لقد اثبتت السياسة العمانية ومنذ فجر التاريخ انها صاحبت عمق ونضوج سياسي عالي لا يمكن مقارنته بدول الجوار ، حيث سجل التاريخ ان السياسة العمانية الداخلية والخارجية منها اتسمت بالتسامح والاعتدال والوسطية في كل الجوانب الحياتية وان انظمة الحكم فيها طوال القرون الماضية كانت عادلة ومنفتحة مع الجميع دون تأمر على احد او تدخل في شؤون الغير ولم يسجل التاريخ اي اخفاقات او تشوهات ملوثة لهذا التاريخ السياسي الحافل بالإنجازات والدروس السياسية العظيمة في كيفية ادارة الحكم السياسي دون مجازر او مذابح او انقلابات دموية بل ان العمانيون اثبتوا وفي اكثر من موقف انهم قريبون من الكل دون تمييز او تحديد وأخوة للجميع  ولكنهم تعاملوا مع الاخر مهما كان على انهم اصحاب قرار منفرد لا يتبع احدا ولا يرتبط بأي نظام اخر ولا تستهويه الانحيازيات السياسية و لا المؤتمرات  التحزبية  الموجهة ضد اطراف بعينها كما يجري الان في الساحة العربية وكما كان يجري سابقا ايام نشوء ما يعرف  بالأنظمة القومية  في عهد الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي والذي على اثره انقسمت الامة العربية الى محورين ، محور الممانعة ومحور ما يطلق عليه بمحور  الاعتدال والذي انتج خلافات مستمرة عان منهم المواطن العربي ولايزال حتى يومنا الحالي وشتت الفكر العربي والمجهود العربي نحو تحرير الاقصى بحيث اصبح محوري الامة يتصارعان من اجل قضايا تافهة لا تمت  للواقع العربي بصلة ولا تتقدم بالمسيرة السياسية للعرب نحو الرقي والازدهار بل انها اتاحت الامكانية  الكاملة للعدو الصهيوني نحو احتلال ما تبقى من الاراضي العربية في فلسطين ولبنان وسوريا وتفرغت الانظمة العربية بالصراع فيما بينها وتطور الكيان الصهيوني بكل جدارة.

ان المتابع لتاريخ السياسة العمانية منذ نشوء تاريخ الانسانية يدرك كمال الادراك ان هذا الشعب اقام العديد من العلاقات السياسية والتجارية  السلمية مع الحضارات الانسانية القديمة ومنذ الاف السنين بمرتكزات اساسية انتهجتها انظمته السياسية ساعدت في ترسيخ تلك العلاقات بصفة دائمة مع الحضارات الانسانية الاخرى وعجلت من رقي الانسان العماني بفضل ذلك المنهج السياسي الحكيم بحيث اصبحت عمان من اهم الدول العالمية واستطاعت من ان تكون واجهة عالمية في مجالات كثيرة كالمجال التجاري والمالي والعسكري والعلمي والحضاري حيث اضحت احدى الامم المتقدمة والراقية في التعامل السياسي مع الاخرين ، فأقاموا العلاقات التجارية مع حضارات ما بين النهرين واستطاعوا من مد جسور التعاون معهم  حتى غدت التجارة بين بلاد ما بين النهرين وبلاد مجان وهو الاسم القديم لعمان احد اهم طرق التجارة العالمية  وذلك بفضل رسوخ السياسة العمانية وخبرتها السياسية في التعامل مع الاخرين.

كذلك استطاعت عمان من اقامة علاقات تجارية مهمة ومهمة جدا مع دول جنوب اسيا وحاصة الصين بحيث غدت العلاقات العمانية الصينية مضرب مثل واستطاع  التجار العمانيون من خلال اخلاقهم وتعاملهم الحسن ومن خلال القيم التي كانت تتجسد في نفوسهم كقيم الوسطية والاعتدال والمحبة من تمثيل بلادهم خير تمثيل فاستطاعوا من الوصول الى  البلاط الامبراطوري الصيني حتى ان احدهم ويدعى محمد بن القاسم اطلق عليه (سفير الاخلاق الطيبة).

