نشرت صحيفة “أثير” العمانية واسعة الانتشار، مقالا للكاتب العماني نصر البوسعيدي تناول تاريخ السلطنة ومستوى الحضارة المتقدم الذي وصل إليه العمانيون قديما بينما كان والعرب قبائل مشتتة.

 

وللدلالة على هذا التفوق الحضاري وتاريخ السلطنة الأصيل، ساق الكاتب قصة السفينة العمانية الشهيرة “” التي جابت نصف العالم لزيارة الولايات المتحدة الأمريكية بوفد عماني خلده التاريخ باسم السياسة الناجحة للسيد سعيد بن سلطان الذي كان يدير الإمبراطورية العمانية بكل مساحاتها الشاسعة بعبقرية منقطعة النظير.

 

ويشير الكاتب في بداية مقاله إلى أن العاقل فقط من يدرك الدور الحضاري الذي كانت الإمبراطورية العمانية تشغله في تاريخ الأمم والعصور، فعمان مجان ومزون كانت على صلات تجارية كبيرة بالحضارات المجاورة نتيجة تسيد أهل عمان في الصناعة وإنتاج النحاس وصناعة السفن وصك النقود، وما الآثار المكتشفة التي توجد في المحافظات والولايات المختلفة من البلاد والتي تعود إلى أكثر من خمسة آلاف عام إلا دليل بسيط جدا على مكانة عمان وحضارتها بين الأمم.

 

وإليكم نص المقال

في العصر الحديث كان للإمبراطورية العمانية صولات وجولات وهي من وصلت حدودها في الخليج إلى ، وفي الشق الآسيوي إلى جزر ومكران وفي الشق الأفريقي للصومال وكينيا وزنجبار وجزر القمر والداخل الأفريقي، وكانت ذات علاقات دولية لا حدود لها في الوقت الذي كان فيه الخليج قبائل مشتتة، ولأن عمان هذه الدولة العصرية تشكل ثقلها السياسي والاقتصادي بالنسبة للقوى العالمية الكبرى، فقد بعث مؤسس الإمبراطورية السيد سفيره ومبعوثه أحمد بن النعمان الكعبي إلى مدينة عبر السفينة العمانية المسماة سلطانة في عام 1840م، وذلك لتقوية العلاقات بعد توقيع المعاهدة العمانية الأمريكية سنة 1833م.

 

وقد اختار السيد سعيد سفينته سلطانه لهذه المهمة وهي من أنقذت قبل ذلك طاقم السفينة الأمريكية بيكوك حينما تعطلت في جزيرة مصيرة عام 1835م، ونقلتهم إلى بجر السفينة ومن عليها قبل غرقها، لذلك فإن القيادة الأمريكية تعي تماما مكانة السفينة سلطانة بالنسبة للسلطان ولهم.

 

إذًا كان حديث الشعب الأمريكي بأن سفينة العرب سلطانة من تحمل سفير السلطان العماني ستصل إليهم قريبا وهي تحمل أحد أعرق الشعوب العربية لمد يد الصداقة والسلام في عالم العلاقات الدولية لحليف جديد وكيان حديث يسمى الولايات المتحدة الأمريكية.

 

وبالفعل وفي تاريخ 30 من أبريل من عام 1840م ، وبعد شروق شمس الصباح بقليل وصلت السفينة سلطانة لمرفأ مدينة نيويورك محملة بالهدايا وحمولة يصل وزنها إلى 305 أطنان منها 1300 جراب من التمر و21 بالة سجادة إيرانية، و100 بالة من بن بخا، و108 قطع من زراف الفيل و81 حقيبة من الصمغ العربي، و135 كيسا من القرنفل، و1000 قطعة جلد مجففة من جزيرة بمبا، بالإضافة إلى هدايا السيد سعيد للرئيس الأمريكي فان يورين وهي عبارة عن فرسين عربين أصيلين، وعقد من اللؤلؤ وحبتين كبيرتين من اللؤلؤ الضخم، و120 قطعة من الأحجار الكريمة الملونة، وسبيكة من الذهب الخالص، وسجادة حريرية فارسية، وزجاجة عطر من الورد، و6 عباءات كشميرية، وسيف مرصع بالذهب.

