نشرت مجلة “نيويوركر” تقريرا عن الكارثة الإنسانية في متسائلة إن كانت المجاعات التي يصنعها البشر هي صورة عن حروب المستقبل.

 

وبدأت جين فيرغسون الصحافية الأمريكية مقاربتها من عنبر فقر التغذية في مستشفى السبعين في العاصمة اليمنية صنعاء والتي قالت إنه هادئ حتى عندما كان مزدحماً بالمرضى، فالآباء يتحدثون همساً والأطفال ضعاف لا يستطيعون الكلام. وفي قاعة مطلية بالزهري جلست أم اسمها سلامي أحمد متربعة على سرير واضعة ابنتها البالغة من العمر 10 أشهر في حضنها.

 

وبدت كل أضلاع البنت بارزة من تحت جلدها فيما بدت عيناها مفتوحتين تحدق بوجه نحيل. وقالت الام إن زوجها كان يعمل إسكافياً ولكن العمل كان ضعيفاً “في بعض الأيام كان يأتي ومعه 400 ريال وفي أيام أخرى 500 ريال” وهو مبلغ يتراوح ما بين دولار إلى خمسة دولارات. مع أنه كان يأتي في بعض الأحيان بدون ريالات نظراً لعدم توفر العمل “كنا نشتري السكر والشاي وأشياء أخرى قبل الحرب أما الآن فلا شيء.

 

“من إلى معدمين”

وأضافت أنه “عندما اندلعت الحرب كنا فقراء اما اليوم فنحن معدمون” وفي الغرفة في آخر القاعة وقف محمد حاتم عند ابنته التي تعاني أيضاً من فقر التغذية. وبدا جسدها أصغر من عمرها.

 

وقال حاتم “يحدث في كل مكان في اليمن” و”كانت الأسعار عالية قبل الحرب ومنذ اندلاعها ارتفعت أضعافاً مضاعفة. وفي قريته التي تبعد ساعات بالسيارة يقول إن هناك حالات عدة من سوء التغذية وقلة من القرويين لديهم القدرة المادية لدفع أجر السيارة ونقل أبنائهم إلى المستشفى.

 

وبالنسبة للكثير فأسعار الوقود العالية تجعل من الرحلة القصيرة بالحافلة أمراً متعذراً. وأدت الحرب التي تقودها هنا وتدعمها الولايات المتحدة لزيادة أسعار الطعام وغاز الطبخ والوقود إلا أن اختفاء فرص العمل هي التي جعلت ثمانية ملايين يمني يعيشون على حافة الجوع وحولت اليمن إلى أكبر كارثة إنسانية في العالم. ورغم وصول المواد الغذائية الكافية للموانئ إلا أن البطالة الكبيرة تعني كفاح ثلثي السكان للبحث عن وسائل وتوفير الطعام لعائلاتهم. وبهذا المعنى فالجوع في اليمن هو من صناعة الإنسان ولم يتسبب به لا جفاف أو آفات زراعية. وكان العامل الأكبر فيها هو الحرب التي شنها التحالف الذي تقوده عام 2015 ضد المتمردين الحوثيين الذين تدعمهم إيران. وفق ترجمة القدس العربي.

 

واستطاع التحالف في البداية وقف تقدم الحوثيين إلا أن جهودهم فشلت في إخراج الحوثيين الذين لا يزالون يسيطرون على مناطق واسعة من البلاد بما فيها العاصمة صنعاء. وفرض حصار على مناطق المتمردين الذين تقوم بمراقبتهم السعودية حيث يتم تعريض كل المواد الغذائية والبضائع الأخرى المستوردة لتفتيش تقوم به الأمم المتحدة أو موافقة من دول التحالف السعودي بشكل زاد من الأسعار.

 

ودمرت الغارات الجوية البنى التحتية والتجارة في مناطق المتمردين. ومارس التحالف الذي يسيطر على الأجواء اليمنية عملية تعتيم كاملة ومنع الصحافيين ومراقبي حقوق الإنسان ومنذ عامين من الوصول إلى مناطق المعارضة من خلال طائرات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة.

 

وتقول فيرغسون أنها استطاعت في حزيران (يونيو) الوصول إلى العاصمة اليمنية عبر المناطق التابعة للتحالف حيث ارتدت الزي اليمني وغطت وجهها. وفي أثناء وجودها بالعاصمة شن التحالف الذي تقوده السعودية في 13 حزيران (يونيو) هجوماً على ميناء الحديدة الحيوي. وكشف الهجوم عن الآثار الإنسانية البعيدة بسبب ما تركته الحرب من آثار سلبية على الاقتصاد. ويستورد اليمن أكثر من 80% من المواد الغذائية ولا يوجد أي ميناء في مناطق المتمردين لديه القدرة الاستيعابية مثل الحديدة بالإضافة لكونه هدية استراتيجية لمن يسيطر عليه.

 

وكان مصدر دخل للمتمردين من رسوم الرسوم وتنزيل البضائع. ولو سيطر السعوديون على الميناء فسيحسن موقعهم في أي مفاوضات للتسوية. ورفضوا والحالة هذه الإستماع للمناشدات التي طالبتهم بوقف الهجوم على الميناء لما سيتركه توقف العمليات فيه من أثر على أسعار المواد الغذائية في مناطق الحوثيين.

 

 “ الجماعي”

وقال فرانك ماكنوس، مدير لجنة الإنقاذ الدولية في نيويورك “يمكنني القول إنه لو تم إغلاق الميناء لأسبوعين فسنرى الأثر في الشوارع“.

