سلّط الأمين العام لمنظمة العفو الدولية، سليل شيتي، الضوء على الخطط الكبيرة التي ينوي ولي العهد السعودي تنفيذها في المملكة، مُقدِّماً رؤية جديدة جريئة تُقلِّص قوة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتمنح المرأة حريةً أكبر.

 

وفي مقال له بمجلة Newsweek الأميركية، قال شيتي إن ولي العهد يسعى لتنفيذ مهمة، ولديه خططٌ كبيرة لمملكته المستقبلية، إذ تعهَّد بتفكيك أوصال التشدُّد المستمرة منذ أكثر من نصف قرن. ولا يمكن اتهامه بانخفاض سقف الطموح، حسب قوله.

 

وأضاف: “ظهرت علاماتٌ مُبكرة على نفوذه المتنامي. إذ ستُرفَع القيود التي تمنع المرأة من القيادة، وتمضي خططٌ لإدخال تطورات اقتصادية طموحة جديدة، وجرت الإطاحة بالعديد من أفراد العائلة المالكة في حملة تطهيرٍ تمت مؤخراً بناءً على طلبه. واستقبلت دولٌ حريصة على تعميق الروابط الاقتصادية مع المملكة العديد من هذه الإجراءات بسعادة. بيد أنَّ المقياس الحقيقي لمدى تحسُّن المملكة ليس عدد المقالات الصحفية المليئة بالثناء، بل شكل حياة السعوديين العاديين”.

 

ولكن في المقابل، تحدّث الكاتب عن تقليص السلطات حرية التعبير بشدة، حيث تُقدِم بانتظامٍ على مضايقة أي شخصٍ يجرؤ على التعبير عن رأيٍ معارض واعتقاله ومقاضاته. فالسلطات لا تتردد في الحكم بالإعدام على مراهقين بسبب المشاركة في احتجاجات مناهضة للحكومة، في حين يُمثِّل التمييز الممنهج والراسخ بحق الفتيات والنساء واقعاً يومياً. وينطبق الشيء نفسه على الأقلية الشيعية في البلاد، التي يُعامَل أفرادها أساساً كمواطنين من الدرجة الثانية، حسب قوله.

 

وفي ظل هذه الأحداث، تُعَد رغبة ولي العهد في أن يُنظَر إليه باعتباره قوةً دافعة للتغيير علامةً إيجابية وفق ما ذكر شيتي، إلا أنه حذر في الوقت ذاته من ألَّا يقع المجتمع الدولي في فخ التغنِّي بوعودٍ قد تتحقق أو لا، بينما يتجاهل عمداً الواقع الفعلي القائم.

 

وأوضح أنه في الأشهر التي انقضت منذ تعيين ولي العهد، لم نلمس سبباً كافياً يدفعنا للاعتقاد بأنَّ تصريحاته أكثر من مجرد ممارسة دعائية ماكرة. والواقع أنَّ السجل الحقوقي المُروِّع في البلاد لم يتحسن كثيراً.

 

وتشهد المملكة حملة اعتقالات مستمرة تستهدف صحفيين ومنتقدين وعلماء دين. فجميع الناشطين البارزين في المجتمع المدني والحقوقيين في البلاد، ومن بينهم العديد من المجاهرين بمعارضتهم للفساد، تقريباً يقبعون في السجن حاليَّاً. ويبدو ولي العهد عازماً على سحق النشاط الحقوقي في المملكة كما فعل أسلافه تماماً.

 

وتابع في مقاله: “ومن بين أولئك الذين طالتهم الحملة عبد العزيز الشبيلي وعيسى الحامد، العضوين المُؤسِّسين لجمعية الحقوق المدنية والسياسية في السعودية (حسم)، اللذان اعتُقِلا وسُجِنا في سبتمبر/أيلول. ولطالما مثَّلت جمعيتهم ذات القيمة الكبيرة، التي تُبلغ عن انتهاكات حقوق الإنسان وتُقدِّم مساعدة قانونية لأسر المحتجزين دون تهم، شوكةً في حلق السلطات السعودية”.

