كتب: - ما زالت ، التي تدخل عامها الثامن، منذ اندلاعها في 15 آذار/مارس 2011، سردية خاصة، في إطار ثورات الربيع العربي؛ في بنائها المميز، وتكويناتها المعقدة، وعناصرها المتعددة والفاعلة.

 

يكشف الواقع السوري عن حجم التخريب المنظم، والفساد المؤسسي والمنهجي، الذي مارسه نظام الأسد، وشبكاته القوية، والممتدة في صميم المجتمع، بالدرجة التي أسفرت عن فصول دامية، من والتوحش، ساهم فيها الأسد، وشركاؤه الإقليميون والدوليون.

 

بيد أن الخريطة السورية، أضحت جغرافيا تنكمش خيوطها الدقيقة وممراتها، على فصول يمكن توصيفها بـ”صراع الهمجيات”، التي استهدفها الأسد؛ إذ فتح جيوبًا من  الصراعات السياسية والطائفية بجذورها الطبقية والاجتماعية لتنفجر في المجتمع.

 

: درب الآلام نحو الحرية – ”؛ الكتاب الصادر يوثق عن “المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسة”، للباحث والمفكر العربي، ، وقائع سنتين كاملتين، من عمر الثورة السورية، عند صدوره الأول، في آذار 2013، إبان الذكرى الثانية للثورة.

تبنى المحتجون السوريون مقاربة لا طائفية، عند اندلاعها، حيث كان محركها الرئيسي، بفعل عوامل الظلم السياسي، والتهميش المجتمعي، وفشل الإصلاحي الاقتصادي والاجتماعي، وانفلات أجهزة الأمن من عقالها، ناهيك عن التقاسم الطائفي للسلطة، وهذه الأخيرة، قد غرسها نظام الأسد، في ثنايا العلاقات والشبكات المجتمعية، التي حولت الانتفاضة إلى حرب أهلية.

 

لكن النظام قدم خطابا سياسياً في مواجهة الاحتجاجات، صوّرها بأنها مواجهة طائفية، وأنه بصدد الدفاع عن التعددية الدينية، في سورية، ضد التطرف الديني السني، الذي يقوم بتوظيفه قوى إقليمية.

 

اعتمد بشارة على التوثيق بعدة مناهج علمية، للإحاطة بأصول الأحداث الاحتجاجية، وفهم سيرورتها، وجذورها، وشروط اندلاعها وتحليل أطرافها؛ حيث تناوب على التوثيق بالسوسيولوجيا والاقتصاد والاستراتيجيات، في سياق تاريخي مترابط، وبمنهج التحليل الاجتماعي التاريخي معاً.

يعد الكتاب وفق آلية تجميع معلوماته، والتأكد من صحتها، والمنهج المتبلور داخلها، بمثابة مرجعية (شمولية)، في ظل التراكم النظري والمعرفي، من الناحية الإجرائية والأدوات التي توافرت له، حيث استطاع إعادة تركيب الأحداث نظرياً، وفق منهجية التحليل الاجتماعي والتاريخي، وبالتالي، القدرة على فهم وتفسير واستنباط واستنتاج خصوصية الثورة الكبرى، سواء في تاريخ سورية الحديث وكذلك المشرق العربي.

 

ثمة حقيقة يقرها بداهة صاحب “أن تكون عربياً في أيامنا”؛ وهي أن الثورة السورية، انفجرت في مجتمع شديد التعقيد والتركيب، ضد نظام سلطوي استبدادي وقمعي، في صورة رثة، تتماهى مع الأنظمة الشمولية، التي تستلهم نمطا قاسيا من القمع الأمني، يتداخل فيه الأمن والسياسة والاقتصاد معاً، حتى أضحى الفساد منتشراً، من القمة إلى القاعدة؛ فالفساد في سوريا، بحسب بشارة، ليس مجرد استثناء، يحاربه النظام، أو يتساهل معه، بل هو القاعدة.

