يحاول قائد الانقلاب العسكري المصري “عبد الفتاح السيسي” إيهام الملايين في مصر وخارجها أن الأمر استتب له في مصر إلى ما شاء الله، بادعاء نيل 97% ونيف في مهزلة الانتخابات الأخيرة، وانتظار تعديل دستوري يفتح مدد الرئاسة المصرية على مصرعيها له كما كان الأمر من قبله.

   وبالتالي قبل مهزلة الانتخابات الرئاسية تم الإعلان عن فيلم “سري للغاية”، عن التزييف الفني لقصة انقضاض “السيسي” على الحكم في مصر.

   قبل المهزلة الرئاسية بأكثر من 3 أشهر تم الإعلان عن الفيلم، أبطاله، مخرجه، منتجيه، ملخصه، بل الرد على الهجوم الكاسح عليه من أنه مجرد تصفية خلافات سياسية عبر التدليس باسم الفن ليس أكثر، وكان أن خرج الممثل “أحمد السقا” بطل الفيلم الذي سيؤدي دور “السيسي” .. في تدوينة “مترهلة” على حسابه على موقع التواصل “فيسبوك” ليؤكد أن الفيلم سيكون موضوعيًا، وسيتناول بحيادية فترة الثورة وحكم الدكتور “محمد مرسي”، وصولًا لتولي “السيسي” الحكم.

    لم يشر “السقا” إلى سابقة له “حيادية” في الجزء الثاني من فيلم “الجزيرة” الذي مثله في عام 2014 وأخرجه “شريف عرفة” عبر لوي عنق الأحداث ليأتي الفيلم مباشرًا كأقصى ما تكون المباشرة، باعثًا الراحل “منصور حفني”، بطل الفيلم من قبره، وهو شخصية حقيقية توفيت بالفعل .. فيما يُماثل نهاية أحداث الجزء الأول من الفيلم، واتهم الجزء الثاني الإخوان في دور الراحل “خالد صالح” وملتحين آخرين بالفيلم؛ بالاستيلاء على الجزيرة (التي ترمز لمصر) عبر قوة السلاح والتلاعب بالدين والزواج من المرأة الأقوى فيها، وهلم جرًا من ترهات أساءت للجزء الأول من الفيلم (تم إنتاجه عام 2007م) والحقيقة.

   كما لم يشر “السقا” إلى انتقاء ممولين لفيلم “سري للغاية” محسوبين على نظام المخلوع “حسني مبارك” ثم الانقلاب، واختيارهم لممثل شاب اشتهر بالأدوار الكوميدية السلبية (أحمد رزق) لأداء شخصية الدكتور “محمد مرسي” وقت حكمه لمصر وقبلها بقليل، رغم اختيار شخصيات امتازت بالأدوار الجادة لأداء أدوار بعض المجلس الأعلى المصري العسكري أو حتى دور الرئيس المخلوع “مبارك”.

إن أمر الفيلم لا يعدو إلا أن يكون محاولة من الانقلاب لاستخراج شهادة ميلاد فنية هذه المرة تقول إن الأمور في مصر استتبت له بالكامل، وأنه لم تعد هناك مجرد معارضة أو مُضارين، بالطبع على النقيض تمامًا من الحقيقة.

  هذه الشهادة تعجل “السيسي” وفريق عمل الفيلم الإعلان عنها في نهاية فترة حكمه الأولى، وكأن الانتخابات المزعومة انتهت بالفعل في ديسمبر/كانون الأول الماضي وقت الإعلان عن الفيلم وانتهاء بعض الأدوار فيه.

  ومن المفترض أن يتم عرض الفيلم في دور العرض السينمائي في مايو/آيار المقبل لفترة ثم إهداؤه للتلفزيون الرسمي ليثير زوبعة أخرى في فنجان ضيق صغير حول عدم موافقة أحداثه  للواقع، أو نقاط اعتراف خلاله ستبدو رغمًا عن صُنّاعه بأن “السيسي” خدع الجميع في مصر حتى وصل إلى الحكم.

