- كتب شمس الدين النقاز”-  أثار خطاب ردود أفعال غاضبة في أوساط التونسيين، بسبب إعلانه عن تكليف الجيش بحماية الشركات البترولية والمنشآت الحيوية بالبلاد.

 

وقال السبسي خلال خطاب ألقاه صباح الأربعاء بقصر المؤتمرات بالعاصمة، إنه قرّر بعد استشارة مجلس الأمن القومي أن يتولى ابتداء من اليوم حماية الدولة ومناطق إنتاج الثروات من بترول وفوسفات وغاز، مشيرا إلى أنه اضطر لاتخاذ هذا القرار لحماية موارد الدولة وعملية الإنتاج التي يكلف تعطيلها الدولة التونسية الكثير من الخسائر.

 

وأضاف أنه سيمنع من الآن أي إغلاق للطرقات كشكل من أشكال الاحتجاج، كما انتقد دعوة البعض للنزول إلى الشارع احتجاجا على قانون المصالحة الاقتصادية والمالية الذي تقدّم به إلى البرلمان.

 

واستنكر عدد من السياسيين والناشطين القرارات التي أعلن عنها السبسي خلال خطابه في وقت تعيش فيه البلاد على وقع احتجاجات شعبية في مناطق متفرّقة.

 

وتشهد محافظتي تطاوين وقبلي جنوب تونس، احتجاجات للمطالبة بحق هذه الجهات من ثرواتها الباطنية، ففي تطاوين، يعتصم الآلاف للأسبوع الثالث على التوالي، في منطقة الكامور التي تعد المنفذ الرئيسي التي تمر منه أغلب شاحنات الشركات النفطية والغاز نحو حقول النفط بالصحراء التونسية، كما انتشرت خيام وتجمعات معتصمين بمناطق عديدة من المحافظة، وقطع المحتجون العديد من منافذ المدينة منها الطرقات التي تسلكها شاحنات النفط والغاز، والطريق المؤدية إلى المعبر الحدودي البري مع ليبيا الذهيبة – وازن.

 

“عهد خطاب بكل حزم ولّى وانقضى”

وفي إطار تعليقه على ما ورد في خطاب قائد السبسي، أكد الرئيس السابق منصف المرزوقي أن “عهد خطاب “بكل حزم” ولّى وانقضى”.

 

وقال المرزوقي في تدوينة على صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” رصدتها “وطن” إن “وجود المؤسسات الديمقراطية لا يعني منع الناس من مواصلة التعبير عن آرائها والدفاع عن حقوقها خارج هذه الأطر وبتوازي معها ومن ثمة جعل الدستور ….. مشيرا إلى أن التظاهر السلمي حقّ لا مساس به تحت أي ذريعة، وأن قانون المصالحة مع الفاسدين للإلغاء ولا تفاوض حوله.

 

ورأى أن محاولة وضع اليد على المسار الانتخابي في كل الاستحقاقات لرفض التداول المحتوم بحكم الإفلاس التام للرئيس الحالي وحكومات الكفاءات القادرة على تخريب أربع دول…عمل عبثي لا يجب لا على هذه السلطة ولا على عرابيها مجرد التفكير فيه لأنه سيقود لثورة ثانية.

 

وختم الرئيس السابق تدوينته مؤكدا أن إقحام الجيش في نزاعات ذات صبغة نقابية سياسية خطّ أحمر، لأن جيشنا الأبي للدفاع عن الحدود ومحاربة الإرهاب وليس ورقة في أيدي من لم تعد لهم أي ورقة.

بدوره قال العضو في الهيئة التسييرية لنداء تونس رضا بلحاج إنّه كان على السبسي تناول الحركات الاحتجاجية بأكثر عقلانية واعتدال.

 

وأضاف في تصريح إعلامي “كنا ننتظر أيضا من السبسي تجاوبا صغيرا مع مبادرة حوار وطني بخصوص أزمة حكم البلاد”، مشيرا إلى أن الرئيس التونسي أراد الدفاع على مشروع قانون المصالحة الذي تقدّم به لكنه في الأخير قرّر تسليم الأمر للبرلمان.

 

من جانبه، قال رئيس شبكة دستورنا، جوهر بن مبارك، إن خطاب الرئيس التونسي، كان عاديا ولم يتضمن الجديد على الرغم من الانتظارات الكبيرة التي سبقته، مشيرا إلى أنه تضمن بعض النقاط التي وصفها بـ”الخطيرة والاستفزازية”.

