رابعة .. جناية الطغاة والأغبياء (2ـ2)

0

كان نظام “السيسي” الانقلابي، قبل مجزرة “رابعة”، أمام عدد من التحديات الخطيرة التي تؤرق وجوده من الأساس، وذلك قبل تولي “السيسي” الحكم واستقراره فيه، وبناء على رؤية مخابراتية لا نشك في أن جهات أجنبية معادية على أعلى مستوى وضعت أسسها؛ تم اتخاذ خطوات تصاعدية خطيرة؛ وفق التخطيط المُحكم للسيطرة على الكنانة، ولا ننسى في هذا السياق ما قاله قائد الانقلاب من أن وزير الدفاع الأمريكي السابق “تشاك هيجل” كان لا يُفوت أسبوعًا إلا ويهاتفه بالساعات الطوال خلال تلك الفترة، وكان من أبجديات حكم مصر لدى “السيسي” المجازر المتتالية المتصاعدة وصولًا إلى رفع عصا الخوف المُميتة على رقاب عشرات الملايين من معارضيه ليصمتوا، ثم سحب سكينة الأحكام القضائية على رقاب أبرزهم، وبالإضافة إلى الإصابة والمطاردة والتصفية المستمرة حتى اليوم.

   وفيما هذه المعاول يتم إعدادها بالتدريج كانت الجماعة تجمع أنصارها في رابعة من أقصى عمق للقرى والنجوع ومن امتداد مصر كلها، ولغة الخطاب السادة آنذاك هي باختصار تغليب الفكرة الإخوانية، مع ادعاء أنها تستمد أبعادها ومكوناتها العاطفية من روح الله تعالى، فلا يأتيها الباطل من بين أيديها ولا من خلفها، وهي منصورة ما بقيت السماوات والأرض، وما دامت الأنفاس تتردد في الصدور، وأسس نصرها أن الأمر لله ومن سار مع الله لايخيب، والفكرة هذه كانت أججها الخطاب الإعلامي المخيف لـ”منصة رابعة” لتصدر عن علماء دين، مع الاحترام لدينهم، إلا أنه لا علاقة لهم من الأساس بالسياسة وألاعيبها وتراهاتها وسخافاتها، ومن ذلك ما فعله أحد علماء الدين البارزين الباقين في الغربة اليوم بلا محاسبة أو مسائلة أو مجرد اعتذار.. من أخذه 30 ألفًا من الإخوان وأنصارهم من أمام “الحرس الجمهوري” إلى “وزارة الدفاع” “ليتفاوض” مع “العسكر” ويُطالبهم بحضور “السيسي” إليه في الغد ليجلسا “رجلًا إلى رجل”، وإن لم يفعل العسكر فلسوف يأتيهم غدًا، في نفس الموعد، بـ300 ألف شهيد، وفي بعد غد بـ3 ملايين وهلم جرًا؛ والكلمات قالها الرجل أمام “الحرس الجمهوري” ليلة “مذبحة المنصة” ورد العسكر بحقارة تليق بهم بمجزرة مخيفة “المنصة”، ولم يفهم رجل الدين لماذا فعلوا .. وإنما أخذ المئات وذهب في سيارة نصف نقل في اليوم التالي ليزور أرض المذبحة!

   كانت رؤية الإخوان في رابعة تقوم على أن الجماعة منصورة، طالما أذن لها ربها باعتلاء سدة الرئاسة، ومقومات الانتصار لا علاقة لها بـ”الأسباب الكونية” التي جعلت الرسول، صلى الله عليه وسلم، حينما هاجر من مكة إلى المدينة يسلك طريقًا عكسيًا غير المعروف، تلك السنن التي جعلت المسلمين يتلقون هزيمة مريرة في أحد لمجرد مخالفة الرماة للرسول العظيم.