   ولأن مسيرة الطغاة واحدة، ودورانهم في أماكنهم يكاد يكون مستنسخ تمامًا، فقبل إعلان “نظام السيسي” عن فيلم “سري للغاية” بقرابة شهر ونصف فقط رفعت إذاعة دمشق التابعة للنظام السوري حلقات مقلدة تقليدًا رخيصًا من برنامج تمثيلي رائع مصري اسمه “من الحياة” كنا ننتظره في ثمانينيات القرن الماضي .. في صبانا .. من إذاعة البرنامج العام الرسمية كل أسبوعين عند التاسعة والنصف مساء.

  على موقع “يوتيوب” الآن 4 حلقات من البرنامج الخاص بالنظام السوري، وفيه قصص مُختلقة تنطق باللغة العربية الفصحى شبه الصحيحة للمدارة على أن الحلقات لا تسير على نسق البرنامج المصري الأصلي، إذ يعتمد البرنامج الأصلي على رسالة بريدية من مستمع تروي قصة حقيقية حدثت له أو لأحد من معارفه، ويتم اختيار رسالة لتمثيل مضمونها بعد وضع سيناريو وحوار إذاعي لها من متخصص، وفي المقابل مكافأة مُرسل الرسالة بمبلغ مالي صغير وإرساله بحوالة على عنوانه مع ذكره مع الاسم في نهاية الحلقة في عبارة حفظناها من كثرة ترديدها: “عزيزي المستمع: هذه هي الرسالة الفائزة بجائزة هذه الحلقة أرسلها المستمع … من …”.

  أما حلقات “من الحياة” التي يبثها نظام “الأسد” فحلقات مصنوعة برداءة شديدة لتثبت مواقف مفتعلة باسم الإنسانية لا يمكن تحققها في الحياة، من مثل حلقة “أم أخوتها”، إذ تتوفى ـ بحسب التمثيلية ـ زوجة محام تاركة له صغار، فيتعبه الهم والقلق عليه ليروي لصديقه على المقهى، فيسمعهما النادل (الجرسون)، فيعرض عليهما ابنته “صفاء”، التي تقوم بالدور على أكمل وجه، لولا أن قذائف (الإرهابيين)، تودي بحياتها في المستشفى مع المرضى، لتقوم الابنة الكبرى للمحامي بتربية أبناء السيدة الراحلة من أبيها .. بعد استشهادها.

  هذا السيناريو الركيك متكرر بصورة ما في كل حلقة رُفعت من البرنامج على (اليوتيوب)، إذ إن الحياة في سوريا جيدة .. رائعة تستحق الاستمرار لولا (الإرهابيين) الذين يقتلون الأخضر واليابس في البلاد.. في لي عنق للأحداث المعروفة في سوريا وتعمد نظام “بشار الأسد” قصف الأبرياء لا بالبراميل المتفجرة مرة بعد الأخرى بل بالسلاح الكيماوي أيضًا!

  إنها الصورة الأخرى، ووجه العملة المُقابل لفيلم “سري للغاية” الذي يحاول تمجيد “السيسي”، فحلقات مسلسل “من الحياة” السوري المنفصلة عن بعضها .. يجب إلغاء العقل والفهم والمنطق للاستماع إلى كذب فاجر يزعم باسم الفن إن الثوار الراغبين في تحرير أوطانهم من نير وظلم وطغيان نظام “الأسد” هم الظلمة .. وليس “بشار الأسد” وأعوانه من شياطين الأنس الداخليين والخارجيين!

  إن البرنامج والفيلم ليسا إلا نسخًا مزورة من محاولات فنية لخدمة الطاغيتين “السيسي والأسد” اللذين لا يستطيعان ابتلاع بلديهما فيستعينون على أغراضهم الخبيثة بالفن لعلهم يستطيعون به خداع البسطاء، وهو ما يُلقي بمسئولية مباشرة، من ناحية أخرى، على أصحاب الحق من الثوار للعمل على إخراج فن صادق ينير الدرب للشعوب مقال خبيث ما يطرحه هؤلاء!