عن حل الحزب الشيوعي السوداني و بينت هذه الحادثة قدرة للتيار الإسلامي على التأثير في الرأي العام رغم كونه تيارا صاعدا له عدد قليل من النواب في البرلمان ولا يستند على قاعدة صوفية مثل الحزب الاتحادي و حزب الأمة ، شيئا فشيئا زاد نفوذ الإسلاميين و أصبح لهم دور في السياسة السودانية و خاضوا تحالفات مع أحزاب أخرى و شاركوا في الحكم في فترة جعفر نميري و عهد الصادق المهدي الذي انقلبوا عليه لاحقا في 1989

 

تحالف الإسلاميين والعسكر وقصة “الإنقاذ”

انتهج الترابي وتياره الإسلامي سياسة  “التمكين” كانت ذات تأثير كبير في نجاح انقلاب الجبهة الإسلامية في 30 يونيو 1989 فقد عمدت الجبهة منذ سنوات تأسيسها الأولى إلى إدخال أعضاء ينتمون إليها في الجيش و الشرطة و بقية المؤسسات الأمنية و استفادت الجبهة الإسلامية من مشاركتها في السلطة في فترة جعفر نميري وكانت تلك فترة مهمة بالنسبة للتيار الإسلامي وشهدت تمكينا واسعا لهم مهد لانقلابهم على الديمقراطية في يونيو 1989 وهو الانقلاب الذي قاده العميد عمر البشير ، وفي شهادته على العصر مع أحمد منصور قال عراب انقلاب الإنقاذ حسن الترابي إن لقاءه الأول بالبشير كان قبل الانقلاب بيوم ولم يكن يعرف عنه شيئا سوى أنه من أبناء التنظيم الإسلامي في الجيش ولم يكن للبشير مؤهل  سوى أنه الضابط صاحب الرتبة الأعلى بين الضباط الذين ينتمون للجبهة الإسلامية ، اختار الترابي ألا يفصح عن هوية الانقلاب “الإسلامية” إلا بعد عدة أشهر إذ نفذ خطة اعتقال شملت كل الزعماء السياسيين ومن بينهم حسن الترابي نفسه وهو ما عبر عنه في جملته الشهيرة “اذهب إلى القصر رئيسا و أنا سأذهب إلى السجن حبيسا” ، كان الانقلاب استكمالا لسنوات من الإعداد الذي بدأه الترابي وجبهته الإسلامية منذ سنوات نشأتهم الأولى ، مارس الترابي نوعا من “المهادنة” مع نظام الديكتاتور جعفر نميري وتظاهر بأنه حمل وديع في العلن وشغل مناصب في عهد نميري منها وزير العدل والخارجية بينما في الخفاء كان يعمل مع أعضاء الجبهة الإسلامية على الإعداد المبكر للانقلاب ، وسرد الترابي في شهادته على العصر تفاصيل القصة التي استمرت لسنوات .كان انقلاب 30 يونيو بداية لعقود سطوة الإسلاميين و تمسكهم بالسلطة بالشراكة مع العسكر فصنعوا ديكتاتورية ذات طابع مختلف عن الديكتاتوريات العربية فهي لم تكن شراكة بين العسكر  و تيارات ذات هوى “قومي عربي” أو “اشتراكي” كما هو الحال في أغلب الديكتاتوريات التي نشأت في سوريا و مصر و ليبيا وغيرها بل كانت شراكة بين العسكر و تيار يدعي أنه “إسلامي” ، استمر الحكم لثلاثة عقود كان عنوانها القمع والاستبداد ، حدث خلاف بين الترابي وعمر البشير في 1999 عرف باسم “المفاصلة”  أدى لمغادرة الترابي لقبة البرلمان الذي كان يترأسه وأصبح معارضا “شرسا” لعمر البشير وأسس حزب “المؤتمر الشعبي”  و دخل السجن لمرات عديدة ، فجأة وبدون سابق مقدمات تراجع الترابي عن مواقفه و دخل في ما سمي بمؤتمر “الحوار الوطني” في 2015  وهو مؤتمر جمع عددا من الأحزاب التي لا وزن لها وحاول المؤتمر الوطني خداع الرأي العام بأنه يسعى لحل مشكلات السودان عبر هذا الحوار وهو الحوار الذي قاطعته الفصائل المعارضة المعروفة وفي مقدمتها الجبهة الثورية التي تضم عددا من الحركات المسلحة و قوى نداء السودان و الإجماع الوطني .

