كتب: محمد صلاح (خاص – وطن) “تقرأ اسمك مرتبطًا بأمورٍ لم تسمع بها أصلاً وفي سياقاتٍ تجهلها، فلا تُعلّق لأن الأمر مستحيل التصديق وأبعد من الخيال؛ ثم تجد أن رسميين وغير رسميين وذباب إلكتروني يكررون ذلك على منهج ترداد الكذب الغوبلزي وبإصرارٍ على أمل أن يعتاد الناس على الكذبة. ثمة إسفاف لا يستحق الإنكار أو الاستنكار”.

نشر المفكر العربي تغريدته السابقة عبر حسابه الرسمي على موقع ، مشيراً إلى ما يجري تداوله حوله من إشاعات على مواقع التواصل الاجتماعي التي تُشرف عليها ماكينات إعلام الثورة المضادة؛ في محاولة لربط اسمه بصغائر وكبائر الأحداث في المنطقة.

بدايةً، ما المقصود بـ”الكذب الغوبلزي” الذي أشار بشارة إليه؟ وما منهجه؟ كان غوبلز مؤسس السياسية للحزب النازي، والمحرك الفعلي لرأس هتلر الذي كان في طريقه إلى تدمير ألمانيا وإغراق العالم بحروب مدمرة.

أسس غوبلز لمفهوم الكذبة الكبرى والتلاعب بالعقول والكذب الإعلامي، معتمدًا منهج تكرار الكذب حتى تصدقه الجماهير، وهو نفس المنهج الشعبوي الذي سهّل عليه اغتيال الشخصيات، وفتح طريق الحرب النفسية الموجهة للأتباع وضد الخصوم.

قيل عنه: “في ألمانيا النازية عليك أن تحصل على معلوماتك من غوبلز، هو الذي يعرف ما هو أفضل لك”.

من يقرأ السابق يعتقد أن غوبلز ما زال حيًا، فكثير من الأنظمة الديكتاتورية التي شيدت عروشها من ورق وخطاباتٍ وترهيب نفسي وسياسي، استخدمت نفس المنهجية. فكما استأجر غوبلز الكتاب والمصورين والمخرجين والكومبارسات؛ ليقودوا له الدعاية النازية، استأجرت أنظمة الخراب العربية ذبابًا إلكترونيًا وشخصيات من الرسميين وغير الرسميين، ليغردوا بكذبتهم الكبرى. لكن تنسى تلك الأنظمة أن “المتغطي بالكذب عريان” وأن نظرية غوبلز الإعلامية أثبتت بؤسها، إلا أنهم يصرون أن ينسخوا فنون صناعة الكذب، مع إغفال أن صاحب المنهجية التي يتبعونها، مات منتحراً.

اكذب ثم اكذب ثم اكذب، حتى يصدقك الناس، فلننظر إلى مدى الاستعلاء على الناس في هذه المقولة، وتعاملها معهم بشعبوية تنطلق من سذاجتهم التامة، وهذا ما يفعله قادة أسراب ، فهم يحاولون الوصول إلى المرحلة التي يكونون فيها مصدر المعلومة التي هي بالضرورة كذبة جديدة، هذا لأن غوبلز  كان يتحسس مسدسه كلما سمع كلمة “مثقف”، إلا أن تلك الأنظمة ترتجف عروشها الورقية كلما سمعت ذات الكلمة.

رغم أن الحاصل هو “إسفاف لا يستحق الإنكار أو الاستنكار”، إلا أننا نود أن نفهم لماذا تسعى أنظمة ومن معها من عصابات الخراب في المنطقة لتشويه صورة المفكر عزمي بشارة وتكرار كذبهم في محاولة لاغتيال صورته ومكانته في وعي الشارع العربي.

منذ خروج بشارة من فلسطين إلى منفاه، وقبل أن يعلو بيان من أجل والديمقراطية، قدم لنا كتبًا مؤسسةً مثل”المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي”، الذي يمثل قاعدة فكرية ومعرفية فكك عبرها مجموعة من الأفكار والقضايا المتعلقة بالمسألة القومية العربية ومفهوم الدولة ومشكلات بناء الديمقراطية العربية. ثم انتقل لسؤال “أن تكون عربيًا في أيامنا” مقدمًا لنا كتاباً مرجعيًا عن الفكر القومي والمواطنة الديمقراطية والقضية الفلسطينية ومتغيرات نهاية مرحلة الرئيس الأميركي جورش بوش.

ليس الاستشراف وحده ما يميز النتاج الفكري والمعرفي لبشارة، بل هو تفكيك الحاضر واستدعاء النماذج والأمثلة من الماضي في سياقاتها الدقيقة، وهذا ما قد يبرر شعور بعض الأنظمة بالعُري أمام كتابات وكلام بشارة.

جاء حاملًا معه بشائر إلى دولنا العربية، وقدم لنا بشارة في حينها “الثورة والقابلية للثورة” الذي ناقش فيه مفهوم الثورة معرفًا إياها: “الثورة، هي تلك اللحظة التاريخية التي تتحدى فيها إرادة الشعب الحرة نظام الهيمنة والسلطة، وأدوات السيطرة والتسلط، تلك اللحظة التي لا يبقى فيها الشعب مجازًا على ألسنة المثقفين، ورمزًا في أذهان نقاد الأنظمة، بل يصبح واقعًا فعليًا عينيًا نسبيًا، له لون وطعم ورائحة وعرق ودم يخرج في الثورة أفضل ما لديه في حضور الدولة، أو أسوأه، في حالة غيابها”، وناقش أيضًا إشكالية المثقف والثورة والمسافة النقدية التي على المثقف أن يتخذها من الثورة بعد الانضمام لها، وفرّق بين الثورة على الثورة والانقلاب عليها.