   كانت الجماعة لدى قيادتها على الصواب المُستبين رغم أنها تحكم بلدًا لم تجر دراسة واحدة حول طرق حكمه، ولم تتعرف إلى بنية مؤسساته على نحو واضح، بل لم تقرأ، الجماعة نفسها، إمكانياتها البشرية جيدًا لتختار منها المناسب للوزارات التي كانت لحزبها قبل اختيار المسئولين الصغار والكبار، حَدَّثَ صاحب هذه الكلمات أحد أعضاء لجنة إعلامية كانت مخصصة لتقديم المسئولين الإخوانيين الكبار للرأي العام أيام حكم الإخوان، من أن وزيرًا إخوانيًا كان يعمل سابقًا في شركة للقطاع الخاص ولما تولى الوزارة لم تجد اللجنة له خبرات فصارت تبرز الدورات التدريبية التي نالها، ووزير آخر في وزارة سيادية كان يرفض إعطاء أصحاب المظالم في وزارته ممن سبقوه إليها بعقد ونيف من السنوات وطردهم “أمن الدولة”، وأقر حقهم الوزير العلماني السابق للوزير الإخواني؛ وتحجج الأخير بالعلمانيين وسطوتهم في وزارته.

    ومن مقومات نصر الجماعة في رابعة أن أصحاب الصدور العارية الذين يواجهون الرصاص إن ماتوا فهم شهداء، وإن مات القتلة فهم في النار، وهي مقومات فُتيا متكاملة لكن الدين لم يقل بها، كما لم يقل الرسول العظيم بحرب بلا سلاح وإلا لما مكث في مكة 13 عامًا متحملًا أذى قريش، فضلًا عن أن “العسكر” مسلمين لا كفارًا، وإن كانوا مجرمين، ولذلك راح بعض العلماء المحسوبين على الجماعة يبحثون عن حوادث فردية في التاريخ الإسلامي لتعميمها في هذا الشأن ..

وكان المُناقش للإخوان في هذه الأجواء إن سأل عن النتيجة، المُتوقعة بحساب العقل لا العاطفة الإخوانية المتأججة والحمية للتنظيم قبل الشرع، وللسلطة قبل العقل، وللحلم قبل الحقيقة ..فإن سأل أحد العقلاء بين صفوف الإخوان أُتهم بالتخذيل والشك في آيات الشرع الحنيف والأحاديث!

    إن مجزرة “رابعة العدوية” خير شاهد على ترجمة مقولة أمير المؤمنين “عمر بن الخطاب”، رضي الله عنه، “اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر وعجز الثقة”، فالعسكر وقائدهم كانوا يفكرون وفق “أسباب كونية” وأسس، وإن كانت فاسدة، ويستقوون بقرارات الإخوان غير السديدة أيام حكمهم وأبرزها ترقية “السيسي” وتوليته، والصبر على خطاياه دون سند من منطق أو عقل ومن قبل شرع، فتقرير لجنة تقصي الحقائق المرفوع للدكتور “مرسي” في 31 من ديسمبر/كانون الأول 2012م قال بإن “السيسي” أشرف بنفسه على مجزرة قتل الثوار في ميدان التحرير قبل 11 من فبراير/شباط 2012م، ولم يفعل الدكتور “مرسي” شيئًا على مدار 7 أشهر من وصول التقرير إليه حتى سجنه “السيسي” وأطاح بالجماعة..!

   مجزرة “رابعة العدوية” وشقيقاتها ليست فرصة للندب وضرب الخدود .. بل استمرار التكسب من جانب قادة وآخرين محسوبين على الصف بطرق غريبة ومريبة، بل تحتاج المجزرة في ذكراها إلى إعادة نظر في الأسباب التي أدت إليها، والنتائج المترتبة عليها، واللحظة الراهنة وكيفية التخلص من أساها ومراراتها، ولو أعلن المخطئون تخليهم عن أماكنهم وإفساحهم المجال لآخرين أكثر قدرة على الفهم وإدارة الواقع كما هو .. لا كما في الأوهام والمنامات الليلية وأحلام اليقظة .. وإلا فأمام الجماعة تاريخ طويل من المآسي وربما نسيان التاريخ لها!

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More