 

وربما أرادت السلطات تشتيت الانتباه عن حملات القمع المستمرة حين اختارت إصدار مرسومٍ ملكي يمنح المرأة حرية قيادة السيارات في الشهر نفسه الذي شهد هذه الاعتقالات. ولا شك أنَّ هذا التغيير يُعَد خطوة إيجابية بالنسبة للمرأة السعودية نحو الأمام، ومكافأةً للكثيرين الذين دافعوا عن ذلك مقابل تحمُّل كلفةٍ شخصية باهظة.

 

لكن بعد هذا الإعلان، قالت هؤلاء النساء أنفسهن “إنَّهن تلقين تحذيراتٍ هاتفية من التعليق علانيةً ​​على التطورات وإلا سيخضعن للاستجواب”، بحسب الصحيفة.

 

وليست هناك معلوماتٍ كثيرة كذلك عن كيفية تطبيق المرسوم الذي من المقرر أن يدخل حيز التنفيذ في يونيو/حزيران من العام المقبل، 2018. كل ما نعرفه حتى الآن هو أنَّه سيتبع “اللوائح القانونية المعمول بها” دون توضيح معنى ذلك.

 

وفي الوقت نفسه، لا تزال المرأة تعيش في ظل نظامٍ قانوني يُكلِّف أحد أوصيائها الذكور باتخاذ القرارات نيابةً عنها في كل جوانب حياتها تقريباً.

 

لكنَّ أبرز إشارةٍ تحذيرية إلى عدم استعداد المملكة لأخذ حقوق الإنسان على محمل الجد هي ما تقوم به في دولة اليمن المجاورة، حسب قول الكاتب.

 

ففى وقتٍ سابق من شهر نوفمبر/تشرين الثاني، حذَّرت الأمم المتحدة من أنَّ اليمن على شفا مجاعةٍ هائلة لم يشهد العالم مثلها منذ عقود. ومن أبرز أسباب ذلك أفعال التحالف الذي يحارب في البلاد بقيادة السعودية.

 

جديرٌ بالذكر أنَّه منذ أوائل شهر نوفمبر/تشرين الثاني، شدَّدت المملكة العربية السعودية الحصار الذي منع جميع المساعدات الغذائية والمنقذة للحياة تقريباً من الوصول إلى بلدٍ يعاني الجوع والقصف بالفعل. وذكرت منظمة “أنقذوا الأطفال” أنَّ عدد الأطفال اليمنيين الذين يموتون يومياً يُقدَّر بنحو 130 طفلاً.

 

وعلى الرغم من إعادة فتح منافذ الوصول الرئيسية منذ ذلك الحين، ليست هناك أدلة كافية على السماح بإدخال المساعدات التي هناك حاجةٌ ماسَّة إليها، أو ضمان عدم تشديد الحصار مرةً أخرى بعد سيطرة الحوثيين على العاصمة اليمنية صنعاء. أمَّا الشيء المؤكد فهو حدوث زيادة طفيفة في الغارات الجوية التي شنَّها التحالف الذي تقوده السعودية في شهر ديسمبر/كانون الأول الجاري.

 

صحيحٌ أنَّ جميع الأطراف المنخرطة في النزاع ارتكبت جرائم يجب مُحاسبتها عليها، لكنَّ المملكة العربية السعودية قرَّرت في معركتها ضد المتمردين الحوثيين في اليمن أنَّ العقاب الجماعي لمدنيين يمنيين يُمثِّل تكتيكٌ مقبولٌ في الحرب. وهو ليس كذلك.

 

ومع أنَّ السلطات السعودية حريصة على ألَّا يرى العالم الخارجي ما تفعله في هذه الحرب، فإنَّ بعض الصور بدأت تتسرَّب. وينبغي أن نضع في الحسبان هذه الصور بالإضافة إلى صور المُصلحين الحقيقيين في المملكة العربية السعودية الذين يقبعون خلف القضبان في المرة القادمة التي نُفكِّر فيها بلا مبالاة في تأييد جهود ولي العهد الجديد لإحلال الإصلاح.

 

المصدر: هافنتغون بوست عربي