الأقسام: الهدهد

أزمة الخطاب العنصري في شرق السودان …الأسباب والمآلات والأبعاد الخارجية

“الحسن محمد –الخرطوم”- دأب نظام الرئيس المخلوع على خلق أزمات طوال ثلاثة عقود هي عمر أسوأ مرحلة في تاريخ السودان الحديث ، خاض البشير حروبا عشوائية لا مبرر لها أدت لمقتل عشرات الآلاف في دارفور و في جنوب كردفان و النيل الأزرق و في جنوب السودان الذي أضحى لاحقا دولة جديدة ، كانت هذه الصراعات تستند في المقام الأول على احتقان قبلي تطور ليصبح صراعا قضى على السلام في تلك المناطق و حول أهلها لنازحين ولاجئين ، كان للبشير ونظامه دور كبير في إذكاء الفتنة و تأجيج الصراع عبر اللعب على وتر الخطاب القبلي و دعم مجموعات على حساب أخرى و هو الذي أدى لتكون مجموعات مسلحة قاتلت الحكومة و دخلت معها في معارك كثيرة ولم يكن شعب المنطقة إلا ضحية لصراع الطرفين ، بعد سقوط نظام المخلوع ظن السودانيون أن عهد الاحتقان القبلي و العنصرية قد ولى وذهب دون رجعة و استبشروا خيرا بالمرحلة الانتقالية الجديدة إلا أن الأزمة لم تنته و بدأت معالم احتقان جديد تتشكل لكن هذه المرة في شرق السودان .

 

احتقان قبلي أم أزمة سياسية ؟

لم يكن شرق السودان بعيدا عن أزمات فترة المخلوع عمر البشير فهو عانى من التهميش و الفقر و غياب الخدمات وكان أهله ضحية لمشكلات متراكمة جعلت شعب الإقليم غارقا في أزمات لا نهاية لها لكن رغم هذه الأزمات لم يعرف أهله صراعا قبليا مسلحا أو حرب أهلية تستمر لسنوات كما هو الحال في دارفور و مناطق النزاع الأخرى . بعد سقوط نظام البشير في 11 أبريل 2019 اندلعت اشتباكات قبلية في بورتسودان و كسلا و القضارف بين مكونين اجتماعيين هما “البني عامر ” و “النوبة” لم يكن هذا الصراع صراعا له أساس معروف مثل الصراعات القبلية الاخرى التي تنشأ بسبب الاختلاف في أرض زراعية أو مراع خصبة بل كان الصراع نتيجة لخطابات كراهية و تحريض نشطت في مواقع التواصل الاجتماعي و عمد مجهولون على نشرها عبر “حسابات وهمية” في فيسبوك مستخدمين أسماء مستعارة ، في بورتسودان كان الصراع بين “النوبة” و “البني عامر” مستمرا أكثر من مرة بين فترة وأخرى وحصد الصراع أرواح عشرات الأبرياء و حرقت مئات المنازل كما هو الحال في كسلا ، يشير متابعون إلى أن الصراع بين النوبة و البني عامر هو صراع عرضي لن يستمر خاصة مع جنوح قادة الطرفين للصلح و تبني مبدأ التعايش السلمي و نبذ القبلية الضيقة ، ويؤكد مختصون على ضرورة تدخل الدولة لإنهاء مثل هذه الصراعات التي تحتاج لرؤية واضحة تتبنى معالجة أسبابها الأساسية التي يأتي الفقر وغياب التنمية والخدمات في مقدمتها

 

من يتبنى ترويج الخطاب العنصري ؟

بالتزامن مع الاحتقان القبلي بين “النوبة” و “البني عامر” في بورتسودان وكسلا نشطت مجموعات على نشر خطاب عنصري و خطاب كراهية لعب دورا كبيرا في إذكاء نار الفتنة و تعقيد الأزمة التي يعاني منها الإقليم ، ظهر كيان سياسي يرتدي ثوب “القبيلة” و عمد الكيان على تبني خطاب كراهية وعنصرية ضد مكونات اجتماعية محلية متهما إياها بأنها “أجنبية” و أنها “تسعى لتمكين أبنائها على حساب السكان الأصليين”  هذا التيار يسمى “مجلس نظارات البجا” و يقوده ناظر قبائل الهدندوة  محمد الأمين ترك و يعد هذا المجلس واجهة سياسية لهذا الزعيم القبلي لتمرير أجندته التي يستغل فيها أبناء قبيلته ويقحمهم في صراع لا جدوى منه ، ويعد “محمد الأمين ترك” قياديا في حزب المخلوع عمر البشير وكان يتولى مهمة حشد أبناء قبيلته في لقاءات البشير وخطاباته التي كان يلقيها في كسلا ولا ينكر ترك انتماءه لحزب المخلوع  وأكد على ذلك في تصريحات إعلامية عديدة .

