كشفت مجلة “فاست كومباني” الأمريكية الشهيرة في تقرير لها السياسة التي تنتهجها الإمارات لمحاولة التأثير على إدارة الرئيس الأمريكي خاصة فيما يتعلق بالملف القطري.

 

وأشارت المجلة في تقرير مطول لها إلى الاجتماعات السرية لولي عهد أبوظبي مع أشخاص مقربين وتابعين لترامب، وركزت على اجتماعين أولهما كان في شهر ديسمبر عام 2016 حين اجتمع بن زايد مع مستشاري ترامب ستيف بانون ومايكل فلين وصهره جاريد كوشنر، وثانيهما يوم 12 يناير عام 2017 حين اجتمع في جزيرة سيشل مع مؤسس شركة “بلاك ووتر” الأمنية الخاصة إيريك برنس شقيق وزير التربية في إدارة ترامب.

 

وأوضحت المجلة أن اجتماع سيشل كان بمشاركة مسؤول روسي مقرب من الرئيس فلاديمير بوتين، ويُعتقد أن أراد من خلال هذا الاجتماع إنشاء خط اتصال سري بين إدارة ترامب وروسيا، الأمر الذي يجعل الاجتماع محلاً للتحقيقات التي يجريها روبرت مولر في التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية الأخيرة عام 2016.

 

وتمتع “ابن زايد” بحسب المجلة أيضاً بصلات واسعة في الأوساط الأميركية، حيث كان على علاقات جيدة مع رجل الأعمال اللبناني- الأميركي جورج نادر، والناشط الجمهوري إليوت برودي، ورئيس حفل تنصيب ترامب توم باراك.

 

وتقول المجلة إن هناك مؤشرات تدل على أن مجموعة “أتباع الإمارات” لديها بالفعل درجة مخيفة من التأثير على السياسة الخارجية الأميركية، بما في ذلك دعم ترامب الوافر للحصار الذي تقوده والإمارات على منذ يونيو2017، وقيام ترامب بإقالة وزير الخارجية ريكس تيلرسون في مارس الماضي، حيث ورد أن القرار جاء بدعم من قبل جماعات الضغط غير المسجلة في دولة الإمارات، بعد تدخل تيلرسون لوقف الغزو المخطط لقطر من قبل والإمارات، كما ضغط فريق محمد بن زايد على لنقل المقر الرئيسي للقيادة المركزية الأميركية إلى خارج قطر وقطع علاقات البنتاغون مع الدوحة.

 

في الأثناء دعمت إدارة ترامب هجوماً عسكرياً سعودياً بمشاركة الإمارات لمدة ثلاث سنوات على المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن، والذي شمل في الشهر الماضي هجوماً صاروخياً خاطئاً فيه تلاميذ في حافلة. وقتل أكثر من 16700 مدني أو جرحوا خلال الحصار الذي غذى ما تقول الأمم المتحدة إنه “أسوأ أزمة إنسانية في العالم”.

 

وبالعودة لاجتماع سيشل عام 2017، فقد أخبر مؤسس “بلاك ووتر” إيرك برنس لجنة الاختيار الدائمة للمخابرات في نوفمبر 2017 أنه قد تمت دعوته إلى سيشل لمناقشة كل شيء من “القضايا الأمنية إلى قضايا المعادن”، وقالوا له إنه يجب أن يلتقي بكيريل ديميترييف وهو الرئيس التنفيذي لصندوق الاستثمار المباشر الروسي، وهو صندوق الثروة السيادية للدولة الذي تبلغ قيمته 10 مليارات دولار، والذي تعرض لعقوبات أميركية بسبب تأثير الكرملين عليه.

 

ويلاحظ هنا أن صندوق أبوظبي للاستثمار السيادي استثمر في الصندوق الروسي في أكثر من 40 مرة منذ 2013.

 

وقد وصف برنس من قبل حاضرين آخرين في الاجتماع بأنه يقدم نفسه كمبعوث غير رسمي للرئيس المنتخب ترامب. لكن كان رد برنس متغطرساً، وأصر على أنه لا يتصرف نيابة عن ترامب، ونفى أن يكون للاجتماع أي علاقة بإنشاء قناة خلفية مع روسيا. حيث ادعى أن اللقاء مع ديميترييف كان مرتجلاً وحصل صدفة.

