تدريجياً ، وشيئاً فشيئاً تآكل دور الفلسطيني في الحياة السياسية ليتحول من سلطة تشريعية عليا إلى هيئة فخرية بلا أي دور أو مهام سوى تمرير قرارات السلطة الوطنية الفلسطينية ، وبتعبير أدق قرارات اللجنة المركزية لحركة فتح (الحزب الحاكم) بقيادة الرئيس ، وكل كلام بعكس ذلك ليس أسهل من دحضه بمجرد إستعراض تاريخ وتركيبة وقرارات وتوصيات هذا المجلس منذ تأسيسه أو بالأحرى تجديده في العام (1964) وصولا إلى دورته الحالية (الثالثة والعشرين) في رام الله .

 

وفي الواقع ، الكلام الآنف لا يستهدف النيل من ولا من السلطة الوطنية الفلسطينية بقدر ما هو يسلط الضوء على حقيقة موضوعية تعكس طبيعة المناخ العام للعمل النيابي في منطقتنا ، حيث يقول القاسم المشترك للغالبية الكاسحة من المجالس والبرلمانات النيابية الشرق أوسطية بإقتصار مهامها على شرعنة ودسترة قرارات السلطات التنفيذية على النقيض من سُنّتها كسلطات تشريعية ورقابية .

 

غير أن ما قد يميز المجلس الوطني الفلسطيني أكثر من غيره الشرق أوسطي هو تمتعه بما يمكن تسميتها (ديمقراطية الخطابة) الصاخبة ، تلك التي توارثها العقل السياسي الجمعي الفلسطيني عن (ديمقراطية غابة البنادق) مثلما كان القائد التاريخي المرحوم ياسر عرفات يحب أن يسمّي السجالات السياسية الداخلية الفلسطينية أيام (المرحوم) الكفاح المسلح في القرن الماضي ، فأن تتضاد الفصائل الفلسطينية خطابياً تحت قبة المجلس الوطني لهو أمر لا أيسر منه ، لكن قرارات المجلس إياه تخرج في النهاية على مرام حركة فتح لا لأنها بمثابة حزب الأغلبية فحسب ولكن لأنها تقود السلطة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية وتستحوذ على كافة مؤسساتهما العاملة ، بل تقود حتى فصائل فلسطينية معروفة (لها مقاعدها في المجلسين ، الوطني المُغيب والتشريعي المعطَّل) ولا تعدو أن تكون مجرد صدىً للصوت الفتحوي ، وهكذا وبلا منافس تسيطر قيادة فتح على القرار الفلسطيني من ألفه إلى ياءه ، ولما جاء وقت نزلت فيه حركة حماس لساحة المنافسة السياسية (الديمقراطية) على نهج (مخرجات أوسلو) ووفق القواعد التي أرستها فتح ذاتها إنتهت المنازلة إلى ما نشهده من إنقسام أفقي وعامودي شَطرَ الأرض الفلسطينية وما عليها لأسباب إذا كانت قيادة حماس تتحمل قسطاً منها فإن قيادة فتح معنية بالقسط الآخر ، إذ أن كليهما قدّم الإستئثار بسلطة فلسطينية واهية ومنزوعة الدّسم والأظافر والأنياب على المصالح الوطنية الفلسطينية العليا ، فلا حماس حفظت ميثاقاً ولا فتح أوفت عهداً ، وما غياب حركة حماس عن جلسات المجلس الوطني في دورته الحالية إلا أحد أمثلة الصراع العدمي بين الأشقاء في وقت فلسطيني عصيب يتطلب أول ما يتطلب وحدة الموقف الفلسطيني مما يجري طبخه من مشروع تسووي تصفوي رهيب تحت مسمى (صفقة القرن) كان لوحده جديراً بدفع حماس إلى تناسي خلافاتها مع السلطة الوطنية الفلسطينية والمشاركة في جلسات المجلس الوطني (على علاته) ورغم هيمنة الصوت الفتحوي الطاغي عليه ، خصوصاً وأن كلاً من قادة فتح وحماس يتشاركون ذات الموقف (العلني) من بدعة (صفقة القرن) التصفوية ، علاوة على وقوعهم معاً تحت مطرقة صهيونية واحدة قوامها إصرار صهيوني على تنفيذ مشروع (يهودية الدولة) بما يشمل القدس وبما ينطوي عليه من كوارث عنصرية ، بل وجودية ، بحق الشعب الفلسطيني فوق وتحت ما يسمى (الخط الأخضر) المُجزئ لخارطة التاريخية.

 

وبالمحصلة فإن ما يجمع فتح ومَن ولاها وحماس ومَن جاراها أكثر مما يفرقهما ، لكنّ العصبية التنظيمية الأنوية لكليهما مشفوعة بالتأثيرات الخارجية على أشتات القرار الفلسطيني هي التي فازت بالنهاية ليخلص صراع الأشقاء إلى ما نراه من فعاليات تماحُكية متضاربة ، سواء في غزة حيث لا يعدم قادة حماس فرصة إلا ويستغلونها للكيد بفتح ، أو في رام الله حيث يختلق قادة فتح الفرص لتهميش حماس ، فيما الشعب الفلسطيني الذي ملّ من إستمرارية هذا المشهد العبثي القاتم قد إنصرف عنهما وراح بوعيه الوطني النضالي المتقدم عليهما بأشواط كثيرة يبتدع الوسائل تلو الوسائل في كفاحه العادل ضد الصهاينة ، دون أن يعول لا على شعارات حماس ولا على بيانات فتح ولا على نتائج مجلس وطني فلسطيني كأنما ينعقد لا لشيئ إلا ليعكس صورة الواقع الفصائلي الفلسطيني التقليدي ، حيث التزاحم على كعكة التقاسم ، فلحركة فتح (وتوابعها) الغنيمة الكبرى وللآخرين التهافت على البقايا ، وهذا يشتمل على تحاصصات المجلس المركزي الفلسطيني واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وقبل كل ذلك : خطابات العرس الديمقراطي تحت حراب الإحتلال ، لا وسط غابة البنادق الفلسطينية المقاتلة رحم الله أيامها ! .