 

يفصح  الكتاب عن التعقيدات الراهنة، والأطراف الإقليميين والدوليين، كلاعبين رئيسيين، تمكنوا عبرها من فرض هيمنة سياسية وعسكرية، استمد منها الأسد شرعية مهترئة، واستفاد، فقط، من بقائه الريعي على حساب فائض القوة، بالتبعية الشرطية لهم، بهدف استقرار وتوطين مصالحهم وتقاسمها.

 

ولئن كان ، على حاله، يقع بين خيارين، كما يقول بشارة، أن يتغير من نفسه أو يغيره الشعب؛ فاختار الشعب درب الآلام نحو الحرية، ومن ثم، تعمد النظام، في المقابل، الخيار الأمني، ورفض الإصلاح والتغيير،  وارتفعت معها شعارات الثورة ومطالبها نحو إسقاط النظام.

 

لكن، المشكلة بالأساس، التي انفرطت كالعقد واتسعت مثل بقعة ضوء على الحقيقة؛ هي أن نظاماً مثل الموجود في سورية، يجر بانهياره الهيئة الاجتماعية برمتها، إلى احتمال الانهيار، والدخول في دوامة طويلة المدى من الاضطرابات والاصطفافات، بحكم التركيب المتنوع للمجتمع السوري. وعلى المستوى الإقليمي، يسفر عن إقليم يقع في فخ التكتلات الطائفية والتفكك العشائري والصراع الهوياتي.

 

في مرحلة ما بعد الاستقلال، فشلت الأنظمة السياسية في تدشين هوية وطنية جامعة، ولجأت إلى آليات سياسية لإدارة التنوع الهوياتي، وغطت الأنظمة السياسية فشلها، بمبررات مثل: الهيمنة لاستعمارية أو الطائفية والجماعات الدينية العقائدية، فظلت تخلق شروطاً حيوية للعصبيات، والانقسامات القائمة، على الحضور المذهبي، والطائفي، وتفخيخ دائم لحدود التنوع الثقافي والسياسي والمجتمعي، وزرعها بالألغام، وتحويلها من نعمة إلى نقمة.

 

يعرج بشارة على آلية تعاطي النظام مع الثورة، منذ بداياتها، والتي تولدت كرد فعل، جهوي وشعبي، على التعدي والانتهاك الجسدي المباشر في مدينة درعا، بينما اعتبرها النظام تحديا لسيادته، ففرض هيمنته القمعية بتوحش، وفي مقابل التداول الثوري للشعب، مارس النظام سياساته الطائفية.

 

يقول: “إن أبرز مخاطر المجتمعات المركبة في حال عدم رسوخ الدولة الحديثة عندما توهم جماعة أنها تمتلك الدولة، وفي هذه الحالة يصبح تأكيد الجماعات الأخرى لهويتها مسألة اعتراض على هوية الجماعة التي تدعي امتلاك الدولة، وإذا كانت هوية الجماعة التي تمتلك الدولة أقلية، فإن شعورها بأنها ضحية تاريخية، يساهم في زيادة شدة القسوة في القمع، وهذا يعني انتشار سياسات الهوية في العمل السياسي بشكل يحول الصراع من أجل الحقوق إلى استقطاب هوياتي”.

 

هكذا، فإن الطائفية في سورية ليست افتراء، كما يقول بشارة، بل هي مؤسسة وقائمة في نظام الحكم، ولا يمكن الطلب من المتضررين من نظام استبدادي، يقوم على بنى طائفية وجهوية، أن يعبّروا عن مشاعرهم عفوياً، بلغة غير طائفية، فهذه وظيفة النخب السياسية، التي تصوغ وعي الجماهير الشعبية وتتكلم باسمها.

 

ويبين صاحب “مقالة في الحرية” أن الثورة السورية، وإن جاءت في سياق الربيع العربي، المندلع في مصر وتونس وليبيا، لكنها تنفرد بنيوياً في طبيعة مجتمعها ونظامها، الذي هو نظام أمني، يندمج فيه الجيش والأمن معاً، ولا ينفصل عن البنية الاجتماعية للدولة.

