يوافق اليوم الثاني من أغسطس/آب الجاري، الذكرى الثامنة والعشرين للغزو العراقي لدولة ، والذي أدي لتدخل دولي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية في عهد جورج بوش الأب في يناير/كانون الثاني عام 1991، لتحريرها وفرض حصار دولي خانق على استمر حتى سقوط العاصمة بغداد في عهد جورج بوش الابن عام 2003.

 

ومع حلول الذكرى الأليمة، دشن ناشطون كويتيون عبر موقع التدوين المصغر “تويتر” هاشتاجا بعنوان:” #الغزو_العراقي_الغاشم”، أصبح الأكثر تداولا في التريند الكويتي على الموقع، استعرضوا خلاله ذكرياتهم الأليمة مع الغزو، ومذكرين ببطولة وبسالة أبنائهم في الدفاع عن بلدهم،  وعارضين بعض الجرائم التي مارسها الجنود العراقيين في حق أبناء الشعب الكويتي، موجهين الشكر لكل من وقف معهم ودافع عن حقهم آنذاك.

يشار إلى أنه في الساعات الأولى من فجر يوم 2 أغسطس/آب 1990، اخترق أكثر من 20 ألف جندي عراقي الحدود مع الكويت من أربعة محاور، وفي غضون ساعات استولت هذه القوات، مدعومة بسلاح الطيران العراقي، على العاصمة الكويت.

 

عقد مجلس الأمن جلسة طارئة في نفس اليوم لبحث غزو العراق للكويت، وأصدر قراره رقم (660) الذي طالب فيه بانسحاب القوات العراقية من الكويت “من دون قيد أو شرط”.

 

وفي السادس من الشهر نفسه عقد المجلس جلسة أخرى أقر فيها عقوبات اقتصادية شاملة على العراق بقراره رقم (661)، ثم تتابعت القرارات الأممية بعد ذلك في تشديد الخناق على العراق، قبل أن تبدأ العلميات العسكرية في 16 يناير/كانون الثاني 1991.

 

وفي 3 أبريل/نيسان 1991، صدر قرار مجلس الأمن رقم (687) القاضي بوقف رسمي لإطلاق النار بعد حرب “تحرير الكويت”، وبتدمير “أسلحة الدمار الشامل” العراقية، وإنشاء صندوق خاص بتعويضات المتضررين من غزو الكويت.

 

وفي عام 1992، قالت تقارير اقتصادية إن الخسائر المادية التي لحقت بالاقتصاد العربي نتيجة غزو العراق للكويت بلغت نحو 620 مليار دولار، دون حساب الآثار بعيدة المدى. وجاءت الكويت والعراق في مقدمة المتضررين من ذلك الغزو الذي وجه “رسالة اعتذار” عنه إلى “الشعب في الكويت” يوم 7 ديسمبر/كانون الأول 2002.

 

وتسبب في خسائر بشرية ومادية فادحة للكويت، وحسب الأرقام الرسمية الكويتية فإن الغزو أدى إلى استشهاد570 شخصاً، وخلف نحو 605 من الأسرى والمفقودين، كما ألحق خسائر وأضراراً هائلة تمثلت في إشعال 752 بئراً نفطية، وهو ما أنتج كوارث بيئية جسيمة وأوقف إنتاج النفط مدة طويلة.

 

وقالت “الهيئة العامة لتقدير التعويضات” بالكويت- في إحصائية لها عام 1995- إن الخسائر الثابتة للكويت من الغزو العراقي بلغت 92 مليار دولار، إضافة إلى تدمير البنية التحتية في البلاد والمؤسسات والمنشآت الحكومية، ومصادرة وثائق الدولة وأرشيفها الوطني.

 

العراق أيضاً تعرض خلال مدة الحرب البالغة 40 يوماً للقصف بأكثر من مئة ألف طن من المتفجرات، ما أدى لتدمير مرافق البنية التحتية العراقية؛ مثل المدارس والمعاهد والجامعات، ومراكز الاتصالات والبث الإذاعي والتلفزيوني، ومنشآت تكرير وتوزيع النفط، والموانئ والجسور والسكك الحديدية، ومحطات توليد الطاقة الكهربائية وتصفية المياه.