 

ولكن إذا كان محمد بن زايد يهدف إلى إنشاء قناة خلفية بين ترامب وروسيا، فقد كان مدفوعًا بمجموعة من الأسباب الأخرى ذات المصلحة الذاتية، بما في ذلك الحصول على دعم ترامب ضد قطر وربما لحرمان حركة “المقاومة الإسلامية” (حماس) من الدعم القطري.

 

وقال برنس في شهادته في مجلس النواب الأميركي إنه في حين التقى مع ولي عهد أبوظبي “أكثر من 12 مرة”، فإنه لا يعرف ولي العهد جيداً ولا يقوم بأعمال كبيرة مع الإمارات العربية المتحدة. لكن برنس كان يعمل على كشوف مرتبات لمحمد بن زيد منذ عام 2010 عندما قام بتغيير مقر إقامته إلى الإمارات.

 

في ذلك العام بدأ برنس ببناء جيش خاص لمحمد بن زايد بمبلغ 529 مليون دولار، وساعد في تدريب قوة صومالية لمكافحة القرصنة ممولة من الإمارات، وقام برنس بتدريب المرتزقة الذين يقاتلون تحت علم دولة الإمارات في اليمن.

 

وبحسب المجلة، فإن أقوى صلة بين برنس والبيت الأبيض كانت من خلال رئيس الحملة السابق والمستشار الأعلى ستيف بانون، إذ أخبر برنس المشرعين أنه تحدث بشكل دوري مع بانون وأرسل إليه أوراق سياسة غير مطلوبة خلال حملة 2016.

 

كما قدم برنس مستشار ترامب السابق ستيف بانون لمحمد بن زايد. قبل أن يلتقي ولي عهد أبوظبي ببانون جنباً إلى جنب مع جاريد كوشنر والجنرال مايكل فلين في نيويورك في ديسمبر 2016. في خرق للبروتوكول حيث لم تقم الإمارات بإخطار إدارة أوباما بالزيارة مسبقاً.

 

ولدى كل من بانون وكوشنر وفلين علاقات وثيقة مع كامبردج أناليتيكا، وهي شركة مملوكة جزئياً لشركة SCL Group Ltd. Infamous التي تتخذ من المملكة المتحدة مقراً لها، وقد تم تداول اسم الشركة بسبب إساءة استخدامها لبيانات فيسبوك نيابة عن حملة ترامب في ديسمبر 2016.

 

وبعد الانتخابات بعام قامت SCL بحملة تأثير سلبي ضد قطر نيابة عن محمد بن زايد. ووفقًا للإيداعات الفيدرالية، تم تكليف شركة SCL Social Limited من قبل الإمارات بعقد قيمته 330.000 دولار في أكتوبر 2017 لتشغيل حملة #BoycottQatar (قاطعوا قطر) على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

وقالت صحيفة “ديلي ميل” إن اجتماع سيشل ضم بالإضافة إلى بن زايد وبرنس وديمترييف كلا من رئيس الإماراتية حمد المزروعي، ومستشار آخر لولي العهد، والقيادي المفصول من حركة “فتح”، محمد دحلان.

 

كما حضر أيضا جورج نادر، الذي ساعد في تنظيم الاجتماع. ووفقاً لمصادر قريبة من تحقيق المستشار الخاص مولر، فإن نادر، الذي التقى بن زايد لأول مرة بينما كان يمثل متعهدي الأمن في عراق ما بعد الغزو، أفاد بأن أحد الأهداف الأساسية للاجتماع هو إقامة خط اتصال بين الكرملين والإدارة القادمة، وقال إنه اجتمع مع ولي عهد أبوظبي قبل أسبوع من اجتماع سيشل.

 

ولم يكن هذا الاجتماع الوحيد الهام الذي رتبه الاستشاري البالغ من العمر 59 عامًا لمحمد بن زايد في السنوات الأخيرة في منتصف عام 2015، إذ ساهم نادر في عقد اجتماع في يخت في البحر الأحمر ضم ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، وولي العهد البحريني، سلمان بن حمد آل خليفة، والعاهل الأردني، عبدالله الثاني، وكان الهدف هو الحد من تأثير تركيا وإيران في المنطقة.

