يظنّ العدو الصّهيوني  واهماً أنّ رياحه هبّت وعليه اغتنامها، فالوقت أصبح أقرب لقيام الدّولة اليهودية، وما المانع والوطن العربي مشغول بسفك الدّماء والفتنة والحروب الدّاخلية، والحرب على الإرهاب تحت مسمى ( الرّبيع العربي).
إنّ هذا الطّرح ليس وليد هذه الحقبة السوداء من تاريخنا العربي، وإنما وليد مراحل سابقة كان أولها في مؤتمر بال في سويسرا عام 1897 عندما أكد ثيودور هيرتزل على قيام دولة يهوديّة في المؤتمر الصّحفي الذي أعقب ذاك المؤتمر.
وفي العام الذي يليه 1898 صدر وعد عن حكومة قيصر ألمانيا في صورة خطاب أُرسل من دون أيلونبرغ إلى ثيودور هيرتزل، حيث أبدى القيصر استعداده إلى تحمّل مسؤولية محميّة يهودية في حال تأسيسها، وأنّه سيناقش الأمر مع السّلطان العثماني.
وتجدر هنا بنا الإشارة إلى قانون لينين الذي يقضي بالعمل على إقامة دولة لليهود في فلسطين، ففي السنة نفسها التي نجحت فيها الثورة الشيوعية في روسيا 17/10/1917 والتي كان معظم قياداتها من اليهود، تشكّل المكتب السياسي الأول للثورة البلشفية من سبعة أشخاص كلهم يهود إلا واحداً، وقد نجحت هذه الثورة كما هو معروف لدى الجّميع في السّيطرة على روسيا، وسرعان ما أصدر لينين ( كونه أول رئيس للاتحاد السوفيتي) قراراً ذا شقين بحق اليهود:
1-      يعتبر عداء اليهود عداءً للجنس السامي يعاقب عليه القانون.
2-      الاعتراف بحق اليهود في إقامة ( دولة إسرائيل ) ذات السيادة في فلسطين.

وبما أن أرض فلسطين كانت ستؤول إلى الاحتلال البريطاني وليس الروسي أو الألماني، فإن هذه القوانين والوعود رغم أنها أقوى من تصريح بلفور وأكثر إلزامية، فقد توجب على اليهود التوجه بكافة الوسائل الدبلوماسية للحصول على قانون أو حتى مجرد تصريح من بريطانيا العظمى، بإقامة دولة يهودية أو مجرد وطن قومي لليهود على جزء من فلسطين… وهذا ما كان.
لا يخفَ على مراقب أنّ القضية الفلسطينية تمر بمنعرج خطير، يذكرنا بالفترة الأخيرة إبان حكم الرئيس الراحل ياسر عرفات، والحصار العسكري الذي فرض عليه في المقاطعة، والضغط الذي تعرّض له، لكن الفارق الآن هو أنّ هذه الضغوطات ليست بعسكرية، بل دبلوماسية وسياسية وإقتصادية، كتهديد إدارة ترامب المستمر بنقل السفارة الأمريكية للقدس والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، و إغلاق مكتب منظمة التحرير على أراضيها، وتخفيض المساعدات.
زد على ذلك، الضغوطات الأعرابية، لحاجة الكثير من تلك الأنظمة للمساعدة والحماية الأمريكية للأسف، مما يسهل عليها تقديم المزيد من التّنازلات بمواقفها اتجاه القضية الفلسطينية، وعليهِ، ستزيد تلك الأنظمة بتوجيه من أمريكا الضغط على القيادة الفلسطينية والشعب الفلسطيني لصالح الكيان الغاصب للوصول إلى صفقة لاتنصف شعبنا وقضيته، مع تطبيع خفي مع دولة الاحتلال بحجة مواجهة العدو المشترك مع إسرائيل ألا وهو الجمهورية الإسلامية الإيرانية، على مبدأ عدو عدوي صديقي.
وبالتالي يترتب على الشعب الفلسطيني دفع ثمن هذا التخاذل الأعرابي، والتهليل والتكبير لتوجيه البندقية الأعرابية العمياء من تل أبيب إلى دمشق وصنعاء والدوحة.
ولا ننس الانقسام الفلسطيني الكريه بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وما نتج عنه من إرهاصات سيئة على قضيتنا الفلسطينية وشعبنا المقدام الثائر، وهو السبب الأهم و الأصعب مما تم ذكره مسبقاً، والجّرح الأعمق في الجسد الفلسطيني، وعلى الكلّ العمل على اندماله.
إنّ إنهاء هذا الانقسام يجب أن ينتهي لا محالة بأسرع وقت ممكن، وعلى الجميع تحمّل المسؤولية الكاملة والتخلي عن المصالح الفصائلية الضيقة، والأجندات العربية و الإقليمية والعودة لحصن الوحدة الفلسطينية الذي كان وسيبقى على مدار الزمن والثورات الحصن المنيع، و السّد الشاهق في مواجهة كل أمر دبّر في ليل، وردم كل رمسٍ شارك في تجهيزه لقضيتنا المقدسة، الغرب والشرق والعدو و الشقيق وما بينهما.