 

وطرحت جماعات حقوق الإنسان أسئلة حول قانونية الهجوم على الحديدة وكذا الحصار الذي تفرضه السعودية والغارات الجوية والتي أدت لخلق حالة من الجوع الواسع. ويقول أليكس دي وال مؤلف ” التجويع الجماعي” والذي حلل فيه المجاعات التي تسبب بها البشر إن هناك حرباً اقتصادية تشن في اليمن. مضيفاً أن التركيز على الإمدادات الغذائية والتصرفات الإنسانية عادة ما تتجاوز نقطة مهمة وهي أن حرباً اقتصادية تنتج ”. وتشير فيرغسون الى أن شن حرب اقتصادية تعد في القانون الدولي منطقة رمادية أكثر من استخدام أسلوب “الجوع أو الركوع″.

 

فالقانون لا يغطي وقف النشاطات الضرورية لتوفير الطعام وكذا إغلاق المحال التجارية. ويقول دي وال “هذا هو مكمن الضعف في القانون”. وأضاف وال الذي يدير مؤسسة السلام العالمي “لا تقتل غارات التحالف المدنيين وبأعداد كبيرة فحسب ولكنها تدمر السوق وهذا يقتل أعداداً أكبر من الناس″.

 

وتشير الكاتبة إلى أن آخر المجاعات التي صنعها البشر كانت في جنوب السودان حيث استخدم الطعام كسلاح لمنع المدنيين الذين ينتمون لقبائل معينة من العودة إلى بيوتهم عبر سلاح الترويع والتجويع. وفي محور المجاعة الرئيسي تحدث السكان الجوعى عن عمليات قتل واغتصاب قام بها الجنود.

 

وتم إجبار الالاف إلى المستنقعات وتجويع الآخرين وإغراقهم وقام المسلحون بحرق الأسواق وسرقوا الطعام وقتلوا المدنيين. وفي سوريا كانت صور الأطفال الجوعى في الغوطة الشرقية نهاية العام الماضي آخر الأدلة عن استخدام نظام بشار الأسد سلاح التجويع. وقام النظام وبدعم من الروس والإيرانيين بمحاصرة جيوب المعارضة وتجويعها حتى تستسلم. وفي اليمن لا يوجد دليل على قيام أطراف الحرب بمنع الطعام عن المدنيين لكن الحرب تحرمهم من فرصة العمل والحصول على ما يكفي لإطعام عائلاتهم.

 

ولا يعاني اليمن من أزمة نقض في الطعام ولكن أزمة اقتصادية ضخمة. والحالة اليمنية تقع في قلب الجدال القانوني بشأن الحروب الإقتصادية وهي النية. ويمكن للقادة العسكريين والسياسيين الزعم أن لا نية لهم لتجويع السكان وحرمانهم من الطعام وان نقص المواد هي أثر جانبي لحرب لا يتحملون مسؤوليتها القانونية. ومع ذلك يرى محامون في مجال حقوق الإنسان ان هناك حالة يمكن تعميمها على المشاركين في الحرب الاقتصادية باليمن، فكلهم يعي الآثار الإنسانية لأفعالهم ورفضهم تعديلها.

 

 “من الإهمال إلى التهور”

ويقول وين جورداش مدير مؤسسة “غلوبال رايتس كومليانس″ “لو انتقلت من الإهمال إلى التهور وواصلت تهورك وبمعرفة آثاره الإنسانية على المدنيين فسيجد القاضي قصداً من جانبك”. ويمكن ان تتسع المسؤولية لواشنطن التي قدمت في عهد باراك أوباما الدعم الأمني والوقود للتحالف الذي تقوده السعودية وباعت إدارة دونالد ترامب السلاح للسعودية والإمارات. وتقول منظمات حقوق إنسان ان النية يمكن إثباتها في بعض الغارات التي قامت بها السعودية وأنها خرقت ميثاق جنيف لأنها تمنع اليمنيين من الحصول على الطعام. واستهدف الطيران السعودي قوارب الصيد على الشواطئ الواقعة تحت سيطرة المتمردين تحت ذريعة استخدامها لتهريب السلاح للحوثيين. وتم تدمير أكثر من مئتي قارب صيد ويعاني مجتمع الصيادين من الجوع وفقر التغذية. ودك الطيران السعودي صعدة مركز الحوثيين واستهدف الهاربين من المنطقة بالقرب من الحدود السعودية ومخيماتهم المؤقتة.

 

وتقول مارثا ماندي، استاذة الأنثروبولوجيا المتقاعدة من مدرسة لندن للإقتصاد إن تحليل مواقع الغارات خلال الحرب يكشف عن القصد في بعض الأهداف “لو نظر الواحد إلى المناطق التي يقولون إن الحوثيين أقوياء فيها، خاصة صعدة، عندها يمكن القول أنهم يريدون وقف الحياة الريفية وهذا يشبه سياسة الأرض المحروقة”. وفي صعدة تم سوق أسبوعي مرة بعد الأخرى. وتشير الكاتبة إلى أن الحوثيين أسهموا بقيودهم على عمل المنظمات الإغاثية بالازمة الإنسانية. فشكهم بالمنظمات الغربية وحرية الحركة في المناطق الواقعة تحت سيطرتهم تحرم المواطنين من المواد الإنسانية. وقال عامل إغاثة “كل يوم يضعون مطالب جديدة”. وفي بعض الاحيان يرفض الحوثيون المساعدات ويقولون إنها ليست ضرورية. وشعر السعوديون بأثر الكارثة الإنسانية على صورتهم واستعانوا بشركات العلاقات العامة الأمريكية والبريطانية لإظهار جهودهم بتوفير المواد للمناطق “المحررة” من الحوثيين. ويرى جورداش، محامي حقوق الإنسان أنه حتى لو تم توفير الدعم لمناطق في اليمن فلا يحلل هذا الأطراف من المسؤولية وخرق القانون الدولي.