البعض يقول: لا فرق بين التعاون الأمني والتنسيق الأمني، لأن الأصل في الحالتين هو تبادل المعلومات الأمنية بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية والأجهزة الأمنية الفلسطينية، بهدف محاربة المقاومة الفلسطينية، والتجسس على نشاط المقاومين، وإلقاء القبض عليهم، والزج بهم في السجون، وانتزاع المعلومة، وأرشفتها في خزانة الأسرار المغلقة لدى المخابرات الإسرائيلية.

ويستدل البعض بالمقاربة بين المصطلحين حين يدقق في المشهد المرتجف من العلاقة بين المخابرات الإسرائيلية والأجهزة الأمنية الفلسطينية، والذي لا يخدم إلا مصالح المحتلين الصهاينة، ولا يطمئن إلا اليهود المستوطنين، وبغض النظر عن الشخصيات التي تمارس التعاون الأمني مع المخابرات الإسرائيلية، فإن جل ما سعت إليه المخابرات الإسرائيلية على مدار تاريخها في المنطقة؛ هو إيجاد هذا الشكل من التنسيق بين الأطراف، والهادف إلى زرع بذور الثقة بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية والإسرائيلية، وتعزيز الفهم المشترك بأن الهدف من هذا التعاون الأمني هو محاربة الإرهاب؛ الذي تمثله المقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي، ومن ثم تحقيق الأمن للجنود المحتلين، وتحقيق الازدهار الحياتي والاقتصادي للمستوطنين اليهود، والذي سيسمح في المقابل بالاستقرار الحياتي، والازدهار الاقتصادي للفلسطينيين.

ويتساءل البعض: ضمن أهداف هذا التعاون الأمني المعروفة والمكشوفة، ماذا يمكن أن نقول لعملاء أيام زمان؟ لأولئك المتهمين بالتعاون الأمني مع المخابرات الإسرائيلية في سنوات الثورة الفلسطينية، منذ بداية الاحتلال الإسرائيلي سنة 1967، وحتى بداية وصول السلطة الفلسطينية سنة 1994؟ بماذا يمكن تبرير تصفية عملاء ذلك الوقت، وقتلهم، ومطاردتهم، وزجرهم، وتشويه سمعتهم، والتشنيع عليهم بأقبح الصفات؟ وكل ذنبهم هو التعاون الأمني مع المخابرات.

لقد كان العميل في الزمن الماضي، زمن الاحتلال الإسرائيلي المباشر للضفة الغربية وقطاع غزة، كان يعمل بمفردة، وبعضهم كان يعمل ضمن خلية صغيرة، وكانوا يخجلون من بعضهم البعض، لأنهم عملاء، ولا يظهرون تعاونهم رعباً، وكانوا يخفون تعاونهم عن أولادهم، وعن زوجاتهم، وعن أمهاتهم وآبائهم، فالتعاون الأمني مع المخابرات الإسرائيلية عمل مقزز، محتقر، منبوذ، والناس لا تنظر للمتعاون أمنياً مع الاحتلال إلا من زاوية الغدر والطعن والخيانة وعدم الثقة، لذلك كان العميل في الزمن الماضي ضعيفاً مهزوزاً، يخشى حركة القطط في الشوارع، ويخشى الريح إذا حركت ستائر الشبابيك ليلاً، ظناً منه أن رجال المقاومة والمناضلين والفدائيين الفلسطينيين قد وصلوا إليه، وأن مزابل الحارة ستلم بقايا جثته التي سيمزقها رصاص الفدائيين.

يقول البعض: هنالك مقاربة بين عملاء الزمن الماضي، والمتعاونين أمنياً في الزمن الراهن!!!