اما على المستوى الاخر ، استطاع العمانيون من اقامة العلاقات السياسية والتجارية مع دول الساحل الشرقي لأفريقيا وامتدت علاقاتهم تلك حتى غانا في الساحل الغربي مرورا برواندا وبوروندي وزائير والكونغو والكاميرون ونيجيريا وكل ذلك راجع الى حسن السياسة العمانية في التعامل مع الامم والشعوب الاخرى ونظرا لما تتميز به السياسة العمانية من اعتدال ووسطية واحترام للأخرين مهما كانت ديانته او عرقه او اصله  ، ومما يؤكد ذلك ان السلطة العمانية على افريقيا وفي اوج قوتها لم تجبر الاخرين على اعتناق الاسلام بالقوة او اعتناق المذهب الإباضية وهو المذهب السائد لأهل عمان بل تركوا الناس تتمذهب على الوجه الذي كانوا يرونه حسنا لهم دون اجبارا للدخول في مذهبهم او اعتناق افكارهم وهذه هي الاخلاق الحقيقية التي جسدت معاني الاخلاق السياسية للفرد العماني كما انهم عزلوا انفسهم عن المشاكل التي كانت سائدة بين اعراق افريقيا كالهوتو والتوتسي  في بوروندي وراوندا ورفضوا مساندة اي واحدا من الاطراف على الاخر وهذا الشيء من الاحداث التاريخية التي وثقت معاني السياسة واخلاقها في طبائع النفوس العمانية واثبتت للأخرين مدى اخلاق اولئك القوم في كل جوانب حياتهم، كما اثبتت الوقائع مدى اتسام اهل عمان برفعة الاخلاق في التعاملات السياسية مع الدول الاخرى في اوروبا ، حيث انهم استطاعوا من اقامة علاقات سياسية متوازنة مع القوى الاوروبية المتصارعة في المحيط الهندي ابان القرن التاسع عشر الميلادي واوائل القرن العشرين مثل بريطانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا والمانيا وغيرها من الدول العظمى ،فأقاموا العلاقات مع بريطانيا وفتحوا اول سفارة لها في منطقة الخليج العربي بمسقط وتبع ذلك افتتاح اول سفارة فرنسية في مطرح واقاموا علاقات تجارية سياسية مع هولندا من خلال الشركة الهولندية للمستعمرات والتي كانت تتبع لها دول مثل ماكاو وماليزيا واندونيسيا وغدى العمانيون قوة سياسية كبرى تحترمها القوى الكبرى وتقدر مواقفها السياسية المتزنة بل وتسعى حثيثا نحو تكوين اوثق العلاقات وأقواها لمعرفتهم بدورها السياسي العظيم والكبير في المنطقة العربية وتاريخها السياسي الاصيل الذي انبعث من رواكز سياسية ثابتة راسخة مرتكزة على اسس متينة من الوسطية والانفتاح والاعتدال وعدم التدخل في شؤون الاخرين وهي الاسس التي انعدمت لدى قوى اخرى ادت الى فشلها في توثيق تاريخها السياسي كونه ارتكز على اسس هشة غير ثابتة ولا متزنة ولاتفقه في التعاملات السياسية بحيث لم يكن لديها الخبرات السياسية الكافية في كيفية التعامل مع الاخرين ومع القوى الاخرى في المنطقة فأندسرت واختفت كليا دون ان يوثق التاريخ لها اي ماض او تراث انساني  يدل على وجودها يوم ما.

كذلك استطاعت السياسة العمانية من اقامة اول علاقات سياسية مع الولايات المتحدة الامريكية وكان اول بلد عربي يقيم علاقات سياسية مع الكيان الجديد، وعينت اول سفير هناك وهو العماني احمد بن ماجد الكعبي سفير التجارة والدبلوماسية العمانية  الذي ابحر بالسفينة السلطانية سلطانة متجها الى ميناء نيويورك في عام  1840م  حاملا العديد من الهدايا والرسائل السياسية من سلطان عمان السيد سعيد بن سلطان الى الرئيس الامريكي انئذاك مارتن فان بورن الذي اعجب ايما اعجاب بالسياسة العمانية واشاد بالدور السياسي العماني نحو مد جسور من العلاقات والصداقة بين الشعبين وتطورت تلك العلاقات حتى اصبحت السياسة العمانية تحظى باحترام الولايات المتحدة الامريكية حتى اليوم ، وباتت العلاقات بين البلدين هي الاثبت والافضل على المستوى العربي على الاطلاق .

