قالت صحيفة “فورين أفيرز” إنّ ستكون بمثابة عرض مسرحي، يهدف إلى إضفاء شعبية على وجود عبدالفتاح ، الذي قاد انقلابًا عسكريًا ضد الرئيس السابق محمد مرسي، وأجبر المرشحين الآخرين (بمن فيهم شفيق وعنان) على الانسحاب من الانتخابات، وخطّط لوجود مرشح “أراجوز” موسى مصطفى موسى؛ لمجرد إجراء شكلي.

 

والأدهى من ذلك أنّ التصويت أعقبته حملة قمع وحشية؛ فزج بعشرات الآلاف داخل السجون، وطاردت الشرطة منظمات المجتمع المدني، واشترى النظام جميع المؤسسات الإعلامية؛ وبذلك أصبح الإعلام تحت سيطرته، واختفى المئات من المواطنين من الشوارع ومن المنازل، ولا يجرؤ أحد على السؤال عنهم؛ وكل هذا يكشف الظروف التي تُعقد فيها الانتخابات المصرية.

 

الجيش الصانع الأكبر

 

وتوضّح طريقة تعامل السيسي مع الانتخابات والمواطنين وسجن المرشحين الرئاسيين واعتقالهم أنّ جزءًا من سيطرته يعتمد على ولاء القوات المسلحة؛ وهو ما يؤكده سجن المرشحين أبناء المؤسسة نفسها، مثل عنان وقنصوة.

 

وأصبح السيسي رئيسًا من البداية باعتماده على الجيش، ولأنه يدرك جيدًا أنه قد ينقلب ضده؛ سارع في إزالة الموالين لسلفيه مرسي ومبارك، بل كان أكثر اعتمادًا على الجيش من مبارك نفسه؛ إذ وصل للسلطة على رأس انقلاب عسكري، ولم يشرع في قواعد بديلة خارج المؤسسة. وعلى النقيض منه، شرع مبارك في زرع دوائر موالية خارج نطاق القوات المسلحة، وكوّن مجتمعًا بيروقراطيًا حكوميًا؛ خاصة بين الأجهزة الأمنية، والمؤسسات القضائية، وأنشأ حزبًا حاكمًا “مخلصًا”.

 

بينما احتقر السيسي السياسة المدنية وزاد من دور الجيش في الاقتصاد، وقلّص من المساحة الممنوحة للقطاع الخاص. وفي النهاية، بقاؤه يعتمد في المقام الأول على ما إذا كان بإمكانه الحفاظ على التكاليف المتصورة للجيش.

 

وبالرغم من صعوبة الحصول على صورة واضحة عن السياسة داخل ، فهناك علامات عرضية ظهرت؛ إذ سرت الشائعات عن إجراء حملات تطهير بين الضباط بشكل دوري، وأدين 26 ضابطًا متقاعدًا بتهمة التخطيط للإطاحة بالنظام. وفي 2016، سلم للسعودية جزيرتي تيران وصنافير.

 

مسار إجباري

 

ويتوقف تحرك القوات المسلحة ضد السيسي على كيفية تحقيقه للرؤية التي يتطلع إليها الجيش، وتتمثل في تحديين رئيسين: الاقتصاد والأمن؛ ففي حال تهديد أيّ منهما قد تميل قيادات القوات المسلحة إلى اتخاذ خطوات ضد السيسي وإجباره على الرحيل.

 

وعلى المستوى الاقتصادي، مطلوب من السيسي أن يمنع تدهور المستوى المعيشي؛ فالمظالم الشعبية لديها القدرة على إحداث اضطرابات عامة من المحتمل أن تثير استجابة القوات المسلحة، خاصة وأن تعداد البالغ أكثر من مائة مليون نسمة يعانون بالفعل من الفقر منذ مدة طويلة. وكثيرًا ما خشيت المؤسسات الأمنية المصرية من اندلاع «ثورة جياع» سيخرج فيها المواطنون ضد مؤسسات الدولة بشكل عفوي.

 

وما أثار هذا الاحتمال هو أنّ المظالم الاقتصادية والأمنية كانت أهم أسباب ثورة 25 يناير، وأثناء حكم مرسي استغلت القوات المسلحة الاحتياج الذي يعاني منه المصريون في تأليب الرأي العام ضده؛ فإذا ما استمرت الظروف المعيشية المتدهورة فمن المتوقع أن تثار الاضطرابات مرة أخرى، وستشمل احتجاجات عامة وإضرابات مدنية؛ وهنا سيتدخل الجيش لإزالة السيسي، وتحميله اللوم؛ خاصة وأنّ الإطاحة به ستخفف من حدة الشكاوى الشعبية.