لم يعد التعاون الأمني في الزمن الراهن عملاً فردياً، بل صار عملاً منظماً، له مؤسسة شرعية، وصار المتعاونون أمنياً مع رجال المخابرات الإسرائيلية يسمون أنفسهم: المنسقون أمنياً، وصارت اللقاءات بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية ورجل المخابرات الإسرائيلية علانية، بل وتعرض اللقاءات عبر الفضائيات، بما في ذلك العناق والقبل بين الطرفين، وصار المتعاون أمنياً مع المخابرات الإسرائيلية يتفاخر بعمله، بل ويتلقى مقابل هذا التعاون الأمني رتبة عسكرية، وأجراً معلوماً، رغم أن مهمة التعاون الأمني في الزمن الماضي وفي الزمن الراهن هي تصفية المقاومة الفلسطينية، والحيلولة دون أي مواجهة بين الشعب الفلسطيني والجنود الإسرائيليين والمستوطنين اليهود، لذلك صار جمع المعلومات في هذه الأيام عن نشاط المقاومين مألوفاً، وصار نقل هذه المعلومات إلى المخابرات الإسرائيلية حلالاً سياسياً، وصارت الملاحقة والمطاردة لمن يقاوم الاحتلال عملاً وطنياً، بل وصار إطلاق النار على المقاومين للاحتلال الإسرائيلي مستساغاً أمنياً، وصارت تصفيتهم عملاً يخدم القضية الفلسطينية، ويسهم في قيام الدولة، وصار المتعاون أمنياً في الزمن الراهن لا يخجل من عمله، فهو ينسق أمنياً، ويمشي في الشارع منفوخاً، متكبراً، في يده علم الفلسطيني، ويدندن بالنشيد الوطني، وهو يتفاخر أمام زوجته برتبته، التي حصل عليها لأنه يحارب الإرهاب الفلسطيني، الذي يضر بعملية السلام، وهذه فلسفة سياسية باعدت بين التجسس على المقاومة والخيانة، فصار المدنس يتنفس تحت اسم التنسيق الأمني المقدس

فما أذل عملاء الزمن الماضي، زمن الثورة الفلسطينية؟!!

كان عملاء الزمن الماضي يترققون لرجال الثورة الوطنيين، ويطلبون منهم الصفح والمسامحة، وكانوا يبررون خيانتهم بضعفهم، وحاجتهم، وكانوا يشهدون في مجالسهم بأن الثورة والمقاومة عمل وطني عظيم، ويعترفون بأنهم ضلوا الطريق، وخدعهم رجل المخابرات الإسرائيلي، واجبرهم على التعامل معه بعد أن وقعوا في الشرك، وفقدوا الحيلة في التخلص من العمالة، فصاروا عملاء بالإكراه والخديعة، والتقوا مع رجل المخابرات الإسرائيلي سراً، وهم يعرفون أن مجرد اللقاء في مكتب المخابرات الإسرائيلية جريمة، وخيانة عظمى، لذلك حاول عملاء الزمن الماضي أن يقدموا أموالهم وبيوتهم وممتلكاتهم لرجال الثورة الفلسطينية، فداء لأنفسهم، مقابل صك براءة، أو منشور صغير يبرئ المتهم من العمالة والتعاون الأمني مع المخابرات الإسرائيلية.

  وما أرذل العملاء على مر العصور!!!

قبل عشرات السنين، وأثناء ممارستي العمل الفدائي ضد المحتلين، دعاني أحد المتهمين بالعاملة في منطقة دير البلح، دعاني إلى الغذاء في بيته، وكان فرحاً جداً أنني وافقت، وأكلت من طعامه، وراح يسرد لي الحكايات عن إخلاصه للوطن، وحبه لفلسطين، واستعداده للتضحية، وأن علاقته مع ضابط المنطقة الإسرائيلي علاقة غير محترمة، وأنه مجبر على هذه العلاقة، ولا يلتقي مع ضابط المخابرات إلا تحت ضغط الحاجة، كلام كله تبرير، واعتراف بالخطيئة، ومساعٍ للتخلص من العار، والتطهر من فحشاء التعاون الأمني، حتى أن كثيراً من عملاء الزمن الماضي نكصوا على تعاونهم مع المحتلين، وانقضوا على جلادهم، فقتلوه، وأطلقوا عليه النار، وتفاخروا باستردادهم لشخصيتهم وكرامتهم الإنسانية وعودتهم لحضن الوطن.

فهل أدركتم أن التعاون الأمني عمل غير مقدس، وأن محاربته، والتخلص منه واجب وطني؟!