 

اقرأ أيضا: أزمة الخطاب العنصري في شرق السودان …الأسباب والمآلات والأبعاد الخارجية

سنوات الحكم بين “الفساد” و “الحرب”

أتى حسن الترابي و جبهته الإسلامية بمشروع أطلقوا عليه وصف “المشروع الحضاري” ، لم يكن حكمهم مرآة لهذه الأفكار و الشعارات “اللامعة” ولم يسعوا لتنفيذ هذا البرنامج أو غيره من برامج العمل التي تهدف لبناء دولة وصنع التقدم ، كان هدفهم الوحيد هو جمع الأموال و تمكين أبناء حزبهم في السلطة دونما كفاءة وخبرة وهو النهج الذي أثر بصورة كبيرة على السودان وساهم في ترسيخ الفساد الإداري و المالي الذي انتشر بصورة واسعة في فترة حكم البشير و نظامه ، حتى أن المراقب العام الأسبق لجماعة الإخوان المسلمين في السودان الراحل صادق عبد الله عبد الماجد قال في حوار تلفزيوني إنه كان شاهدا على كل الحكومات التي تعاقبت على السودان منذ الاستقلال لكنه لم يجد حكومة احتواها الفساد و غرقت فيه مثل حكومة الإنقاذ ، كما أشار الأب الروحي لانقلاب الإنقاذ حسن الترابي في لقاءات إعلامية  عن انتشار الفساد في عهد البشير في كل مؤسسات الدولة و هي ممارسات تخالف الفكرة الإسلامية التي يدعي الترابي و البشير أن انقلابهم جاء لتطبيقها وفيها تبيان للخداع الذي مارسه “الكيزان” و استغلالهم السيء للشعارات الدينية كما هو نهج الطغاة الذين يجيدون اللعب بالعواطف واستمالة البسطاء بشعارات وخطابات “عاطفية” ويقع ترتيب السودان  ضمن الدول الست الأكثر فسادا  في العالم حسب منظمة الشفافية الدولية ، و تعتبر بيانات لجنة إزالة التمكين خير تبيان لممارسات الفساد التي كانت منهجا لعمر البشير وشركائه في الحكم    وصل التضخم لمستويات قياسية في فترة نظام المخلوع عمر البشير وكان الفشل الاقتصادي الذريع ملازما لكل الحكومات التي حكمت باسم الإنقاذ .  لم يكن الفساد وحده سببا في الثورة ضد البشير ونظامه إذ كانت الحروب التي اندلعت في عدد من أقاليم السودان سببا في الثورة ، عشرات الآلاف قتلوا في دارفور و النيل الأزرق و جنوب كردفان نتيجة حرب عبثية لعب النظام دورا كبيرا في إشعالها وأضحت تلك المناطق مسرحا لنزاع مسلح طويل الأمد بين الحكومات و فصائل مسلحة ، تشرد مئات الآلاف من المواطنين وفقدوا منازلهم نتيجة البطش و القتل الذي أضحى واقعا مؤلما في تلك الأماكن . قبل حرب دارفور و المنطقتين سبق أن اندلعت حرب أخرى في جنوب السودان ساهمت في خلق فجوة بين الشمال و الجنوب واختار الجنوبيون في 2011 الانفصال وبناء دولتهم المستقلة.  كانت سياسات الحركة الإسلامية وبالا على المجتمع السوداني و أدخلته في أزمات كثيرة منها إدخال السودان لقائمة الإرهاب الأمريكية إذ أقام زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في السودان في الفترة بين 1991 و 1996 وهو التصرف الذي أغضب الإدارة الأمريكية وأعلنت إدراج السودان في قائمتها للدول الداعمة للإرهاب و تسببت ممارسات النظام في فرض عقوبات اقتصادية على السودان استمرت لعقدين و أكملت مع الفساد وسوء الإدارة مثلث الفشل الذي كان عنوان مرحلة حكم نظام المخلوع