 

هنا، نستقرئ عملية مزدوجة، جرت خلال العقود الأربعة الأخيرة، صهرت البنية الاجتماعية بالأمن، في جهاز الدولة، ورافقها تدشين أواصر علاقة متينة، بين الطائفية والترييف وبنية الجيش السوري، وأجهزة النظام الأمنية، من دون أن يتهافت بشارة على الدعاية السهلة بخصوص “طائفية النظام”، ومقولاتها المتعددة، حاول فض الأسطوري منها، عن الصحيح والحقيقي؛ موضحا حجم تداخل البنية الاجتماعية للنظام، داخل بنيته الأمنية وتطييفها، وإفرازات ذلك الطبيعية.

 

وبخلاف الترويج الساذج والمبتذل، حول الثورة السورية “الريفية”، يقر بشارة بأنها مدنية، بكل معانيها؛ فإن الناشطين والفاعلين في الحركة الاحتجاجية، كانوا ينتمون لكافة الطوائف، خصوصاً العاملين في منظمات الإغاثة والإعلام، وتبنوا خطاباً سياسياً غير أقلوي، يقوم على مبادئ الديمقراطية والمواطنة.

 

بيد أن هناك محطات متعمدة من جانب النظام، وأعوانه الإقليميين، وفي الخليج، دفعوا بالأحداث إلى صورة من الاحتراب الأهلي، ساهم في تطويرها قمع الناشطين وسجنهم ونفيهم، مع استمرار النظام في تصعيد خطاب ضد الثورة، باعتبارها مؤامرة خارجية أو فتنة طائفية، وهو ما ترافق مع دور منظم لميلشيات النظام، ناهيك عن دور المحاور الإقليمية، في إيران وحزب الله، لدعم النظام مادياً وعسكرياً.

 

وأنتجت استراتيجية النظام القمعية، ردة فعل مسلحة، أزاحت وغيبت من سلطة الدولة، وتصفية شرعيتها في عدة مناطق، لكن، كما يشير بشارة، أن ذلك حضر على خلفية ضعف وهشاشة الهوية الوطنية، وضعف المجتمع المدني، وهو وضع اجتماعي خطير.

 

وأدى نمط العنف الطائفي، الذي ثبته النظام، ومرر صوره العديدة، في وجدان ووعي السوريين، إلى بروز طابع انتقامي و”جرائم الكراهية”، كما يصفها الكتاب، والتي باتت تستهدف الحافلات والرجال الموالين أو المعارضين، بحد سواء، برجالها ونسائها وأطفالها، مع مشاعر تختلط فيها عوامل التشفي والثأر والشرف، وعبرت عنها وسائلهم في التشفي بتمثيل الجثث:

 

“كان الخيار المسلح، خيار النظام، وليس خيار الثورة. فلم تكن هناك أصلاً ثورة منظمة، ذات قيادة مركزية، تفكر في البدائل وتضع الخيارات، بل ردود فعل عفوية، ضد النظام من شعب حرق جسور العودة إلى الماضي، وتصاعدت ردود الفعل واتخذت أشكالا تنظيمية، وواجهات سياسية، تخشى النتائج، وتحذر من السلاح، حيث لا ترى بديلاً عنه، وثالثة، تزايد في الدفع لاستخدامه. أما النظام فخطط خياره الأمني بوعي كامل، وخاضه حتى النهاية متحالفاً مع إيران وأدواتها ومع روسيا”، يقول بشارة، وهو يوثق حقيقة يعري بها دعاية النظام، بينما يتتبع في المقابل دينامية الانتفاضة، وانتقالاتها السريعة، من انتفاضة محلية، إلى ثورة مدنية، وتحول الأخيرة، إلى دفاع أهلي عن النفس، على المستوى المحلي، وأخيراً، ثورة مسلحة.

 

فتمدد الثورة التي غطت المناطق بعد تسلحها، واستراتيجية قمع الثورة، أديا إلى توليد أشكال عنف سياسي “غير مألوفة”، كما يصف الكتاب، بدأت في الأول كحالات أهلية للدفاع عن النفس، ثم اتخذت لاحقاً، أنماط عنف مسلح ثوري، توجه في معظمه ضد قوات أمن النظام والجيش السوري، واتخذ بعضه شكل “الجرائم الطائفية”، وهو ما يعرض جذور المظاهر الطائفية، في النظام وفي الثورة.