اما من الناحية العربية ، فكان للسياسة العمانية مواقف عديدة خالدة بينت رسوخ وثبات السياسة العمانية في التعاطي مع الكثير من المواقف والاحداث السياسية التي  لا يمكن نسيانها ابدا ساعدت في الحفاظ على سبل تحقيق الوحدة العربية وجسدت الموقف الحقيقي للشعب العماني المحب للشعوب الاخرى ،فمنذ النهضة الحديثة لسلطنة عمان التي بدأت في عصر السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان منذ 1970م وحتى يومنا هذا اظهرت سلطنة عمان العديد من المواقف السياسية الجديرة بالثناء والاشادة نظرا لما تميزت به من حياد وتعاطي حكيم مع العديد من القضايا السياسية العربية ،فأمتنعت  سلطنة عمان عن مقاطعة مصر بعد اجتماع قمة بغداد في 1979 بعد مقاطعة العرب لها بسبب اتفاقية كامب ديفيد مع الكيان الصهيوني 1978م ورفضت تلك المقاطعة شكلا ومضمونا وأكدت ان مقاطعة مصر غير جائزة وتؤدي الى شق الصف العربي نظرا لما تلعبه القاهرة من دور حيوي ومهم على الساحة العربية والاقليمية وتبين بعد ذلك صحت الموقف العماني حين عاد العرب الى اقامة العلاقات مع جمهورية مصر العربية ، كذلك كان للسياسة العمانية دورا مهما في محاولة وقف الحرب العراقية الايرانية وبذلت كل المساعي من اجل وقف نزيف الدم بين العراقيين والايرانيين حتى تحقق بعد ذلك اتفاق وقف اطلاق النار في 1988م ، كذلك مارست السياسة العمانية الحكيمة العديد من المواقف من اجل وقف حرب الخليج الثانية في 1990م لمعرفتها بالنتائج التي ستخلفها تلك الحرب وبذلت اقصى ما لديها لوقفها وبعد نشوب الحرب رفضت مقاطعة العراق فأفتتحت سفارتها في بغداد واقامة العلاقات السياسية مع القيادة العراقية من جديد ووسعت من حجم التبادل التجاري مع الشعب العراقي الخاضع للحصار للتخفيف من حدة ذلك العراق وانتهجت منهج سياسي حكيم في ضرورة مساعدة الشعب العراقي في مجابهة الحالات الانسانية ورفضت البقاء في خانة الدول المقاطعة للعراق وهذا ان دل على شيء فإنما يدل على صدق منهجية السياسة العمانية في التعاطي مع القضايا العربية دون الرضوخ لقرارات الدول المقاطعة الاخرى ودون اللجوء لخلفيات تاريخية للثأر من العراق الذي وقف ودعم الجبهة الشعبية الاشتراكية لتحرير ظفار وهي الجبهة التي كانت تقاتل الحكومة العمانية بداية النهضة المباركة من اجل الانفصال والاستقلال عن الوطن الام بدعم صيني وروسي كذلك.

كذلك ضربت السياسة العمانية اروع المواقف السياسية الرصينة خلال ما اطلق عليه بالثورة السورية وذلك من خلال الوقوف على مسافة واحدة من جميع اطراف النزاع في الكيان السوري ورفضت الانخراط في الحرب الاهلية وأبدت كامل استعدادها لجمع كافة الفرقاء من اجل التوصل الى حل سلمي يجنب السوريين ويلات الحرب والاقتتال وأبقت سفارتها مفتوحة وبشكل رسمي في دمشق ولم تسارع في مقاطعة النظام السوري الذي وقف في يوم ما ضد سلطنة عمان وذلك من حلال مساندة التيار الاشتراكي الشيوعي في ظفار بداية سبعينيات القرن المنصرم الى ان اتضح صدق الرؤية السياسية الثاقبة للمنهج السياسي العماني الذي بات الكل موافقا عليه وعلى مدى صوابية ذلك المنهج الحكيم حتى  اصبح التقاء الاطراف السورية في مسقط دائما ومتعددا من اجل الوصول الى حل حقيقي ودائم للازمة السورية الراهنة.