استشرف بشارة أيضًا الثورات المضادة، والتي اتضح لنا لاحقًا أنها في صلبها ترتكز على محاولة تشويه القيادات الفكرية والثقافية التي انحازت إلى الشعوب بالمنطقة وحقها في الحرية والكرامة، كي تخلو الساحة لأبواق الأنظمة الرجعية ومواكب فاسديها.

منذ بداية الربيع العربي قدم بشارة مداخلاتٍ قيمة عبر مجموعة من مقالاته التي كان ظاهراً فيها حماسه وآماله لمسار التحول الديمقراطي في العالم العربي، يمكن أن نقرأ ذلك في مقاله في شباط 2011 بعنوان “الثورة المصرية الكبرى” الذي ناقش فيها استراتيجية الثورة وآفاقها وطريق الإصلاح والثورة وحذر من احتواء الثورة عبر تلخيصها بمطلب رحيل الرئيس، وفند محاولات النظام لتسطيح مطالب الثورة، ملخصًا الحالة العربية في تلك اللحظة بقوله: “لقد عاد الشعب إلى ذاته وعادت مصر متصالحة مع ذاتها، ويبدو أن العرب في المرحلة الحالية إنما يتصالحون مع ذاتهم عندما يخرجون ضد الأنظمة الاستبدادية الحاكمة”.

لم يتوقف بشارة هنا، فقد كان مقاله في تموز من نفس العام “أفكار ميثاقية لأي ثورة عربية ديمقراطية” خارطةً تنطلق من ضرورة توفر أفكار ومبادئ ميثاقية لأي ديمقراطية عربية “يقوم على أساسها عهد  بالالتزام بقيم الثورة بين قوى الثورة وجمهورها و بين القوى السياسية المتنافسة المؤهلة للحكم”. كان الميثاق بجوهره يهدف إلى حماية الثورة وتطلعاتها، مع ضمان تحركها باتجاه وضع أفكار وقيم تستند عليها صياغة مبادئ الدولة الديمقراطية العربية.

ثم تظهر وقفته الجادة في صف إرادة الشعوب وتطلعاتهم في مقال آخر بعنوان “من وحي ثورات عربية جارية في آب 2011 إذ يقول: “الثورات هي حركة ضد الأنظمة السلطوية بأشكالها المختلفة” مشيرًا إلى أن “هذه الأنظمة صادرت جميعها حقوق المواطن الفرد، واحتكرت مصادر القوة”، وفند ادعاءات تلك الأنظمة التي تباينت بين استخدام لنظرية المؤامرة والذي قال عنه “هذا الاستخدام يتضمن استخفافًا بعقول الناس واستهانة بفقدانهم لحقوقهم”.

فند بشارة أيضًا حجج النظام الذي يبرر الاستبداد كضرورة للحفاظ على الوحدة الوطنية، أيضًا عن الأنظمة “المقاومة” وعن استخدامها لهذه الصورة التي ترى نفسها فيها. يقول بشارة: “أي مقاومة للهيمنة الاستعمارية ترى في نفسها موقف أقلية تحافظ على سلطتها بالاستبداد ضد الأغلبية لا يمكن أن تبقى مقاومة”، وهذا يحيلنا أيضًا إلى مقال لاحق نشره في عام 2014 بعنوان “الإثم الأكبر: استخدام قضية عادلة لتبرير الظلم”، تحدث فيه بشارة عن الأنظمة التي تستخدم القضايا العادلة في تبرير ظلم الشعوب وتسببهم بتنفير تلك الشعوب من القضايا العادلة.

يقول أنطونيو غرامشي في مذكراته: “أنا أكره الحيادية، أؤمن أن العيش يعني أن نكون إلى جانب ما”.

فعل بشارة ما يفعله المثقف والمفكر والمناضل الحقيقي، فهو القائل: “وحدها لحظة الثورة هي التي يحق لها أن تسأل: هل أنت معنا أم ضدنا؟”. يضيف: “إن المثقف الذي يقف مبررًا للنظام واعظًا الثوار وهم يتلقون الرصاص في الصدور، والهراوات على الرؤوس، هو كمن يقف ضد الثورة”.

وقف بشارة إلى جانب حقوق الشعوب وحرياتهم، وفي صف التحول الديمقراطي نحو أوطان وقومية عربية تقيم مكانة للإنسان وتحفظ كرامته. لم يكتف بكل ما ذُكر من النتاج المعرفي ومداخلاته الفكرية الجادة، لكنه أسس العديد من المشاريع البحثية والإعلامية والأكاديمية ليحمي ما تبقى من أمل الشباب بأوطانٍ يتصالحون فيها أكثر من ذواتهم، طامحًا لأجيال أكثر وعيًا بقضاياها وامتدادها العربي. لطالما عوّل بشارة على الشعوب العربية؛ فهو القائل: “الثورات العربية أظهرت للعالم من هم العرب. أنهم قادرون على الثورة بثورات أكثر حضارية بالمعنى الحرفي، وإن شئتم بالمعنى الغربي، من كل الثورات الأوروبية”. هذه النظرة التي تُعلي من وعي الشعوب هي نفسها التي تفسر لماذا الهوية العربية ليست شعارًا، بل الهوية العربية حاجة اجتماعية.

لقد عرفنا بشارة من خلال ما قدمه لنا بالدرجة الأولى وكان يكفينا منه ذلك، والآن نعرفه من خلال أضداده ومن يعاديه، فالمفكر الذي تعاديه إسرائيل وعصاباتها الاستخبراتية، ومعها أنظمة إرهابية فاسدة، وأنظمة انقلابية، وأنظمة رجعية؛ هو المفكر الذي ينحاز إلى الشعوب وتطلعاتها أمام تحدي الاستعمار والتخلف والتبعية والاستبداد.