 

وصلت سلطانة بعد رحلة بلغت 87 يوما انطلاقا من مسقط وصولا إلى زنجبار عاصمة عمان في الشق الأفريقي ومنها إلى نيويورك وتوقفت قبل وصولها فقط في ميناء سانت هيلانة وقام الكعبي بإهداء حاكمها زجاجة عطر عمانية فاخرة كرمز صداقة ومحبة من السيد سعيد بن سلطان.

 

لقد كانت السفينة سلطانة تحمل 56 رجلا بالإضافة إلى بعض الضباط منهم محمد بن عبدالله ، ومحمد بن جمعة، وإنجليزيتان أحدهما تدعى روبرت نور ثورزي زوجة أحد الإنجليز في مسقط، ووصيفتها شارلوت طومسون، وإنجليزي اسمه وليام سليمان ساعدهم في معرفة مسالك الطريق وآخر اسمه جون البرتغالي ومبعوث السلطان المبعوث العماني أحمد بن النعمان الكعبي السكرتير الخاص للسيد سعيد ويمثله بالإنابة عنه في الكثير من الأعمال المهمة المرتبطة بالتجارة وإبرام المعاهدات.

 

وعقب رسو السفينة مباشرة برز أحمد بن النعمان بملابسه المهيبة العربية لينزل من السفينة للمرفأ ويتحدث مع المستقبلين بلكنة إنجليزية واضحة، قائلا للمرحبين به بأنه ممثل سلطان عمان وزنجبار وقطع نصف العالم لتقديم يد الصداقة والسلام مع الولايات المتحدة الأمريكية ليصبح أهل عمان بسفينتهم سلطانة أول سفينة عربية ببعثة رسمية تصل لأمريكا بغرض الزيارة والتجارة والصداقة.

 

وحينها تقدمت سفينة أمريكية حربية ذات الـ74 مدفعا لتقف بجانب السفينة سلطانة وترحب بالوفد العماني ورئيسه، وبعد يومين تم الانتهاء من تسجيل كل الإجراءات الرسمية للسفينة في نيويورك.

 

وقد اجتمع الكثير من المواطنين الأمريكان حول العمانيين نتيجة فضولهم في التعرف على الإنسان العربي العماني وزيه الغريب بالنسبة لهم مما أثار ذلك استياء العمانيين نتيجة كثرة عدد المتجمهرين. وقالت صحيفة الهارليد الصباحية عن ذلك ” كان العرب ينظرون حولهم ويبرمون أشنابهم ويستغربون من نظرات التعجب التي تبدو على وجوه الأمريكيين”.

 

ويقدر حينها عدد سكان نيويورك بنحو 320 ألف نسمة وكانت منتعشة للغاية وصراع الانتخابات بين الحزب المحافظ والحزب الديمقراطي على أشده مع تنامي إعلامي مثير بين الصحف الأمريكية التي وجدت من زيارة الوفد العماني مادة خصبة للكتابة عنها، فقد كتبت صحيفة الهيرالد الصباحية عن ذلك مثلا بقولها ” إنها مفاجأة مثيرة حقا لنا نحن الأمريكيين والسيد سعيد شخصية هامة وطموحة ومحبة للاستثمار وهو قريب من شخصية محمد علي في ”.

 

أما جريدة البوست المسائية فقد كتبت كثيرا عن مساعدة العمانيين للسفينة بيكوك التي تعطلت قبالة جزيرة مصيرة وقالت الصحيفة ” لا يوجد في العالم المسيحي من يتصف بالأخلاقيات السامية التي أصبح العالم ينظر إليها بإعجاب وتقدير مثل ما ظهر في هذه المساعدة من جانب حاكم مسقط”.