 

وتقول المجلة الأميركية، إنه على هامش انعقاد اجتماع سيشل في يناير 2017 التقى نادر بالناشط الجمهوري الأميركي إليوت برودي، ثم قدم نادر برودي إلى محمد بن زايد وساعد برودي في الحصول على 200 مليون دولار من عقود الإمارات لشركته الأمنية السرية الخاصة Circinus.

 

وحدث كل هذا بسرعة كبيرة حتى قبل زيارة ترامب الأولى للمملكة العربية السعودية في شهر مايو 2017، والتي يعتقد بشكل عام أنها بداية الحملة الإماراتية السعودية ضد قطر.

 

وبحلول 7 فبراير الماضي، كان “برودي” مشغولا بطلب محمد بن زايد بالكتابة إلى موظف في الكونغرس عن مشروع قانون ضد قطر.

 

وكشفت مجموعة من رسائل البريد الإلكتروني المسربة بين برودي ونادر، والتي حصلت عليها وكالة أسوشيتد برس في مايو، أن نادر وبرودي قاما بتنظيم حملة نفوذ ضد قطر دون تسجيل نفسيهما كعملاء أجانب كما هو مطلوب بموجب القانون الفيدرالي الأميركي. كما كذبوا حول مصدر تمويلهم وروابطهم مع الإمارات والسعودية.

 

لكن روابط الإمارات بترامب ليست مباشرة دائماً. ففي عام 2008 دفع الملياردير الروسي ديمتري ريبولوفليف مبلغ 95 مليون دولار لشركة ترامب لشراء عقار في بالم بيتش، والذي كان ترامب قد اشتراه بمبلغ 41 مليون دولار في عام 2004.

 

وفي تشرين الثاني 2017، باع ديمتري ريبولوفليف نفسه لوحة الفنان ليوناردو دافينشي “سلفادور موندي” بسعر قياسي وصل إلى 450 مليون دولار. وكان سعر اللوحة التي يبلغ قياسها 26 بوصة، يقدر بحوالي 80 مليون دولار في العام الذي سبقه، مدفوعا بشكل كبير بسبب حرب مزايدة بين ممثل بن سلمان وممثل ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، حيث زعم كل منهما أنه ظن أنه كان يزايد ضد القطريين، لتربح السعودية اللوحة، لكن بعد ذلك أعطاها بن سلمان لبن زايد في مقابل يخت التوباز الفاخر الذي تبلغ قيمته 450 مليون دولار.

 

وتتساءل المجلة الأميركية، بشأن ما إذا كانت حرب المناقصة وسيلة لتوجيه أموال الإمارات إلى الملياردير الروسي، في حين أنه من غير المحتمل أن تكون عملية بيع اللوحة مرتبطة بشراء ريبولوفليف لعقار ترامب في بالم بيتش، لكنه من المتصور أن هذين العقدين جزء من عدد أكبر من المعاملات التي لا نعرف عنها حتى الآن، والتي تكافئ فيها دولة الإمارات ترامب بشكل غير مباشر على دعمه.

 

وعلى كل حال هناك ارتباط مباشرة للإمارات بممتلكات شركة ترامب. فمع استعداد ترامب للترشح للرئاسة في أبريل 2014، اشترى ترامب ملعب Turnberry للغولف في اسكتلندا من شركة Leisurecorp، وهي شركة مملوكة للدولة في دولة الإمارات، بمبلغ 35.7 مليون جنيه إسترليني (63 مليون دولار). لكن الإمارات كانت قد وضعت ما مجموعه 92 مليون جنيه إسترليني في العقار الذي اشترته عام 2008.

 

ومن غير الواضح لماذا قدمت الإمارات بالفعل هدية بقيمة 58 مليون جنيه إسترليني إلى دونالد ترامب عام 2014. ولكن هذا أحد الأسئلة العديدة التي تطرحها المجلة الأميركية حول علاقة ترامب بالإمارات التي تحتاج إلى مزيد من الاهتمام، خاصة قبل أن تدفع تلك العلاقة الولايات المتحدة إلى مغامرات أكثر خطورة في الشرق الأوسط.