 

واعتبر أن قائد السبسي قد أرسل للمعتصمين في منطقة الكامور من ولاية تطاوين، رسالة مفادها “لا يوجد شغل أو تنمية بل يوجد جيش”، وهي ما وصفها بالرسالة “السلبية والاستفزازية التي قد تؤدي إلى تأجيج الاحتجاجات في منطقة الكامور وغيرها من المناطق التي تشهد احتجاجات مماثلة”.

 

وأكد بن مبارك أن قرار السبسي بتكليف المؤسسة العسكرية بحماية المنشآت الإنتاجية، هو إجراء غير مجدٍ، وليس له أي معنى لا من الناحية الأمنية أو السياسية، على اعتبار أن الجيش لا يمتلك، من الناحية العملياتية، القدرات والآليات التي يمتلكها الأمن في التعاطي مع الاحتجاجات المدنية، كما أنه من غير المرجح أن تنخرط المؤسسة العسكرية في عملية التصعيد مع المدنيين.

 

“خطابُ أزمة تحوّل في حدّ ذاته إلى مصدر تأزيم”

وكتب الإعلامي التونسي بقناة “سكاي نيوز عربية” بسام بونني على صفحته الخاصة بموقع “فيسبوك” إنه “ما كان يجب أن يكون خطابَ أزمة تحوّل في حدّ ذاته إلى مصدر تأزيم. الرئيس، وخلال ساعة من الزمن، حاول النأي بنفسه عن مشاكل البلاد والعباد والحال أنّه مصدر رئيسي لتلك المشاكل، ناهيك أنّه نسف الدستور وحوّل نظام الحكم إلى رئاسي بامتياز. أكثر من ذلك، أكّد الرئيس، في خطابه، الاصطفاف ضدّ جميع القوى المعارضة .. ضدّ معارضيه – بمن فيهم محسن مرزوق الذي خصّه لوحده بأكثر من 10 دقائق في بداية كلمته – وضدّ المعتصمين وضدّ رئيس هيئة الانتخابات وضدّ معارضي قانون المصالحة وضدّ جماهير الكرة ..”

 

ورأى بونني أن ما قاله الرئيس تحديدا هو أنّنا إزاء دولة ترعى الفساد وتشرّع له ولا مجال، في نظره ونظر حلفائه، أن تتراجع الدولة – دولته هو كما يريدها ومن وراءه ومن خلفه – عن ذاك الدور المشين الذي يضرب بالمدونة الحقوقية عرض الحائط .. يُضاف كلّ ذلك لتعطيل وعرقلة عمل جميع الهيئات الدستورية والهيئات العمومية المستقلّة بشكل منهجي مدبّر، إلى جانب تغييب أيّ مؤسسة مستقلّة تعنى بمراقبة دستورية التشريعات ..

 

وختم بسام بونني تدوينته التي رصدتها “وطن” بالقول إننا “إزاء مخاطر جمّة مصدرها أساسا الرئيس وشلّته من عائلة وأصهار وحلفاء .. ولم يكن قطاع واسع من الرأي العام مخطئا حين ارتاب من إعلان الخطاب قبل أيام فالرجل ليس أهلا للأمانة، أمانة صيانة الدستور والسهر على تطبيقه ..”

اتحاد الشغل يدخل على الخط

وفي ذات السياق، قال الأمين العام للإتحاد العام التونسي للشغل (أكبر قوة نقابية في البلاد) نور الدين الطبوبي، إن قرار رئيس الجمهورية لن يمنع التحركات السلمية والضغط من أجل الاستحقاقات الاجتماعية.

 

و أضاف أن الإتحاد مع دولة المؤسسات ومع الإضرابات طبقا للقانون مبينا أن الحق النقابي حق دستوري، مفيدا بأن الجيش لن يمنع المنظمة الشغيلة من إصدار برقيات إضراب مشددا أنه لن يتم التراجع عن الاتفاقيات غير المطبّقة باسم الجيش.

 

الأمين العام المساعد لاتحاد الشغل بوعلي المباركي، هو الآخر، شدّد على ضرورة أن لا ينعكس قرار تدخل الجيش لحماية منشآت إنتاج النفط والفسفاط، على الديمقراطية وحرية التعبير التي يكفلها الدستور والقانون.