 

وللتغلب على هذه المصاعب شرع السيسي في “إجراءات” اقتصادية صعبة، بما فيها تقليص الدعم وتخفيض قيمة العملة المحلية؛ وكان لها عظيم الأثر على المصريين، خاصة البسطاء؛ بعدما تجاوز معدل التضخم أكثر من 34%.

 

لكن، في كل الأحوال، الصبر الشعبي له حدود، وإذا ساءت الظروف سنقف لنرى ماذا سيفعل السيسي، وما إذا كان سيتخذ خطوات فورية لتحسين الأوضاع المالية للمواطنين، وترتفع التحديات لتشمل ارتفاع معدلات البطلة وتوسع الفقر وارتفاع التمييز وانعدام العدالة الاجتماعية؛ وهي المظالم التي خرجت بسببها ثورة يناير. لكن، على كل، ما يحدث الآن بمثابة تحذير لعبدالفتاح السيسي.

 

وإلى جانب معالجة المشاكل الاقتصادية، يحتاج السيسي إلى تجنب حدوث تدهور كبير في الأوضاع الأمنية؛ فتوفير الأمن ضرورة أساسية لتحسين صورة القوات المسلحة في عيون الشعب المصري، والفشل الذريع في هذه المهمة قد يثير استياء الرأي العام المصري من النظام، وسيزرع شكوكًا بشأن قدرة الجيش على التعامل مع التهديدات الكبرى التي تواجه البلاد؛ كعنف الجماعات الجهادية.

 

وبالرغم من أنّ التدهور الأمني قد يثير موجة من الاحتجاجات؛ فالتدهور الاقتصادي قد يفعل ذلك بشكل أكبر، وإذا حملت القيادة العسكرية السيسي المسؤولية عن هذا التدهور سيُطاح به في الحال، وسيُجبرون على التصرف في هذا الاتجاه.

 

وعلى كل، يبدو أنّ الجيش حاليًا عاجز بالفعل عن التصرف في سيناء؛ خاصة بعد حجب المعلومات الواردة من هناك، ومنع دخول الصحفيين. وبالرغم من أنّ الوضع الأمني فيها لا يؤثر على معظم المصريين؛ يبدو الجيش أنّه مستعد لقبول ضحايا جدد من الضباط والمجندين في سبيل استعادة الأمن فيها؛ حفاظًا على ماء وجهه.

 

وقد يواجه السيسي سيناريو آخر، يتمثل في قيادة الجماعات الجهادية بسيناء حملات غزو داخل المحافظات الأخرى في وادي النيل؛ ما سيفقد الدولة السيطرة الفعلية على أراضيها وانهيار النظام والقانون، ما من شأنه أن يشكّل تحديًا خطيرًا لوضع السيسي. فعلى العكس من سيناء، تمكّنت الأجهزة الأمنية المصرية من تعطيل تدفق الجهاديين في وادي النيل. لكن، نظرًا إلى الهجمات الإرهابية المتفرقة التي وقعت في المدة الماضية في المناطق نفسها، ليس مستبعدًا أن يتمكن تنظيم الدولة من تكثيف هجماته على المحافظات الأخرى.

 

وعلى مستوى الشعب، قد يتحمل المصريون الحرمان من الحقوق المدنية والسياسية؛ لكنهم لن يتحملوا الحرمان من الازدهار الاقتصادي. وإذا ما استمر اقتران القمع الأمني بتدهور المعيشة؛ فسيثار رد فعل شعبي ضد النظام في أي وقت، وسياسهم في ذلك سوء تعامل الأجهزة الأمنية مع المصريين العاديين.بحسب موقع “رصد”

 

والوقت وحده كفيل بإخبارنا مدى قدرة السيسي على مواجهة هذه التحديات.

 

الاختبارات القادمة

من المتوقع أن يسعى السيسي بعد انتخابه ثانية أن يشرع في تعديل الدستور، وسيناقش هذه الخطوة أولًا مع القوات المسلحة. لكن، حتى لو نجح في توسيع صلاحياته؛ فهذا لا يعني أن موقفه سيظل آمنًا؛ فمن المرجح أن يكون الصراع القادم على التعديلات الدستورية، وسيشكّل عائقًا أمام مساعيه نحو توطيد سلطته.

 

كما سيواجه السيسي اختبارًا آخرًا، وهو التعامل مع سد النهضة الإثيوبي، الذي سيؤثر على حصة مصر (الشحيحة بالفعل) من إمدادات مياه النيل. وفي هذا السياق، لا يوجد أمام السيسي اختيارات كثيرة، تتمحور في العمل العسكري السري أو العلني ضد السد؛ وحتى نسبة هذا الاحتمال ضئية للغاية.