 

وقالت جريدة نيويورك الأمريكية : ” يجب تقديم كل التسهيلات الممكنة من جانب الحكومة للبعثة الأولى التي أرسلها حاكم عربي للتجارة مع العالم الجديد، ويجب أن تصبح هذه التسهيلات لائقة بما قوبل به الأمريكيون من معاملة حسنة في بلاد السيد سعيد بن سلطان وما غمروا به من كرم عربي بالغ”.

 

في المقابل كان اهتمام الرئاسة الأمريكية وبقية الجهات المعنية بالقرارالأمريكي اهتماما بالغا بالبعثة العمانية وذا طابع رسمي فخم يليق بمكانة السيد سعيد ومبعوثه لهم، فاجتمع مجلس النواب في 4 مايو سنة 1840م، للخروج ببيان تفصيلي عن كيفية الترحيب بالوفد العماني وتدعيم أواصر الصداقة والتجارة بين البلدين.

 

وفي 13 مايو رافق وفد رفيع المستوى من أعضاء مجلس الشيوخ مبعوث السلطان أحمد بن النعمان الكعبي والوفد العماني المرافق له إلى جولة في أرجاء مدينة نيويورك ومعالمها، فزاروا معهد ومركز رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، وتناولوا غداءهم في منزل الرئيس السابق للمجلس ويدعى وليام، ثم ذهبوا لزيارة سكة حديد هارلم، ثم ذهبوا لزيارة معالم جزيرة بلا كويل وبلفيو وبعد ذلك تم إكرامهم بعشاء رسمي في قاعة مجلس المدينة.

 

وفي اليوم الثاني تم تخصيص زيارة رسمية للوفد العماني إلى مرسى وحوض الأسطول الحربي الأمريكي وتم استقبالهم بالحرس وزيهم الأبيض الرسمي متجهين بالضيوف إلى قلعة جاردن في مشهد مهيب مع إطلاق 13 طلقة مدفع تكريما لهم خاصة حينما ذهبوا لزيارة السفينة الحربية كارولينا الشمالية مع اصطفاف الحرس بهيئتهم الرسمية لاستقبالهم.

 

وحينما حان وقت الغداء توجهوا جميعا إلى منزل قائد البحرية رانشو وهناك تناولوا أفخر أنواع الطعام المعد لهم على أنغام الموسيقى البحرية بحضرة جليرت ديفز حاكم جزيرة كونوي.

 

وكان أحمد بن النعمان الكعبي محط أنظار الجميع لذكائه وهيبته ورزانة حديثه وظل الحفل مستمرا حتى العشاء.

 

وفي اليوم الثالث تم دعوتهم لاستخدام القطار الممتد من مدينة لونج أيلاند إلى هكسفيل، وهناك احتشد عدد كبير من الرجال والنساء لمشاهدة الوفد العماني وبملابسه العربية المميزة وتمت رحلة القطار للضيوف وبوجود شخصيات رسمية أمريكية وعدد من مراسلي الصحف المشهورة لديهم، وكان القطار يسير بالضيوف وجميع من كان يقطن بجانب السكة الحديدية من المزارعين والعامة خرجوا لمشاهدة العمانيين تزامنا مع هذا الحدث المهم للبلدين.

