في واقعة تعكس مدى القمع الذي تمارسه على المقيمين على أراضيها وتؤكد مراقبتها وتجسسها عليهم وعد أنفاسهم، أقدمت أبو ظبي على ترحيل الممثل والمخرج المسرحي السوداني متهمة إياه بالتجسس لاتصاله بممثل قطري.!

 

وروى الممثل السوداني الرشيد أحمد عيسى تفاصيل ما جرى له بالضبط، وقال إنه كان يعد العدة لافتتاح الدورة السادسة لمهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة، إلا أنه وقبل يومين من الافتتاح، تم استدعاءه من قبل جوازات ، وعند مقابلته للضابط المسؤول، قال له: “أنت مُبعد من البلاد، عليك أن تغادر خلال اسبوع، والآن ستذهب للتوقيف حتى يأتي ضامن”. وعندما سأل الرشيد عن السبب، قيل له: “نحن جهة تنفيذية فقط”.

 

وأوضح “عيسى” أنه بالاتصال بمديره المباشر أحمد بورحيمة، وأخبره بما جرى، وجاء مديره على الفور وقام بضمانته وإنقاذه من الحبس المؤقت، وقال له: “لابد من سبب، وسأعرف السبب”. وبعدها من خلال علاقات أحمد بورحيمة، علم أن الرشيد مشتبه بالتخابر مع ، وأن كل شيء “مسجل” لديهم، مؤكدًا بأنه لم يهتدي إلى واقعة تشير إلى حقيقة ذلك الاتهام!

 

وأضاف “عيسى” في حديثه لموقع “ألترا صوت”: “بدأت أتذكر مع من تخابرت! فأنا ليس لدي نشاط سياسي. أنا مبدع، وعلاقاتي مع مبدعين”، إلا أنه وفي غمرة تساؤلاته تلك، استدعى علاقته بالمبدع القطري ، فهو الوحيد الذي كان على تواصل معه. وأردف قائلًا: “كان يرسل لي فيديوهات لها علاقة بالمسرح والأدب لا أكثر” .

 

وأكد “عيسى” أنه بالفعل على علاقة عادية بالمخرج والإعلامي غانم السليطي، موضحا أن التواصل معه به عندما تم تمت دعوه فرقة مسرحية سودانية هي “تالتن ومخالتن”، لتقديم عروض في الدوحة.

 

وكشف أنه وفي حفل تكريم الفرقة سأل “السليطي” عنه، فأشاروا له بأنه موجود في الإمارات، وهنا وفقاً له: “اتصل بي غانم، وشكرني على ما قمت به من جهد مسرحي، وكانت مكالمة ودية، لكنها كانت بمثابة قاصمة الظهر”، على حد وصفه، الذي فوجئ بعد ذلك بأن تلك المكالمة مسجلة كما قيل له.

 

وبعد مغادرته للإمارات دون أن يأخذ حقوقه المالية، كشف “عيسى” عن تواصل بعض أصدقائه بالشيخ حاكم الشارقة للتدخل، فقال لهم “القاسمي”: “أنا أعرف هذا الرجل وأقدره، لكن أي قرار من ، وزير الداخلية الإماراتي، لا نتدخل فيه”.

 

واعتبر  “عيسى” تجربته في الإمارات والتي امتدت لسبعة أعوام كانت جيدة من حيث العطاء الفني، إلا أن الإمارات، وكما اتضح لاحقًا: “دولة لا تحترم ولا تقدر حقوق الإنسان، وأبسطها أن أعرف لماذا أُبعدت”، كما قال.

 

المثير، بل المحزن في قصة الرشيد أحمد عيسى، أنه لم يجد التضامن من رفاقه داخل الإمارات ومن خارجها، وهو ما أثار حيرته، بل إن معظم الزملاء والأصدقاء الإماراتيين خلال فترة التوقيف، انصرفوا عنه وكانوا عندما يلتقون به يطلبون منه أن يغلق هاتفه، خشية أن تطالهم الإجراءات الأمنية.

 

وقال الرشيد أيضًا، وهو يستدعي التفاصيل الأخيرة بشيء من الغرابة: “حتى إدارات دائرة الثقافة كانت تحذر الموظفين والزملاء من أن يأتوا بسيرتي”.

 

وخلص إلى أنه لم يكن سياسيًا، وإنما عمل طوال تجربته على بناء الإنسان من خلال القيم الفنية وتطوير العمل الثقافي، لكنه لم يحظى بالتقدير من الإمارات، التي ساهم في بناء مجال ثقافي ربح بها، ليتكشف بعد ذلك أنها” دولة بوليسية غير ناضجة” على حد وصفه.

 

يشار إلى أنه في مطلع العام 2010، قُدمت الدعوة للمخرج والممثل السوداني الرشيد أحمد عيسى، لتقديم عرض مسرحي في ملتقى المسرح العربي بإمارة الشارقة، وكانت المسرحية المختارة هي “مأساة يرول” لينتقل العرض بعدها إلى أبوظبي.

 

وفي نهايات العام نفسه، تم استقدامه للعمل بدائرة الثقافة والإعلام بإمارة الشارقة كمنشط مسرحي. جاء العام التالي ليبدأ الرشيد تأسيس مسرح الشارع، بورشة امتدت لأسبوعين، وكوّن بعدها فرقة المسرح العربي التي قدمت 20 عرضًا فى مدن وبلدات إمارة الشارقة. ولم يتوقف عطاء الرشيد هنا، وإنما أسس مهرجان المسرح الكشفي في العام 2011، وعمل فيه إلى نهاية الدورة السابعة، كما أسس مهرجان “كلباء للمسرحيات القصيرة”، وهو مهرجان معني بتكوين وإعداد المخرجين، علاوة على ذلك فقد عمل مديرًا فنيًا أيضًا لمهرجان “خورفكان المسرحي” لأربعة دورات.

 

من خلال هذه المبادرات النوعية، يتضح الدور الإبداعي الهائل الذي كان يقوم به الرشيد في الشارقة وعموم إمارات أبوظبي، إلى جانب أنه عمل مديرًا فنيًا لمهرجان المسرح الصحراوي، وأخرج عمل الافتتاح للدورة الأولى من إعداد الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، حاكم الشارقة، وهي مسرحيه “علياء وعصام”.