قال المفكر العربي ومدير “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات”، ، إن القادة العرب الذين استعجلوا التعامل مع ما يوصف بـ”صفقة القرن”، سيندمون على ذلك، مؤكداً أن الدولة الواحدة كي تصبح بديلاً لحل الدولتين لا بد أن تصبح مطلباً لمجمل حركة التحرر الوطني الفلسطيني.

 

وأوضح بشارة، في محاضرة ألقاها السبت بعنوان “سبعون عامًا على النكبة: مستقبل القضية الفلسطينية ومآلاتها، أن “بديل حل الدولتين في الواقع الحالي ليس حلا بالضرورة، بل واقع سياسي يتمثل في استمرار الاستيطان وضم أجزاء من المنطقة (ج) لإسرائيل، والحفاظ على سلطة منقوصة السيادة في الضفة وأخرى محاصرة في غزة”.

 

وأضاف: “أما الدولة الواحدة، فلكي تصبح بديلا لحل الدولتين، لا بد أن تصبح مطلبا لمجمل حركة التحرر الوطني الفلسطيني (بعد إعادة تنظيمها فهي مختزلة حاليا في سلطتين)، وذلك في إطار طرحها برنامجا ديمقراطيا يقنع أيضا جزءا معتبرا من المجتمع اليهودي، وأن يقتنع جزء كبير من الرأي العام العربي والعالمي به”، لكنه استدرك: “لا أرى أن ثمة مشروعاً كهذا حاليا”.

 

وبيّن المفكر العربي أنه “في ظل هذه المعطيات، ومع توافر الإرادة للنضال، يجب أن تتركز الجهود في مواجهة الصهيونية على محوري قضية الأرض (الاحتلال والاستيطان وتهويد القدس وغيره)، وقضايا العنصرية التي تضع النضال في مواجهة نظام الفصل العنصري، وأن يقوم بذلك كلٌ من موقعه، وأن تصاغ طروحات المناضلين ضد الاحتلال والعنصرية بلغة العدالة والتحرر الوطني والديمقراطية وحقوق الإنسان في كل مكان؛ فلم يعد ممكنا ولا مقبولا أن تصاغ قضية الشعب الفلسطيني بغير هذه اللغة”.

 

ونبه إلى أنه “لا يقل أهمية عن ذلك التنسيق بين ساحات المواجهة المختلفة، لتجاوز التشتت، وللتجند المشترك في القضايا السياسية، للضغط للمصالحة وإعادة بناء منظمة التحرير، وللحيلولة دون التنازل عن الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، وفي مقاومة التطبيع، وفي هذه الأثناء من المهم بناء المؤسسات الحديثة التي تؤطر كيان هذا الشعب”.

 

ودعا عزمي بشارة إلى مبادرات جديدة على مستوى تنظيم الشعب الفلسطيني في مناطق وجوده كافة، من أجل إعادة بناء حركة التحرّر الوطني الفلسطيني، لافتا إلى أن “ما يُبنى ويترسّخ في فلسطين التاريخيّة هو نظام أبارتايد (فصل عنصري بمنظومتين حقوقيتين تحت نفس السيادة الإسرائيلية). وهو أبارتايد استيطاني إحلالي”.

 

ونبه كذلك إلى أن “الاستخدام الأداتي لقضيّة فلسطين في الصراعات العربيّة-العربيّة، وفي تثبيت شرعيّة الأنظمة في مواجهة شعوبها هو الوجه الآخر للتطبيع”.

 

ومضى قائلا: “فمع تغير الظروف يمكن أن تُستخدم الأداة نفسها على نحو متناقض لتحقيق نفس الهدف، وهو الحفاظ على النظام. إذ يمكن أن تُستخدم للمزاودة على نظام عربي آخر أو على الفلسطينيين أنفسهم واتهامهم بالخيانة والتفريط، ثمّ يمكن أن تُستخدم هي نفسها لكسب ودّ الولايات المتحدة عبر إرضاء بتنازلات عن القضيّة الفلسطينيّة”.

 

ورأى أن التطورات التاريخيّة منذ عام 48 وحتى اليوم تُثبت أنّ تبني قضيّة فلسطين والتفاعل معها يتناسب طرديًّا مع صعود الهويّة العربيّة، وعكسيًّا مع النزعة القُطريّة المحليّة.

 

وفي هذا السياق، اعتبر عزمي بشارة أن عام 2013 أفضل أوقات إسرائيل، وهو عام بداية تحقيق الثورة المضادة إنجازاتها، “وأقصد الانقلابات العسكريّة المدعومة بقوة من قبل أنظمة خليجية رجعية (بمعنى عدائها للتغيير والتقدم والديمقراطية)”.

 

وأضاف أن السياسة الإسرائيلية “تتدهور أكثر فأكثر نحو اليمين واليمين الديني، واثقةً من صحة منطق القوة في التعامل مع العرب، وتتشكل فيها حكومات يكاد المستوطنون المتطرفون يسيطرون عليها”.

 

وبين أن “مهام السلطة الفلسطينية تتلخص حسب الاتفاقيات منذ أوسلو في الحفاظ على الأمن، والمقصود أمن إسرائيل، وإدارة شؤون السكان للتخلص من العبء الديموغرافي، بأقل كلفة، ودون السيادة على الأرض”.

 

ومضى قائلا: “هذا المأزق الموصوف أعلاه والانشغال الفلسطيني-الفلسطيني بالصراع الداخلي بين الفصائل هو من أهم أسباب بحث طاقات المقاومة عند الجيل الشاب الفلسطيني عن تعبيرات عنها على شكل عمليات فرديّة عنيفة بالسكاكين وغيرها، ومجموعات على السوشيال ميديا، ومبادرات لا تُعد ولا تُحصى، ونقاشٌ لا ينتهي: حل الدولة أم حل الدولتين”.

 

وجدد بشارة التأكيد على أن المقاومة المدنية استراتيجية مهمة، لكن استدرك قائلا: “حتى المقاومة المدنيّة طرحتها السلطة شعارًا ضد الكفاح المسلح وليس لبناء مقاومة مدنيّة فعلًا. ولهذا فالمقاومة المدنية هي عبارة عن استراتيجية نضالية ضد الاحتلال، ومقاومة سلميّة منهجيّة ومثابرة ذات أهداف مرحلية مطلبية وأخرى تتعلق بتفكيك نظام السيطرة الكولونيالي ككل”.

 

وبخصوص اللجوء إلى الكفاح المسلح، اشترط عزمي بشارة أن يكون هذا الخيار “تحت قيادة مركزية، وإلا سيتحول إلى فوضى”.