الباجي قائد السبسي.. وصراع الأجنحة “الحداثيّة”

0

بقلم عادل البوسالمي

تتغيّر الأزمنة ولكن الأزمة هي ذاتها، إنّنا نستذكر ونحن بصدد صراع الأجنحة داخل “العائلة الديمقراطية الحداثيّة” الذي يشتدّ هذه الأيام مع حزب نداء تونس، نستذكر معركة الخلافة بين شقّ “المستيري” وشقّ “بن صالح” التي اشتدّت مع اشتداد مرض الرئيس الرّاحل الحبيب بورقيبة، والتهبت النّار بين مريدي خلافته، لكن حريّ بنا إذا أردنا التلميح، أن نقرّ بأن الزمانين يختلفان على مستوى المناخ، ذلك أننا اليوم في صراع يحكمه مناخ الحريّة الذي بإمكانه كشف غطيّة كل المقاولين السياسين، لكن المناخ الذي ساد أزمة أواخر الستينات حول خلافة بورقيبة كان مناخ همس ووشوشة، وعلى ذلك فإنّ مَثَلَنَا كمثل الذي جاء به “الزجاجيّ” في “أماليه”، عن تلك المرأة التي تزوّجت رجلا إسمه “حمار”، فحسُنَ موقعها عنده فأرادته على تغيير إسمه، فقال: قد فعلت، إنّي تسميت بغلا، فقالت: هو أحسن من ذاك، ولكنك بعد في الإصطبل…

لا علينا، اليوم، لا يتناطح كبشان في كون عامل السن لرئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي له دور كبير في اندلاع الأزمة السياسية التي تعيشها بلادنا في هذه الآونة حيث أنّه فتح شهية عديد القيادات في حزب نداء تونس لخلافته.

أزمة الزّعامات في حزب النداء انطلقت مع الإستقالات المتتالية لعدد من القياديين والقياديات بعد أن تبيّن بالكاشف ما اجتباه رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي، وهو توريث السلطة لنجله حافظ قائد السبسي، رغم ريح التغيير التي ظنّ كل الذين ثاروا ضدّ المخلوع بأنها عصفت بالنظام وعقليّته، والتي تبيّن بعدها أن دار لقمان ظلّت على حالها، مع أن تجارب التاريخ تقول: لو كان التوريث آلية لتحتكر عائلة دون أخرى السلطة، لما آلت إليه -السبسي-.

فبعد تربّعه على عرش قرطاج، تنكّر قائد السبسي لكل الوعود الإنتخابية التي قدّمها أيام الحملة (وقد نسينا وأبأسُ الخلق النسّائينَا.. أنه مخطئ من ظنّ يوما أنّ للثعلب دينا)، تنكّر لوعوده ونسي ذلك المشهد  الشهير الذي ظهر فيه باكيا من أجل مواطنة لم تشتر اللّحم منذ أشهر، وانبرى يعبّد الطريق أمام نجله حافظ قائد السبسي ليكون هو خليفته في قرطاج، في أثناء ذلك طفت على الساحة الخلافات داخل حركة نداء تونس التي أشعل فتيلها ابنه حافظ، لتتحوّل البلاد إلى قاعة عمليات كبيرة تدار منها الصراعات حول السلطة، لتنهار في غضون ذلك كلّ المؤشرات الاقتصادية والإجتماعيّة إلى حمأة أوطئ من حمأة سبات الدببة، وما الضير في ذلك وكلّ الذين حكموا تونس منذ انقلاب بورقيبة على البايات لم يستعملوا مصطلح الوطنيّة إلا كسهم مضاربة في بورصة السياسة.

ولعلّ تمسّك رئيس الجمهورية بفكرة التوريث جعلت مواقفه تتخبّط أمام عمليات الإقصاء التي قام بها نجله حافظ قائد السبسي داخل حركة نداء تونس لعدّة قيادات حزبيّة (منها التي أرست أولى لبنات الحزب الذي صار بفضله الرئيس رئيسا والوزير وزيرا)، إقصاءات قد تهيّئ له الأرضية ليتربع على كرسي الزّعامة، هذا بالإضافة إلى تدخّله الواضح في عمل الحكومات المتعاقبة ومعلوماتنا تقول إن تدخّله وصل إلى حدّ المسّ بتعيينات المدراء صلب وزارة حساسة كوزارة الدّاخليّة، تخيّلوا !!!

قيادات نداء تونس الأبرز استقالت، بدءا بمحسن مرزوق مرورا برضا بالحاج وصولا إلى الطّاهر بن حسين وغيرهم ممّن ساهموا في بعث هذا الحزب، ليبقى نجل الرئيس يدافع باستماتة عن مواصلته في رئاسة المكتب التنفيذي بمباركة من أبيه الباجي قائد السّبسي رغم موجة المعارضة التي لقيها.

صراع الأجنحة “الحداثيّة” من أجل الزّعامة لم يتوقف عند حركة نداء تونس بل وصل إلى الحكومة، فبعد أن تولّى الشاهد رئاسة الحكومة بدأت الخلافات جليّة بينه وبين حافظ، كأن بينهم ناقة البسوس، حرب دامت لقرابة السنتين ورمت بظلالها على المشهد السياسي العام، ذلك أنّ سيلها بلغ الزّبى، وامتدّ إلى كسر التوافق بين الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي (وهو توافق قيل في ما قيل فيه إنه التأم رفعا لحرب أهلية قد تندلع بين صفّي الشعب الواحد)، توافق أنهاه السبسي عندما وجد الشاهد حاضنة لدى النهضة تدرأ عنه سوأة الإقالة، وهو الذي أصرّ عليها واستعملها كورقة ضدّ الشّاهد، وأتى بقضّه وقضيضه، وحدّه وحديده، ووصلت أساليبه إلى أن توسّل فتح القصر الرّئاسي لأعضاء الجبهة الشعبية الذين يتهمون النهضة باغتيال بلعيد، كآية وإيذان بأن خياراته -السبسي- مفتوحة على كل الألوان السياسية عندما يستوجب الأمر، وأن الطوفان قادم إليك يا نهضة إذا لويتي العصى في يدي، صراع ومَزَقٌ شخصي تزداد في غضونه أعداد العاطلين عن العمل لتصل إلى مليون في موفى السنة الماضية، بينما يزال الرجل التسعيني متمسّكا “برباطة جأشه” (عناده) بضرورة إقالة الحكومة ورئيسها ما لم تنصع لأوامر حافظ، نعم هكذا.

يحسن بنا التذكير ختاما بأنّه لم يجل بذهن السّبسي الأب قطّ، أن يكون رئيس الحكومة يوسف الشاهد خصيمه الأوّل “يوم كشف الغطاء”، وهو الذي أخرجه من هجعة أهل الكهف، ليقول لسان حاله اليوم: “أعلينا يا شاهد وأنت غرسُ يدينا”؟ 

قالها كثيرا ومازال يقولها، لكن قولته لم تغيّر موقعه، بأن صار خارج التاريخ تماما كما صار خارج اللعبة السياسيّة.

(بقلم عادل البوسالمي “ناشط سياسي”)

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.