عبد الحليم الجريري – ما يحدث اليوم في معهد الصحافة أشبه بما حدث في غزوة بدر.. معركة بين فسطاط كفر وفسطاط إيمان.. وليس هنا الكفر مذكورا في مقام تكفير شرعي، ولكنه تكفير كذلك الذي يطلق على من يجحد مبادئ المجتمع الذي نعيش فيه وثوابته، وهو يخوض غمار عجاجة بسوسٍ جديدة ضدّ المؤمنين بترسيخ قيم العروبة والإسلام في معهد تتيتّم تونس من بعده إذا أصابته دائرة..

معركة البسوس التي دامت أربعين سنة ذات جاهليةّ بين قبيلتين أنفقتا الآلاف من القتلى (رحمهم الله بدينهم) تتكرّر اليوم في معهد الصحافة بتونس، لكن هذه المرّة بين زمرة من الأساتذة صهيوني الهوى، وبين رجل من الذين آمنوا، رجل فاضل نقيّ المعدن ونفيس الدرّ، أبى أن يكون إلا عقبةً كئداء في طريق مشاريع استئصال يقودها أعداء الأجيال التي ستتخرّج من معهد الصّحافة..

الأستاذ الحالي المشرف على لجنة الدكتوراه معروف بميولاته الإسرائيلية (ونقولها بلا مراء ولا مواربة) تماما كميولات غيره ممّن نعلمهم من قديم، من هؤلاء الذين لا يجدون في أنفسهم حرجا من المحاضرة في تلّ أبيب وقبول هدايا “شمعون” ومنّه وسلواه، بل منهم من بلغ به السيل أن صار يحاجج ويناقش في من له الأحقيّة بأرض قبّة الصّخرة، ومن هو أهل لتكون القدس عاصمته، نعم هكذا..

هؤلاء الضّالّين حدّ المثاليّة، يرمون اليوم الأستاذ الدكتور هاني مبارك بقوس واحدة، كما رمَوا الذين خلوا من قبله من الأساتذة -كالأستاذ حسّان اليحمدي- بقوس واحدة، عندما كشّف عن وجهه الأوحل وطالب “بكشف حساب” كل الأساتذة الذين سافروا لإلقاء المحاضرات في دول أمريكا اللاتينية والشمالية وغيرها من الدوّل الأوروبية في أوقات الإمتحانات وفي أوقات الذروة، عندها اضطرّ “الذين بغوا في الأرض خرابا” إلى تغيير منهجيّة المادة التي كان يدرّسها (الترجمة)، لتصبح ترجمة من الفرنسية إلى الإنڤليزية، أو العربية إلى الإنڤليزيّة، كي لا يصير لليحمدي دور يذكر، ويُقصَى إلى ذلك من المعهد وتتدثّر معه مطالباته “بكشف الحساب”، ويخلُوا من بعد ذلك إلى شياطينهم.. ويواصلوا مردَهم على الفساد..

هؤلاء الضّالين الذين ليس عليهم آمين، الذين يُشار إليهم استضرافا لا استنكارا، يُقصون اليوم الأستاذ هاني مبارك من لجنة الإشراف على الدكتوراه ويسحبون من تحته الأطروحات التي يؤطّرها ليسلّموها لأساتذة لو أعادوا اجتياز امتحان الباكالوريا لما تحصلوا عليها، في حركة لها ألف معنى أقلها بلاغةً التشفّي والإلغاء والتعبير عن نزعة استئصالية استمرؤوا العيش بها منذ تخرجهم من معاهد بورقيبة “الحداثية جدّا”، يستظلّون في ذلك بظلّ رئيس الجامعة الشيوعيّ الهوى والمعروف عند الداني والقاصي بأفكاره الستالينية التي ترى في الديمقراطيّة إلاه عجوة يُلحَسُ في سنوات القحط والجَدَبَة..

معركة كلاسيكيّة تاريخيّة بين قوى الردّة والرجعيّة (ممن يحسبون أنهم يحسنون صنعا)، وبين من يريد تحسين نسل معهد الصحافة ومدّ سكك من فولاذ لمتخرجّيه، جيل من المتشبّثين بثوابت أمتهم لا مدمغجين ولا متجنّسين ثقّافيّا ولا متأثّرين بالكرزايات المستوردة من الغرب ولا الخلايا المسرطنة المتأتيّة من الشرق، تلك الخلايا الغريبة عن عقل هذه الأمّة.. معركة لباطلها جولة ولحقّها ألف جولة وجولة، نهيب بالساعين إلى تثبيت العدل فيها أن يقول كلمة القسط في من يسوؤه العدل والقسطاس، وإعطاء لكلّ ذي حقّ حقّه، ونقصد الأستاذ الدكتور هاني مبارك (المتحصّل على دكتوراه دولة في العلوم السياسية)، وأن ينجوَ الإشراف على أطروحات الدكتوراه من يد الأقزام والحاصرين، الذين إذا كتبوا جملة باللغة العربية أخطؤوا تركيبا ونحوا وصرفا وترقيما.. نهيب بالساعين إلى تثبيت العدل أن يعيدوا الحقّ إلى أصحابه.. حتى لا يكون حال معهد الصحافة كحال تونس، يسلّمه قيصر مالك إلى قيصر هالك..

ثمّ نعوذ بك اللهم من القيام في المآثم، ومن المنافحة عن هوى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.