كتب: - رغم أن كثيرين اختلفوا في ترتيب الرؤساء المصريين السابقين الثلاث قبل ثورة 25 يناير، أيّهم أكثر دكتاتورية وبطشا بخصومه السياسيين، إلا أن جميع العقلاء في مصر وخارجها، أجمعوا على أن رئيس ، تربّع على رأس أسوأ وأبطش رئيس في تاريخ مصر السياسي الحديث.

 

طوال السنوات القليلة الماضية، تصدّرت مواضيع حقوق الإنسان والاختفاءات القسريّة والتنكيل بعموم المصريين وخاصّتهم من النخب السياسية وسياسة الاصطفاف وخلق المشاكل، جدول اهتمامات المتابعين للشأن المصري على الصعيد العربي والدولي، حتى أنه لا يكاد يمرّ يوم إلا وتطالعنا طوام كبرى من بلد عاش لعقود تحت وطأة الاحتلال العسكري المحليّ.

 

في 12 أغسطس 2012، ارتكب الرئيس المعزول محمّد مرسي خطأ كبيرا لم يكن يعلم أنه سيقذف البلاد إلى مربّع المجهول، عندما عيّن عبد الفتاح سعيد حسين خليل السيسي المولود في 19 نوفمبر 1954، قائدا عاما للقوات المسلحة المصرية ووزيرا للدفاع، بعد أن كان مديرا لإدارة المخابرات الحربية والاستطلاع، ومنذ ذلك الحين، بدأت المؤامرات والدسائس تُنسج وراء الأبواب المغلقة، لعزل الإخوان عن الحكم وإعادتهم للمعتقلات والسجون.

 

على إثر تعيين الرئيس محمد مرسي لعبد الفتاح السيسي في منصبه الهام، قرّرت دول خليجية معروفة بمواقفها المناوئة للثورات العربية ولجماعة ، نسج علاقات وثيقة مع القائد الجديد للقوات المسلّحة المصرية، تمهيدا لاستخدامه في تنفيذ واحد من أخطر السيناريوهات التي شهدتها منذ الانقلاب على في 23 يوليو 1952.

 

لن نستعرض كثيرا مسيرة عبد الفتاح السيسي الذي اعتبره حزب الحرية والعدالة الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين وقتها “وزير دفاع بنكهة الثورة”، فالمجال لا يتّسع لذكر كلّ ذلك، والمقام خُصّص للحديث عن السيناريوهات المتوقّعة لنهاية “الزعيم القومي” الذي نال لقب أسوأ رئيس في تاريخ مصر الحديث بدون منافسة تُذكر.

 

بعد فترة تولّيه مقاليد الحكم في شهر مايو 2014، عاث الرئيس الانقلابي فسادا في مصر، فباع ما شاء له من أرضها للإماراتيين والسعوديين دون غيرهما، وسجن عشرات الآلاف من المعارضين ذكورا وإناثا شيبا وشبابا، كما قام بحملة تطهير شاملة داخل الجيش والمخابرات العامة والحربيّة، خوفا من مصير مجهول ينتظره.

 

أزمات وتخبّط داخلي، وحروب متعدّدة فتحها النظام المصري المتعطّش للدماء ضدّ السياسيين والصحفيين والمعارضين والمواطنين البسطاء بمختلف انتماءاتهم، لم تكن تكفي عبد الفتاح السيسي للجلوس مرتاح البال على كرسيّه، لأنّ العاشق للفوضى أبى إلا أن يصدّرها لليبيا والسودان ويساهم في تأجيجها في سوريا.

 

يظنّ المشير عبد الفتاح السيسي أن ركوعه لإسرائيل وتقديم صكوك الغفران لدول الخليج والولايات المتحدة الأمريكية قادران على منع إلحاق الأذى السياسي والجسدي به، ولكنّه تناسى أن من سبقه في حكم مصر، بذلوا جهودا مضاعفة لتعزيز سلطتهم ولكّنهم فشلوا في ذلك، حيث مات بنوبة قلبيّة، وقُتل أنور السادات وهو على المنصّة الشرفية، في حين عُزِل حسني مبارك نتيجة ثورة شعبيّة.

 

الرئيس المصري في طريق مفتوح للفوز بولاية رئاسية ثانية بعد إقصاء أبرز منافسيه من المدنيين والعسكريين، تمهيدا لإعلان الرئاسة مدى الحياة استجابة لطلب ملايين المناشدين الوهميين، ولكنه لن يجد الطريق معبّدة أمامه، فكبار القيادات العسكريّة التي انقلبت على مبارك ومرسي لن تتركه يقود البلاد بمنطق المتجبّر الذي تغلّب على الجميع ومن غير المستبعد أن يقود بعض الجنرالات المسنودين من دول أجنبيّة تمرّدا بالقول في مرحلة أولى، قد يتحوّل سريعا إلى تمرّد بالفعل.

 

يعلم السيسي كما يعلم المحيطون به، أن “مش مضمون” حتى وإن أظهر له ذلك في السرّ والعلن، فبمجرّد أوامر صادرة عن الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإسرائيلي، قد تنقلب الأمور إلى انقلاب دموي آخر، سيدفع ثمنه السيسي دون غيره، وستعود من خلاله مصر إلى بوّابة الانقلابات العسكريّة التي يظنّ السيسي أن أمرها قد ولّى.

 

ليس هذا فحسب، فالشعب المصري الذي ذاق الويلات ونزلت عليه المصائب العظام منذ صعود عبد الفتاح السيسي إلى الحكم، لن يسكت طويلا على انتهاك كرامته وسجن حرائره وتعذيب رجاله ونسائه وخاصّة تجويعه وتفقيره، لذلك فإن الثورة الشعبية الجارفة والعارمة قد تكون من أبرز التحدّيات التي سيواجهها “المشير” خلال ولايته الثانية.

 

لا أحد منّا يعلم كيف ستكون نهاية السيسي، ولكنّنا لا نستبعد أن تكون مأساويّة نتيجة لكثرة أعدائه وتعدّد الجهات المناوئة له، ولكن هل تكون برصاصة مثل السادات أم بانقلاب دمويّ مثل الذي جاء به إلى كرسيّ الحكم، أم بواسطة صناديق الاقتراع أو بثورة شعبيّة عارمة، وحده المستقبل القريب قادر على إجابتنا، وإن كان التّغيير الخشن والنهاية الشنيعة احتمالا مرجّحا استنادا إلى المعطيات التي سبق ذكرها.