 

ووصل القطار لمدينة جامايكا وهناك تم استقبالهم رسميا وبشكل مبهر مكملين بعد استراحتهم رحلة القطار الذي وصل لمدينة هايكفيل وهناك كان كذلك ترحيب رسمي مع احتشاد عدد كبير من الناس لمشاهدة العرب العمانيين وقد أقيم هناك حفل كبير في فندق المدينة سترال جراندأوتيل، لكن لم يطول المكوث فيه لاستياء الوفد العماني من وجود الخمور في موائد الطعام، ففضلوا المغادرة بعد وقت قصير من ضيافتهم عائدين إلى نيويورك، وقد كتبت صحيفة الهيرالد عن هذه الجولات كالتالي :

 

” أثار العرب منذ أن جاؤوا إلى هذه البلاد الكثير من الاهتمام والعطف وقد شاهدوا كل شيء وزاروا أماكن كثيرة غمرتهم بمختلف أنواع الهدايا على أن ما رأوه لا يثيرهم لدرجة الدهشة وكانوا دائما على استعداد للتحدث وهم باسمون، وأعينهم ناظرة إلى كل شيء باهتمام”.

 

الجدير بالذكر أن الرسمة المشهورة لأحمد بن النعمان الكعبي قد تم رسمها في نيويورك بحضوره بيد الفنان المشهور موني، وقد اشترى مجلس مدينة نيويورك هذه الصورة حينها بمبلغ 500 دولار بعد مغادرة السفينة سلطانة نيويورك.

 

واستمر هذا الحال لمدة شهرين من الترحاب وحسن الضيافة مع التفاهم على تطوير العلاقة بين البلدين، وخلال هذه الفترة قامت الحكومة الأمريكية بصيانة وإصلاح السفينة سلطانة لتهيأتها للوفد العماني خير تهيئة لتصمد بكل قوة في رحلتها الطويلة لعمان.

 

وقبل ذلك حدث جدال كبير جدا في الحكومة الأمريكية في قضية هدايا السيد سعيد للرئيس الأمريكي فالقانون الأمريكي يرفض رفضا باتا تقبل هكذا هدايا على أي عضو في الهيئة التنفيذية أو الحكومية، وبعد اجتماع مجلس الشيوخ في البرلمان تم إقرار بيع الهدايا في مزاد علني على أن تذهب هذه المبالغ لخزانة الحكومة الأمريكية، وتم بيع الحصان الأول بمبلغ 650 دولارا ، والحصان الثاني بمبلغ 675 دولارا ، وبلغ إجمالي بيع الهدايا 993,28 دولارا ، مع الاتفاق على إهداء السيد سعيد زورقا أمريكيا وأسلحة نارية نقش فيها عبارة ” هدية من رئيس الولايات المتحدة إلى إمام مسقط”، وكذلك مرآتين ثمينتين، وشمعدانات مزخرفة فاخرة.

 

وعادت بعد ذلك السفينة سلطانة والوفد العماني بكل سلام ولم يكدر رحلة العودة إلا وفاة الضابط العماني محمد جمعة الذي مات وسقط بموته من السفينة ليغرق وسط البحر دون أن يدركه أحد.

 

وتوقفت السفينة في زنجبار ولم تكمل إلى مسقط لقدوم السيد سعيد إليهم بسفينته المسماة ” المحبوبة” وهناك هنأ السيد سعيد مبعوثه أحمد لنجاح مهمتهم في السفر والعودة سالمين مع تقديم واجب العزاء لعائلة الضابط محمد جمعة، ليطلع بعدها على كل التقارير التي تتحدث عن منجزات هذه الرحلة.

 

الجدير بالذكر أن السفينة سلطانة قد غرقت في عام 1855م وهي عائدة من الهند في إحدى رحلاتها أمام جزيرة وارين بالقرب من بيمبا، لتنتهي قصة هذه السفينة العمانية التي قطعت نصف العالم لزيارة الولايات المتحدة الأمريكية بوفد عماني خلده التاريخ باسم السياسة الناجحة للسيد سعيد بن سلطان الذي كان يدير الإمبراطورية العمانية بكل مساحاتها الشاسعة بعبقرية منقطعة النظير.

 

المرجع : سلطانة في نيويورك، أولى رحلات الأسطول العماني لأمريكا عام 1840م، تأليف: هرمان فردريك ايليس، ترجمة محمد أمين عبدالله، الطبعة السادسة 2015م ، وزارة التراث والثقافة – .