 

وجدّد المباركي التذكير بموقف اتحاد الشغل الرافض لأي تعطيل للإنتاج رغم مشروعية المطالب في التشغيل والتنمية.

 

“السبسي رئيس للمافيا”

وفي سياق متّصل، وصفت النائب بالبرلمان التونسي والقيادية في حزب التيار الديمقراطي، سامية عبو، خطاب الرئيس الباجي قائد السبسي اليوم بالمهزلة على مستوى الشكل والمضمون، معتبرة زلة لسانه التي قال فيها “إن الحق كان زهوقا” بالأمر الذي أراد فعلا قوله.

 

وبينت سامية عبو أن السبسي أثبت اليوم أنه ليس رئيسا للشعب التونسي بل لفئة منه، قائلة “أثبت أنه رئيس للمافيا”.

 

وبخصوص الاحتجاجات الشعبية ومطالب معتصمي الكامور، أفادت عبو أن الأفضل للسبسي لو تحدث عن تفهمه لمطالبهم ودعوتهم للحصول على حقهم في الثروات النفطية، والتعتيم المسلّط على الموارد الطبيعية في تونس، لكنه مع الأسف قال لهم بطريقة غير مباشرة أنتم لا شيء، على حدّ تعبيرها.

 

وقالت عبو إن استعمال السبسي لمؤسّسات الدولة متمثلة في أخطرها وهي المؤسسة العسكرية يهدف إلى حماية مصالح فئة معينة، وهو استغلال واضح لصفته كرئيس للجمهورية ولصلاحياته على اعتبار أن الجيش تحت سلطته كما يثبت أيضا أنه يتخبط في حالة من الضعف.

 

خطاب السبسي مطمئن والجيش سيطبق الأوامر

في المقابل، وصف المكلف بالشؤون السياسية لنداء تونس، برهان بسيس، الخطاب بالمطمئن، مضيفا أن رئيس الجمهورية كان واضحا في ردّه على جملة من المسائل من ذلك الدعوة لانتخابات مبكرة و رحيل الحكومة.

 

وعن الانتقادات التي وجهت لقرار تولي الجيش حماية مناطق الإنتاج، أشار بسيس إلى وجود مبالغة في فهم الموضوع، مضيفا أن الرئيس لم يقل إن الجيش سينزل إلى الشارع لقمع الحريات بل لحماية المنشآت وأن حق التظاهر يكفله الدستور.

 

وحول موقف المؤسسة العسكرية من قرار الرئيس الباجي قائد السبسي، قال بلحسن الوسلاتي المتحدث باسم وزارة الدفاع التونسية، إن الجيش ملتزم بتنفيذ تعليمات رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة، المتعلقة بتكليف المؤسسة العسكرية بحماية المنشآت الإنتاجية.

 

وأضاف الوسلاتي أن الوزارة بصدد “التنسيق مع وزارة الداخلية والجهات المعنية بخصوص آليات وإجراءات تنفيذ ما أعلن عنه رئيس الجمهورية، علما بأن الجيش التونسي يقوم حالياً بحماية عدد من هذه المنشآت”.

 

شباب الكامور يؤكدون مواصلة اعتصامهم السّلمي

وحول موقفهم من تهديدات الرئيس التونسي، أكد الشباب المعتصم بمنطقة الكامور في تطاوين أنهم سيواصلون اعتصامهم السلمي إلى حين تحقيق مطالبهم.

 

وقال علاء الدين الونيسي أحد معتصمي الكامور إنّ تهديد المعتصمين بالجيش التونسي لن يثنيهم عن اعتصامهم، مشدّدا على أن الشباب الذين يقارب عددهم الألفين، متمسكون بالاعتصام وطابعه السلميّ وحتى في حال التدخل الأمني والعسكري فإنهم لن يبادروا بالمواجهة وردّ الفعل وسيتمسكون بالسلمية.

 

واعتبر الونيسي أنّ مهمة الجيش تتمثل في حماية الحدود وليس في معالجة الملفات الاجتماعية، مبيّنا أنّ ما أعلن عنه السبسي ليس إلا محاولة لإقحام المؤسّسة العسكرية في هذه المسألة، معبّرا عن ثقته في الجيش التونسي.