 

“بروباغندا” الخطاب العنصري في شرق السودان

يعتمد قادة ما يسمى ب”مجلس نظارات البجا” خطابا تعبر عنه الجملة التي قالها مهندس الدعاية النازية “جوزيف جوبلز” وهي : ‏« أكذب، أكذب، ثم أكذب حتى يصدقك الناس »  ، فهم يدعون أنهم “ممثلون شرعيون لإقليم شرق السودان رغم كونهم يمثلون مكونا واحدا و عبر عن ذلك رفض عدد من الزعماء القبليين لمسمى “مجلس نظارات البجا” الذي يحاول قادة التيار العنصري عبره مصادرة صوت إقليم كامل تتنوع فيه القبائل ، يدعي قادة التيار العنصري أن إقليم الشرق يواجه خطر “تمكين مكونات أجنبية ” فقد دأب موالون للتيار العنصري من بينهم “سيد أبو آمنة و “أونور هبنه” و “محمد الحسن إحيمر ” و آخرون على اتهام مكون “البني عامر ” بأنه غير سوداني و هو اتهام “كاذب ” اعتبره محسوبون على هذه القبائل بأنه خطاب لا يخدم الإقليم ويعزز من التفرقة و الاحتقان ، اتهامات كاذبة أخرى يروج لها المجلس في خطاباته وهي ادعاء وجود “المعارضة الإرترية” في شرق السودان ولم يقدم قادة التيار دليلا يثبت صحة اتهاماتهم التي تعد في أصلها “حربا كلامية و بروباغندا منظمة”  وهذا ما يؤكده عدد من النشطاء و المختصين في شؤون الإقليم ، وبلغت خطابات التيار العنصري إلى حد الدعوة إلى “ضرورة تدخل القوات المسلحة”  لحسم ما أسماه التيار ب”المعارضة الإرترية” وهو خطاب يشجع لعنف غير مبرر إذا لا وجود لمعارضة إرترية في شرق السودان ، واستمر ترويج هذا الخطاب عبر حشود قبلية كثيرة و بلغ ذروته بعد قرار رئيس الوزراء عبد الله حمدوك تعيين صالح عمار واليا لولاية كسلا و هو الذي رفضه قادة التيار العنصري ومارسوا خطابا عنصريا ضد صالح عمار و مكونه الاجتماعي واتهموه بأنه ليس سودانيا و قال ناظر الهدندوة محمد الأمين ترك في حوار مع صحيفة السوداني المحلية إنه لن يتنازل عن مطلب إقالة صالح عمار حتى لو وصل الأمر للخراب الشامل ! وهو التصريح الذي لاقى استهجانا واسعا . و استمر ترويج الاتهامات الكاذبة عبر “اعتصام عنصري” عقده التيار العنصري على جسر القاش وبذلك قاموا بتعطيل الحركة المرورية بين شقي مدينة كسلا الشرقي و الغربي وكان الاعتصام عنصريا استخدم فيه المتحدثون خطاب كراهية لا يخدم المدينة و يهدد تماسك مكوناتها و شهد الاعتصام ممارسات أخرى وصلت إلى حد “مقتل” رجل سبعيني على يد مجموعات لها صلة بالاعتصام و أشار نشطاء من بينهم “عبد الهادي محمود” إلى عدد كبير من بلاغات السرقة و النهب والتعدي على الممتلكات فتحت في عدد من المعتصمين  . و نظم التيار العنصري مظاهرة أخرى جابت سوق كسلا ولم تكن ذات مظاهر سلمية و حرقت  محال تجارية في السوق على يد عدد من المتظاهرين ولم تتدخل القوات الأمنية لإيقاف هذه الممارسات وفي المقابل لم تكن مظاهرة مؤيدي الوالي ذات مظاهر غير سلمية .