كذلك رفضت الانضمام الى ما اطلق عليه التحالف العربي ضد اليمن ودعت الى تجنب الحرب وحل القضية اليمنية بالطرق السلمية وحاولت مرارا وتكرارا  تفادي  وقوع الحرب الشنيعة التي هجرت العديد من اليمنيين وازهقت ارواح العديد منهم ودمرت البنية التحتية بالكامل بل وقسمت الشعب اليمني الى ما كان عليه قبل الوحدة اليمنية 1990م واصبح الاعلام العربي يتطرق الى مسميات اليمن الشمالي واليمن الجنوبي وهذا بحد ذاته وضع اليمن تحت خطورة الانقسام والتشرذم ورفضت رفضا قاطعا اغلاق حدودها الجنوبية مع اليمن وابقتها مفتوحة وارسلت طائرتها العسكرية والمدنية من اجل اسعاف جرحى الحرب ومعالجتهم في مستشفيات السلطنة وارسلت طائرات الاغاثة الى صنعاء وعدن وسقطرى اليمنية لتفادي كارثة مجاعة انسانية في اليمن ولم تستغل الوضع اليمني في محاولة تهديد كيانه او سرقة ثرواته وخيراته واراضيه رغم ما كان بين البلدين من عداوات سابقة الا ان النموذج السياسي العماني الحكيم رفض سلوك تلك الطرق الغير اخلاقية كونها تتعارض ومرتكزات سياسته المعهودة وتتقاطع مع المنهج السياسي  المعروف للقيادة العمانية.

كذلك استضافت سلطنة عمان عائلة العقيد الراحل معمر القذافي بعد مقتله وسقوط نظامه في اكتوبر 2011م بعد ثورة الشعب الليبي عليه وحاولت لملمة كافة الفرقاء في ليبيا من اجل الوصول الى حل يرضي الجميع وبناء ليبيا الجديدة وتعهدت ببذل كل امكانياتها من اجل تحقيق ذلك الهدف ولم تمتنع من اعطاء اللجوء السياسي لعائلة القذافي التي فرت نحو مالطا ورفضت العديد من الدول منحها اللجوء خوفا من المسألة القانونية والسياسية ولكن المواقف الانسانية للسياسة العمانية ابت الا ان تستضيف عائلة العقيد الذي كان الداعم الاكبر لثورة تحرير ظفار عام 1971 وكان الممول المالي الاكبر لتلك الجبهة ولكن عمان رفضت ان تنطلق من مواقف تاريخية اليمة سابقة مارسها النظام الليبي ضدها وعاملت عائلته بكامل الاحترام والتقدير، وهناك العديد من المواقف السياسية الاخرى التي برهنت على ايجابية وحنكة وحكمة السياسة العمانية في التعامل مع مختلف القضايا العربية والعالمية ، وما الاتفاق النووي التاريخي بين الولايات المتحدة  في عهد اوباما من جانب وايران من جانب اخر الا من نتاج ثمرات المجهودات السياسية العظيمة للسياسة العمانية الحكيمة وغيرها من المواقف التي لاتعد ولاتحصى مبرهنة على الدور الحضاري والسياسي المتزن للقيادة العمانية طوال تاريخها المجيد ومدى قدرة السياسة العمانية في حل كافة المعضلات الدولية كونها ترتكز على ثوابت راسخة من المحبة والسلام  والاخاء والصداقة ومنطلقة من منهج سياسي متين مرتكز على الوسطية والاعتدال في اتخاذ كافة القرارات والاجراءات التي ثبت للعالم يوما بعد يوم واقعية السياسة العمانية في التعاطي مع كافة الازمات السياسية.