 

ثورة ديسمبر و نهاية عهد “الكيزان”

لم تكن الثورة في أصلها ثورة ذات بعد “آيديولوجي” فهي ثورة الحرية ضد الاستبداد العسكري و ثورة العدل ضد الظلم و ثورة السلام ضد نظام الحرب لكن الإسلاميين لم يمارسوا مراجعة لتجربتهم و لم يرضخوا للشعب الذي خرج في كل شوارع السودان رفضا لحكمهم ورفضا للحكم العسكري المستبد ، وصف البشير المتظاهرين بألفاظ عديدة فهم تارة “شذاذ آفاق” و تارة “خونة وعملاء” و تارة أخرى “شيوعيون أعداء للدين”  و الحقيقة أن الشعب الذي خرج ضد البشير كان رافضا للمنظومة السياسية المهترئة بكل أطيافها فنظام البشير هو امتداد لأنظمة أخرى مستبدة ساهمت في تأخير السودان وسلب ثرواته وتبديدها ، ثار الشعب ضد البشير الذي تنقل بين الولاءات فهو تارة تابع لنظام الإرهاب الإيراني و تارة موال لأنظمة القمع في   والإمارات إذ شاركت قوات “الدعم السريع” مقرونة بعناصر أخرى من تشكيلات أمنية أخرى في التحالف الذي تقوده السعودية في و هي المشاركة التي أساءت لسمعة السودان و جعلت الصحف العالمية تصف جنوده ب”المرتزقة” ، يحتاج التيار الإسلامي لسنوات من المراجعة حتى يتمكن من العودة للمشهد السياسي السوداني ولن تأتي هذه المراجعة إلا بالتبرؤ من من تورطوا في الفساد و القتل ، تجربة “الكيزان” أساءت كثيرا للتيار الإسلامي في السودان و ستؤثر كثيرا على كل حزب يحمل شعارات إسلامية في المستقبل و سيحتاج الشعب لسنوات حتى ينسى آلامه التي تسبب فيها “الكيزان” ، اختار الإسلاميون في السودان أن يصبحوا مثالا على القمع والقتل و السرقة باسم الدين في الوقت الذي كان بإمكانهم أن يكونوا قدوة و مشروعا يحتذى به في الإقليم ، تورط الترابي في إيصال العسكر للسلطة وسلمهم مقاليد الحكم دون تفكير في عواقب هذا الفعل وبذلك عانى السودانيون من نظام مستبد حكم لثلاثة عقود كانت تكملة لسنوات الاستبداد و الفشل الذي لازم الطبقة الحاكمة في السودان طوال  ستة عقود هي عمر السودان بعد الاستقلال . يخلط الكثيرون بين الحركة الإسلامية التي حكمت في السودان و حركة الإخوان المسلمين ويخطئء المتابعون للمشهد السياسي السوداني عندما يعتبرون الحركة الإسلامية جزءا من تنظيم “الإخوان المسلمين” ، رغم أن الحركة الإسلامية تستند على قواعد فكرية و أدبيات مماثلة للإخوان لكنها ليست جزءا منهم و تحدث الترابي عن هذه النقطة موضحا أن الحركة الإسلامية ليست جزءا من  الإخوان المسلمين.

 

 

تابعوا قناتنا على يوتيوب لمشاهدة كل جديد..

 

أضغط هنا وفعل زر الاشتراك

 

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More