 

اقرأ أيضا: ترامب “خدع” السودانيين.. عبد الفتاح البرهان هدد بومبيو بتجميد التطبيع مع إسرائيل اذ لم تلتزم أمريكا بوعودها

دور فلول نظام البشير في الأزمة

ليس غريبا على فلول نظام المخلوع عمر البشير أن يكون لهم دور في تعزيز الخطاب العنصري فهم الذين أحرقوا دارفور و جنوب كردفان و النيل الأزرق عبر خطاب عنصري مماثل ، يعد “مجلس نظارات البجا” معقلا اجتمع فيه فلول نظام المخلوع و نشطوا في ترويج خطابهم التحريضي الذي يستند على أكاذيب لا علاقة لها بالواقع ويعد أبرزهم  موسى محمد أحمد مساعد الرئيس المخلوع عمر البشير و  يعتبر رئيس “مؤتمر البجا” موسى محمد أحمد أحد القادة “الانتهازيين” الذين أسهموا إسهاما كبيرا في ترسيخ الجهل في شرق السودان فالرجل قدم نفسه بوصفه “مناضلا” يسعى لانتزاع حقوق الشرق وإنهاء التهميش لكنه أصبح لاحقا جزءا من نظام الإنقاذ وأحد أركانه بعد اتفاقية “كرتونية” عقدها مع نظام المخلوع و بعدها تناسى الشعارات التي كان يستخدمها في سبيل الوصول إلى السلطة ،تزعم “مؤتمر البجا” رغم كونه لا يملك المؤهلات التعليمية والقيادية التي يفترض أن يتمتع بها الزعيم السياسي الحقيقي ،لم يكن موسى محمد أحمد  متمتعا بهذه المؤهلات بل اعتمد اعتمادا كليا على دعم النظام الإرتري بقيادة المستبد “أسياس أفورقي” الذي كانت بلاده مسرحا لنشوء التنظيم المسلح “المتواضع عسكريا” الذي كان تابعا لموسى محمد أحمد واستخدم كورقة ضغط على نظام المخلوع عمر البشير ،رغم كونه تنظيما يعتمد على أعداد قليلة من المقاتلين ولم تكن عملياته وهجماته ذات تأثير واضح يمكن أن يخلق ضغطا ويغير موازين القوى في المعادلة السياسية السودانية ، شخصية أخرى من فلول النظام دأبت على ترويج الخطاب العنصري و هو “سيد أبو آمنة” الذي كان قياديا في فرعية حزب البشير في ولاية البحر الأحمر ثم انضم لاحقا للجبهة الثورية قبل أن يأتي “خاضعا” مشتركا في  ما سمي ب”الحوار الوطني” الذي رعاه البشير و عقده مع أحزاب لا وزن لها و يعد سيد أبو آمنة “متطرفا” في خطابه العنصري ويشغل منصب الأمين السياسي لمجلس نظارات البجا ودأب على اتهام “قطر” بأنها تسعى ل”تجنيس قبائل إرترية” و هو اتهام لا يستند على دلائل بل هو من وحي خياله  ،عبد الله أوبشار متحدث باسم مجلس نظارات البجا و معتمد سابق لمحلية “القنب و الأوليب” في عهد نظام المخلوع  كما ينشط في فلك الأزمة “شيبة ضرار” و سبق له أن شغل منصب معتمد شؤون رئاسة في عهد المخلوع عمر البشير و يلعب كل هؤلاء دورا كبيرا في إشعال الفتنة و تعزيز التفرقة بين أبناء الإقليم عبر دعم خطاب العنصرية الإقصائي

 

 

دور السلطة وموقفها من الأزمة

لم تتخذ السلطة الحالية خطوات واضحة لحل المشكلة و تجاوز آثارها السيئة بل كانت السلطة بشقيها العسكري و المدني جزءا من الأزمة وهي التي يقع عليها عبء إيجاد حل نهائي للأزمة ، حرصت السلطة على إقحام قادة القبائل و استضافتهم بدلا من أن تدع المجال لفرض هيبة الدولة عبر تطبيق القانون بعيدا عن استخدام الوسائل القبلية “البدائية” التي تعتبر “حلا مؤقتا” لا ينهي الأزمة ولا يخاطب جذورها ، ذهبت السلطة أبعد من ذلك عبر إعطائها شرعية لقادة التيار العنصري و استضافهم القادة العسكريون و المدنيون على حد سواء و حضروا لقاءاتهم القبلية ذات الطابع العنصري و آخرها ما سمي ب”مؤتمر سنكات” الذي حضره عضوا مجلس السيادة محمد حمدان دقلو و صديق تاور بالإضافة إلى القيادي في الجبهة الثورية ياسر عرمان ، لاحقا رضخت السلطة لمطالب التيار العنصري وأعلنت إقالة والي كسلا صالح عمار و هو القرار الذي وصف بأنه انحياز لتيار عنصري مارس ابتزازا قبليا عنصريا وهو الرأي الذي تبناه رئيس حركة العدل والمساواة جبريل إبراهيم. خرجت مظاهرات حاشدة رفضا لهذا القرار و رفضا لخطاب العنصرية لكن السلطة قمعت المتظاهرين بالرصاص الحي مما أدى لمقتل 7 أشخاص بينهم طفل لا يتجاوز الرابعة عشر ، وأتى هذا القمع بصورة لا تختلف عن “بلطجة” نظام المخلوع عمر البشير وأكمل أمين عام حكومة كسلا فتح الرحمن الأمين مسلسل الكراهية عندما وصف المتظاهرين في عدد من اللقاءات الإعلامية