 

وجمّد مجلس الأمن الدولي مبالغ كبيرة من الأرصدة العراقية في البنوك العالمية لدفع التعويضات للمتضررين نتيجة الغزو (نحو مئة دولة ومنظمة دولية في مقدمتها الكويت) المقدرة بـ52 مليار دولار، وفرض اقتطاع نسبة 5% من عوائد بغداد النفطية لدفع هذه التعويضات.

 

كيف تبدو العلاقات؟

 

وبعد ترسيم الحدود الجغرافية رسمياً بين البلدين عقب الغزو العراقي للكويت، وزوال خطر نظام صدام حسين، لا يزال الخوف هو سيّد الموقف الكويتي بسبب لعنة الجغرافيا بين البلدين، إذ تستأثر الكويت بنصيب الأسد من مياه الخليج العربي، بينما يطلّ العراق على جزء يسير من بحر الخليج بسبب حجب جزيرتي وربة وبوبيان الكويتيتين للمياه عنه.

 

وأفضى قرار الحكومة الكويتية بناء ميناء مبارك الكبير شمال الكويت، تمهيداً لبناء مدن اقتصادية كبرى في الشمال، إلى زيادة مشاكل العراق المائية، فيما ادعت الحكومة العراقية أن استكمال أعمال بناء الميناء قد يؤدي إلى سحب مياه الخليج عن موانئ العراق الجنوبية، وأهمها ميناء “الفاو الكبير”، وميناء “أم قصر”، وجعلها موانئ لا قيمة لها.

 

غير أن الحكومة الكويتية طمأنت العراقيين بأنها ستسعى إلى إيجاد حلّ يتمثّل في مشاركة العراق اقتصادياً في ميناء مبارك الكبير، ومحاولة إنعاش المدن الحدودية المحاذية له. كما قامت بوقف بناء بعض أرصفة الميناء إلى حين التوصّل لتفاهم نهائي، وفقاً لما نقله “العربي الجديد”.

 

وعلاوة على ذلك، يعد تأخّر تشكّل الحكومة العراقية وانفلات زمام الأمن في المحافظات الجنوبية المحاذية لها، وتردي الحالة المعيشية فيها، وامتداد التظاهرات للشريط الحدودي في مدينة سفوان العراقية، كلها تطورات تقلق الكويت، التي حاولت بدورها احتواء هذه المشاكل، عبر إرسال كتائب من وقوات الجيش نحو الحدود الكويتية العراقية للحراسة، وكذلك التباحث مع رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، الذي زار الكويت قبل أيام، بالإضافة إلى رئيس تيار الحكمة، عمار الحكيم، فضلاً عن إرسالها محوّلات كهرباء ووقودا لحلّ أزمة الكهرباء المشتعلة في العراق.

 

فيما تحاول القيادة السياسية في الكويت التوازن في التعامل مع الملف العراقي الشائك، إذ تفضّل سياسة عدم الاقتراب بشكل مباشر خوفاً من الاكتواء بنارها، خصوصاً مع وجود المليشيات الإيرانية على الحدود الكويتية، والتهديدات المتكررة من “عصائب أهل الحقّ” بالتعامل مع مسألة “ميناء مبارك”.

 

بينما ترفض الكويت الابتعاد من الملف نهائياً، مما قد يخلق حالة فراغ سياسي قد تستخدم ضدها فيما بعد.

 

وتريد الكويت نقل العلاقات مع العراق إلى مرحلة أكثر تطوراً عبر بوابة الملف الاقتصادي، إذ قامت ببناء عشرات المدارس في محافظات العراق، كما قدّمت منحاً صحية بقيمة 100 مليون دولار أميركي، خصصتها للمحافظات المتضررة من الحرب مع تنظيم “داعش” شمال العراق.

 

عدا عن أنها قد قامت بتنظيم مؤتمر إعادة إعمار العراق الدولي والذي استطاعت من خلاله جمع تعهدات بدفع 30 مليار دولار أميركي لإعادة إعمار العراق بعد الحرب على “داعش”.

 

وقامت الكويت بالتساهل في التعامل مع ملف الديون العراقية، وتعويضات الغزو العراقي عام 1990، لكنّ كثراً من السياسيين العراقيين الذين يحاولون كسب أصوات “شعبوية” داخل دوائرهم، يطالبون الكويت بإسقاط هذه الديون والصفح عن التعويضات، وهو ما ترفضه الكويت.