وأخيرا خرج الخلاف بين أساتذة وإدارة معهد الصحافة وعلوم الإخبار إلى العلن بعد أن نتُنت رائحته ولم تترك أنفا إلا وأزكمته خلال السنوات الأخيرة التي عرفت صراعا إيديولوجيا لم يسبق وأن عرفته الجامعة الحكومية الوحيدة في تدريس الإعلام، والذي شُنّت فيه أمّ المعارك وسُلّت فيه السيوف على أبناء الجامعة الواحدة وراح ضحيّته الطالب الذي لعن اليوم الذي دخل فيه “قلعة الإعلام” في تونس.

الصراع بين إدارة معهد الصحافة التي تولّاها الدكتور منصف العياري في شهر فيفري 2015 خلفا للدكتورة سلوى الشرفي، و”الأكابرية” لم تبدأ فصوله خلال الشهر الجاري وفق ما يظن البعض، بل إن هذه “الحرب الباردة” التي أضحت “حارقة” قبل أسابيع قليلة، دارت فصولها الأولى خلف أبواب المجلس العلمي المغلق الذي خيّر بعض أعضائه أواسط العام الجامعي المنصرم، نقل الصراع من الساحة الأكاديمية إلى الشبكة العنكبوتية، بإنشاء حسابات وصفحات “فيسبوكية” بأسماء وهميّة لنشر الغسيل الداخلي للمعهد.

كان هذا الأسلوب “الرخيص” الذي انتهجه بعض أساتذة المعهد الذين يشار إليهم بالبنان بفضل رتبهم المهنية العالية ودرجاتهم العلمية المتقدّمة وهم أعضاء بارزون في المجلس العلمي ولم يحضروا إلا بعض اجتماعاته طيلة السنة الماضية، كان إعلاما صريحا للطلبة بأن الأخلاقيات التي درّسناها لكم لا تعدو أن تكون نظريّات غير صالحة للتطبيق عند أوّل امتحان مهنيّ يعترضكم أو خصومة شخصيّة تكونون طرفا فيها.

حاولت هذه الصفحات والحسابات الوهمية تشويه مدير المعهد منصف العياري وعددا من الأساتذة الآخرين، مستخدمة في ذلك صورا كاريكاتورية وتدوينات صريحة تتهمه وآخرين بالفساد وإهدار المال العام والمحاباة والتعاطف مع حزب وتيار سياسي معيّن وغيرها من التهم التي يعرف المطّلع على كواليس ما يحدث في المعهد الواقفين وراء كتابتها وأهدافهم من ذلك.

من الجيّد التذكير بأن كل الإدارات التي تعاقبت على معهد الصحافة بعد 14 جانفي 2011، كانت فاشلة بالإجماع، فالمقررات الدراسية ضعيفة وغير قادرة على تخريج صحفيين واتصاليين متمكّنين، كما أن التجهيزات المتوفّرة والتي تجاوز عمر بعضها العشرين سنة عاجزة عن تكوين إعلامي متمرّس في المجال السمعي والبصري وحتى المكتوب، هذا بالإضافة إلى سوء التنظيم وحب التسلّط الذي ينتاب بعض التقنيين والإداريين الذين شكّلوا إدارة موازية مهمّتها تعكير صفو النظام الداخلي لا غير.

في وقت سابق، همّش نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي معهد الصحافة وسدّد له ضربة قاضية أفقدته بريقه، وذلك من خلال نفيه من قلب العاصمة “مونفليري” إلى المركّب الجامعي بمنّوبة، حتى أصبح الطالب يبذل الساعات الطوال من وقته ليصل إلى الجامعة لدراسة مقرّرات لطالما أكد المختصّون عدم مطابقتها للمواصفات العلميّة والمهنيّة المتعارف عليها في سوق الشغل، وهو ما تواصل بعد سقوطه بسبب عجز أبناء “السلطة الرابعة” عن افتكاك أبسط حقوقهم.

لقد جنت الإدارات المتعاقبة على معهد الصحافة والخلافات الشخصية بين الإدارة الحالية والموالين لها من جهة وبين “ترويكا الاتصال” تزيد واحدا أو اثنين حسب الحاجة من جهة أخرى، على التكوين داخل أسوار “قلعة الإعلام” في تونس، فطوال العام تشهد المجالس العلميّة خصومات شخصيّة بين “شقّ المنصف” و”شقّ سلوى” سرعان ما تحوّلت إلى استقالات متعاقبة ومحاولات جدّية لحشد الطلبة في أحد المعسكرين المتصارعين الذي يؤيّد أحدهما رئيس جامعة منوبة شكري المبخوت.

“ترويكا المعهد” المتكوّنة من 3 إلى 6 أساتذة يزيدون ولا ينقصون، أرادوها حرب تصفية حسابات بمساندة “المبخوت” حتّى وإن زادت في تشويه سمعة المعهد، مستخدمين في ذلك المقالات الجاهزة غير الممضاة للنيل من أستاذ بعينه ومنعه من مناقشة رسالة الدكتوراه رغم صدور قرار قضائي يتيح له ذلك، وهم الذين صدّعوا رؤوسنا بالمناداة باستقلالية القضاء واحترام أحكامه أملا في تكريس “الجمهورية الأفلاطونية الفاضلة”.

كان على أعضاء لجنة الدكتوراه الذين شنّوا أمّ معاركهم على إدارة المعهد أن يتريّثوا قليلا وأن يحفظوا ما تبقّى من سمعته التي ازدادت سوءا خلال السنوات الأخيرة، وأن يتخّلوا عن معتقداتهم الإيديولوجية الاستئصالية التي ترفض كلّ معارض لفكرهم ورؤيتهم واسألوا الطلبة عما عانوه جرّاء نقاشاتهم معهم في مواضيع بعينها، لأن سقوط هيبة هذه المؤسسة العريقة لن يستفيد منه إلا المصطادون في المياه العكرة وما أكثرهم.

سمعة المعهد أصبحت على كل لسان، وأسراره ملقاة في كل مكان، وسلطة الإشراف تستمتع بمشاهدة هذه الفتنة بين أبناء الجامعة الواحدة ولم تحرّك ساكنا، فقط محاولات محتشمة لاحتواء الأزمة أو توريط طرف دون آخر، والضحيّة بدون شك سيكون الطالب الذي ترك أهله وعائلته وأصدقاءه لشدّ الرحال نحو معهد الصحافة ودراسة الإعلام على أصوله، لأنه ين يجد أكثر من مقرّرات أكاديمية بالية وصراعات أيديولوجية أزكمت رائحتها النتنة أنوف آلاف الصحفيين الذين سبق لهم التخرّج من الجامعة الحكومية الوحيدة لدراسة علوم الإعلام والاتصال، فمتى ينتهي هذا المسلسل سيّء السيناريو والإخراج؟