بأنهم من “جماعة أخرى” ولم يبد أي أسف على سقوط الضحايا الأبرياء وسعى لتبرير هذه الجريمة التي ارتكبها جنود محسوبون على قوات الدعم السريع وقوات الاحتياطي المركزي -وفق شهود عيان-  ، يظهر هذا القمع والتعامل السيء مع أزمة شرق السودان مدى البون الشاسع بين الحكومة و حاضنتها السياسية -قوى الحرية والتغيير- و إقليم الشرق ، وبدى بوضوح أن السلطة الحالية لا تكترث بالشرق وأزماته

 

البعد الخارجي في أزمة شرق السودان

شرق السودان إقليم يشكل أهمية كبرى للسودان ؛ لأنه يحوي ميناء السودان الوحيد وبوابته نحو العالم وهذا أدى لدخول دول عديدة في فلك الأزمة و السعي لبسط نفوذها في ميناء بورتسودان من بينها السعودية و الإمارات فقد عقدت السعودية لقاء في السفارة السعودية ضم السفير السعودي و قيادات ما يسمى ب”مجلس نظارات البجا” و معهم موسى محمد أحمد زعيم مؤتمر البجا و قال ناظر قبائل الهدندوة محمد الأمين ترك  في كلمته ضمن اللقاء إنه اقترح على حكومة المخلوع إعطاء ما لا يقل عن 300 ألف فدان للسعودية “خدمة للحرمين الشريفين” -على حد تعبيره- و طرحت تساؤلات عن هذا الحديث الذي أطلقه وكأنه مالك للأرض !  ودأب قادة التيار العنصري على استهداف شخصيات تعارض مخططات بيع ميناء بورتسودان للإمارات بصورة عنصرية وبرز ذلك في حديث لعبد الله أوبشار القيادي في مجلس نظارات البجا الذي طالب بحل جمعية عمال الشحن والتفريغ التي عقدت أكثر من إضراب في عهد المخلوع ورفضت مخططات تسليم الميناء لشركة فلبينية ذات صلة بالإمارات ،فهل يسعى التيار العنصري لإبعاد أعداء الإمارات؟ ، كما نشطت الإمارات عبر حليفها حزب الأمة على دعم هذا التيار واصفة إياهم ب”قيادات الشرق” رغم كونهم ينتمون لمكون محدد في إقليم تعددت فيه القبائل و برز دور حزب الأمة في دعم التيار العنصري والتقى زعيمه الصادق المهدي أكثر من مرة بقادة التيار العنصري ، كما يعد التيار مقربا من العسكر الذين تجمعهم علاقة وثيقة بنظام المخلوع وبرز ذلك في اللقاء الذي جمع ناظر الهدندوة محمد الأمين ترك بقادة المجلس العسكري عقب سقوط البشير و إعلان ترك دعمه الكامل للمجلس العسكري في فترة لجأ فيها العسكر للقبائل بحثا عن مشروعية لحكمهم .

 

 

آفاق الحل و أسئلة التوافق

لن تنتهي الأزمة إلا بجلوس جميع أطراف النزاع و العمل على  نبذ العصبية القبلية  ونبذ الخطاب العنصري و التبرؤ منه و محاكمة المتورطين في إثارة خطاب الكراهية ومحاسبة قتلة الأبرياء وفي مقدمتهم قتلة شهداء مجزرة 15 أكتوبر .

 

تابعوا قناتنا على يوتيوب لمشاهدة كل جديد..

 

أضغط هنا وفعل زر الاشتراك

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked*

The field is required.

This website uses cookies.