نشرت صحيفة “واشنطن بوست” الامريكية تقريرا عن خطاب الرئيس الأمريكي الموجه للمسلمين, والذي وصفه مستشار الأمن القومي «ماكماستر» بأنه «خطاب ملهم ومباشر»، لتوحيد العالم الإسلامي الأوسع ضد أعداء مشتركين ولإظهار التزام أمريكا مع شركاءها .

 

وهذا الخطاب يكمل 180 من الخطابات النارية التي ساعدت «ترامب» على الفوز بالبيت الأبيض، وهو يظهر مدى سرعة التغييرات السياسية: كان استخدام المسلمين كبش فداء مفيدا عندما سعى «ترامب» للرئاسة. الآن، يحتاج «ترامب» إلى إظهار أنه يستطيع إصلاح الأمر للمساعدة في تغيير وضع رئاسته المتعثرة.

 

ربما لم يكن هناك شخصية أمريكية في الذاكرة القريبة استهدفت بشكل صارخ دينا من الأديان لتحقيق مكاسب سياسية كما فعل «ترامب» مع المسلمين. وفي عام 2015، دعا «ترامب» إلى «المنع التام والكامل لدخول المسلمين للولايات المتحدة». وفي مقابلة أجريت بعد بضعة أشهر، قال: «أعتقد أن الإسلام يكرهنا». وبدأ إدارته بتعيين الجنرال المخلوع الآن «مايكل فلين» مستشارا للأمن القومي، والذي وصف الإسلام بأنه «سرطان». وتفيد التقارير بأن خطاب الرياض نفسه سيعده مساعد البيت الأبيض «ستيفن ميلر»، الذي كان طالبا جامعيا في مجموعة عقدت أسبوعا للتوعية بالدين الإسلامي. وفق ما ذكرت الصحيفة.

 

لماذا ؟

لقد وقع اختيار «ترامب» على السعودية، بلد المدن الإسلامية المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، كمكان أول خطاب دولي له كرئيس. وقد تواردت التقارير المبكرة من قبل وكالة أسوشيتد برس مشيرة إلى أن الخطاب سوف يناشد المجتمع الإسلامي العالمي من خلال حجة أن الأميركيين «ليسوا هنا لإلقاء المحاضرات على الشعوب الأخرى حول كيفية العيش، وما يجب القيام به، ولكن بدلا من ذلك فإنهم جاءوا ليقدموا شراكة في بناء مستقبل أفضل لنا جميعا». إنها لغة تهدف إلى إرسال رسالة أنه طالما أن الدول الإسلامية تعمل مع الولايات المتحدة في الحرب على الإرهاب، فإنها لن تتعرض لضغوط من أجل تنفيذ إصلاحات سياسية أو في مجال تحسين حماية حقوق الإنسان.

 

ويحرص الخطاب أيضا على تصوير المعركة ضد الدولة الإسلامية بأنها «معركة بين الخير والشر». ولكن كما يلاحظ «شادي حامد» من معهد بروكينغز أنه «حتى الرؤساء أصحاب النوايا الحسنة كافحوا من أجل إيجاد الطريق الصحيح للحديث عن الإسلام»، ولاسيما الرئيس السابق «باراك أوباما»، الذي أمضى جزءا من طفولته في إندونيسيا ذات الأغلبية المسلمة، ولكنه لم يفعل شيئا عمليا لتحقيق الأثر المنشود من خطابه في القاهرة.

 

وبالنظر إلى الكراهية التي يتميز بها خطاب «ترامب»، فإنه من المستغرب إلى حد ما أنه يحاول قول هذا الكلام. فلماذا يذهب في رحلته الأولى إلى العالم الإسلامي؟

 

