تُعد من أكثر فنون الشعوب تنوعاً وثراء رغم أن البوادي العربية بقيت على مر العهود جزراً منعزلة عن التأثيرات الثقافية والاجتماعية التي تعرضت لها الحواضر، ورغم ذلك طورت لغتها التعبيرية الشعرية والغنائية ضمن مناخات بيئية بالغة الخصوصية والفرادة.

 

ومن أكثر أنواع الفنون انتشاراً وشهرة البوذية والهوسة والنايل والسويحلي والبستنة والمواليا والحداء والسامري والهجيني التي تؤدى بمصاحبة الربابة على الأغلب أو ترافقها آلات أخرى كالطبل أو التصفيق بالأيدي.

والأغنية البدوية وهي أحد ألوان الغناء الشعبي في الوطن العربي وبخاصة بلاد الشام تعكس حياة البدو وخلوها من التعقيدات، وتمتاز عن سائر أنواع الأغاني الشعبية الدارجة بأنها تتسم بصفة الجماعية علاوة على أن مؤلفها أو مرددها هو مؤديها وملحنها في نفس الوقت كما أن سامعيها هم حفظتها ومرددوها وصائغو شكلها النهائي، وتعتمد الموسيقى المرافقة للغناء البدوي على آلات موسيقية بسيطة هي الربابة بالدرجة الأولى والمزمار والطبل في بعض الأحيان والموسيقى البدوية بالنسبة للبدوي ليست متعة جمالية بل ضرورة حيوية للتفريج عن يأسه والتعبير عن طموحه إلى الطمأنينة وتبدو الأشياء غير طبيعية وغير محتملة في بيئة جافة وقاحلة كالصحراء دون الموسيقى أو الرقصة المعبرة عن الإحساس الذي يعتمل في داخل الإنسان البدوي.

ويرتبط الغناء البدوي على الأغلب بإقامة الأفراح التي تبدأ في نهاية فصل الربيع حين يتكون لدى البدو وفرة من المال من أعمالهم ومن خيرات الماشية. وتستمر طقوس الأفراح لدى البدو ستة أيام متتاليات متصلة ليلاً ونهاراً تقام فيها حلقات الرقص البدوي (الرقص بالسيف) على نغمات المزمار والطبل والربابة التي تعتبر من الآلات الموسيقية التقليدية لعشائر السورية.

 

ومن الفنون التي انتشرت في البادية ورافقت البدوية في حلها وترحالها الذي يعتبر من فنون الأدب الشعبي ذي الصلة ببوادينا وربوعنا العربية، لأنه يعبر عن عاداتها وتقاليدها الأصيلة وهو منبثق من صحرائها ورمالها وفيافيها.

و”ولد فن العتابا في العصر المملوكي أو عصر الانحدار حين راح الشعر العامي يزاحم الفصيح وبدأ الشعراء يزيدون في الإدهاش عبر بديع اسمه “الجناس” وهو من ضروب البلاغة، فالجناس في البديع يكون من لفظين متشابهين في اللفظ ومختلفين في المعنى وعندما انتقل هذا البديع (الجناس) إلى فن العتابا أصبح يتألف من ثلاثة ألفاظ أو سبعة ألفاظ متشابهة في اللفظ ومختلفة في المعنى كما يقول الباحث سلوم درغام سلوم لـ”وطن”  وينسب البعض نشأة العتابا إلى قبيلة الجبور حيث كان أفراد تلك القبيلة يتحدثون مع بعضهم البعض بالعتابا، وبعضهم يقول: إن العتابا ظهرت في بداية القرن الثامن عشر، واستخدمت في مجال الغناء بشكل رائع، ولكن أهل البادية أهملوا هذا الأدب الشعبي ولم يحفظوه، مع أن شعراء العتابا كان لهم التأثير الكبير بين شريحة البسطاء من الناس، وفن العتابا من الأدب الشعبي الذي لا يرى فيه إلا الزركشة والرنة فقد يُطرب سامعيه ويدخل قلوبهم بلا استئذان عبر الألفاظ العذبة والسهلة التي انساقت في صياغة جميلة مأنوسة جذابة، وتشبه هذه الألفاظ الشلالَ الذي يصب الماء من مكان عال إلى منحدر عميق.

ويحيط الغموض بنشأة فن العتابا – كما يقول الباحث عبد الفتاح قلعجي- لـ”وطن” لكن المرجح تزامن انتشار هذا لدى سكان البادية السورية مع بدايات عهد الاستقرار، وبقيت فنون أخرى منتشرة لديهم يؤدونها في حلهم وترحالهم؛ كالحداء والجنابي والقصيدة الشرقية وغيرها. والمرجح أن يكون أول ظهور للعتابا- كما يضيف قلعجي- في نهاية القرن الخامس الهجري فهي استمرار وتطور لفنون شعرية غنائية سبقتها ك “الدوبيت” و”الكان كان” و”القوما” من “قوما سحوراً” واشتُقت “الكان كان” من حكايات وخرافات قديمة، أما العتابا فاشتقت من “العتاب” إذ إنها أغان فراقية حزينة تكثر فيها معاتبة الحبيب كما تشبه العتابا الموال المعروف شعبيا بالأربعاوي نسبة لأبياته الأربعة، وربما انحدرت هذه الفنون جميعاً من “المواليا” التي تعيد إحدى الروايات ظهورها إلى زمن الرشيد بغرض رثاء البرامكة.

والأصل في العتابا أن تأتي على البحر الوافر “مفاعلتن مفاعلتن فعولن” وكثيراً ما ينشز الناظم في الوزن ليترك للمغني هامشاً كي يصل إلى الوزن من خلال الغناء. ومما يساعده في ذلك كون المغني في أغلب الأحيان هو الناظم أيضاً ومقطع العتابا مؤلف من أربعة أقفال، ثلاثة منها بقافية واحدة مجنسة وقافية القفل الرابع مختلفة مردوفة بألف ممدودة يفضل أن يكون رويها الباء، وأحسبهم أصابوا في ذلك فصوت حرف الباء يخرج بالتقاء الشفتين وإطباقهما مع انتهاء الآهة الممتدة من أقصى الحلق، والمتجسدة صوتياً بحرف الألف وبحرف الباء تنتهي كلمات ذات مخزون أو مدلول عاطفي خاص مثل (الأحباب، الأصحاب، الغياب، العتاب )

 

كفن الموال:

ومن الغريب أن مكانة الشاعر العتاب لدى البدو أقل منزلة من شاعر الموال أو المطاول كالرجاز بالنسبة لشاعر القصيدة الفصيحة، فالعتابا في الشعر والغناء هي اللون الأخف، ولهذا كثيراً ما تلي الموال وتُدعى ب “كفن الموال” فإذا غنى موالاً طلب السامعون منه أن يكفَّنه، أي أن يغني العتابا بعده قائلين “كفنو” وقد يرفض الراقصون في جلسات العتابا المدنية أن ينهضوا للرقصة العربية إذا لم يكفن الشاعر مواله ببيت من العتابا.

 

وأخيراً فقد رحل مغنو العتابا ورحلت أيامهم مع تغير مظاهر الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ولم يبق إلا صدى أغنياتهم يتردد في أرجاء الفيافي والأودية وهي دعوة للمهتمين بهذا اللون الممتع من الأدب الشعبي أن يعملوا على تسجيل ما تبقى من محفوظات وسجلات الناظمين والحافظين الذين لا زالوا أحياء وذلك قبل ضياع هذه الثروة الشعبية وفوات الأوان.