خلال حملته الرئاسية وفى الأيام الأولى من إدارته، أعرب «ترامب» عن وجهة نظره بأن حلفاء الولايات المتحدة يجب أن يساهموا بنصيب أكبر من تكلفة الأمن العالمي. وهاجم الرئيس حلفاء الناتو لعدم دفع حصتهم من تكاليف الدفاع. وفي وقت ما، طرح فكرة تطوير اليابان وكوريا الجنوبية لردعهما النووي الخاص بكوريا الشمالية. وقال إنه يجب على الدول الإسلامية تحمل المزيد من العبء في المعركة ضد الدولة الإسلامية. وتحقيقا لهذه الغاية، قال «جوش روجن» في صحيفة واشنطن بوست هذا الأسبوع، أنه في حين أن الرئيس في السعودية يعتزم الدعوة إلى «ناتو عربي»، فإن السعوديين ركزوا جهودهم العسكرية الأخيرة في حرب بالوكالة مع إيران في ، وليس ضد الدولة الإسلامية، وأنهم يقودون بالفعل تحالفا أمنيا قائما بين دول مجلس التعاون الخليجي في الشرق الأوسط.

 

وعلى الرغم من ذلك، وقع «ترامب» مع السعوديين يوم السبت اتفاقية بيع الأسلحة لمدة 10 سنوات بقيمة 350 مليار دولار، مما يتيح للمملكة المزيد من الوصول إلى الطائرات المقاتلة والمروحيات والأجهزة العسكرية الأخرى أكثر مما كان عليه بالفعل بعد أن وافقت إدارة «أوباما» مع مرور الوقت بيع قسم منها بمبلغ 115 مليار دولار.

 

تحسين الصورة

لا شك أن «ترامب»، بعد الجدل حول تحقيقات متعددة مع فريقه حول العلاقة مع ، يريد أن يظهر  في الخارج على الأقل، بشكل يصور أنه يمكنه الحصول على شيء ما. لكن الخطاب يمكن أن يشكل مخاطر.

 

ليس هناك دليل على أن صفقة الأسلحة سوف تعني أن «ترامب» سيحصل على عائد فوري للاستثمار في شكل مشاركة عسكرية مباشرة أكثر من السعوديين أو قادة الدول العربية السنية الأخرى في المعركة ضد الدولة الإسلامية. وهو يخاطر أيضا بتصعيد الفجوة بين الشيعة والسنة في الشرق الأوسط من خلال السماح للسعوديين بتهيئة المسرح الإقليمي.

 

وقد دعت الحكومة السعودية، من جانبها، «فؤاد معصوم»، الرئيس الكردي للعراق، إلى حضور الخطاب، لكن رئيس الوزراء العراقي الأبرز «حيدر العبادي»، وهو شيعي، قد تم تجاهله.

 

وإذا كان «ترامب» سيدخل في نقاش حول عملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، فإن تصوره حول القضية يتسم بالسذاجة. ويضاعف ذلك اختيار الرئيس المبكر لصهره غير الخبير، «جاريد كوشنر»، مبعوثا. وكانت دول قد أعربت عن رغبتها في تحسين العلاقات مع (إسرائيل) إذا ما تجاوب رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتانياهو» مع هذه العلاقات. ولكن ليس من المحتمل أن يسعد الفلسطينيون ولا الإسرائيليون بذلك، فإدارة «ترامب»، حتى الآن، لم تكسر شيئا من السياسة السابقة. ولا تزال المستوطنات الإسرائيلية تبنى في الأراضي الفلسطينية، ولا تزال السفارة الأمريكية في (إسرائيل) في تل أبيب، وليس في القدس كما يأمل نتنياهو.

 

ولا تزال الولايات المتحدة مسؤولة عن زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط منذ غزو العراق واحتلاله في عام 2003، الأمر الذي جعل من الممكن لمجموعات مثل الدولة الإسلامية أن تزدهر في نهاية المطاف. ولاستعادة أي نوع من الثقة في المنطقة سوف تتطلب أكثر من مجرد الخطابات. وستكون خطة مارشال جديدة في الشرق الأوسط  لإعادة بناء الصومال وليبيا والعراق واليمن وسوريا وأفغانستان  بداية، ولكنها تتطلب التزاما سياسيا واقتصاديا أكبر مما قد يقدمه «ترامب». إن الطموحات، والدعوات إلى تعزيز القوة العسكرية، دون إظهار خطة، ليست كافية لإنهاء الإرهاب أو تعزيز علاقات أكثر استمرارية.

 

المصدر: ترجمة وتحرير الخليج الجديد