الكاتب السوري “نور الدين الهاشمي” : كلُنا نمتحُ من شقاء الأمهات وصبرهن !

0

 

” أديب وكاتب سوري مبدع حمل في داخله همَّ الإبداع وهاجس المغايرة والتمايز في زمن يكتب فيه الكثيرون، تتسم أعماله المتنوعة بأسلوبها الطافح بالسخرية المرَّة من الواقع اليومي بكل ما يتضمنه من تقاطعات الجنون والفرح والمأساة والسعادة والتشظي والأمل، ولأن المرأة هي جزء لا يتجزأ من مجرى الحياة كان لهذا الكائن الجميل حضوره الحميمي في حياته وفي فضاء الكتابة لديه، بدءاً من أمه التي كانت حالة نادرة رغم “أَميتها” وأخته الكبرى وجدَّته، مروراً بابنة الجيران التي أحبها حباً خجولاً بريئاً عبَّرت عنه لغة العيون الصامتة، إلى رعيل من النساء اللواتي فشل في حبهن، وصولاً إلى نصفه الآخر التي وقفت إلى جانبه كسنديانة رغم الأعاصير  كما يقول.

 

جذبه سحر الشاشة الصغيرة فكتب للأطفال عدداً من المسلسلات وأفلام الكارتون والمسرحيات التي عُرضت في العديد من الفضائيات العربية مثل (رحلة الحظ )و( وادي الكسلان )و(سفينة الأحلام ) و(الرجل الآلي ). كما شارك الفنان ياسر العظمة في كتابة مسلسله الشهير (مرايا ) الذي سلَّط من خلاله شعاع النقد الساخر على الزوايا المعتمة والبؤر الفاسدة في المجتمعات العربية بجرأة وشجاعة لافتة، وللكاتب الهاشمي عدة مسرحيات للكبار جُسِّدت على خشبات المسارح منها (الجناح والصخرة ) و( رقصة الممثل الأخيرة )و(الجدار )و( دائرة في الرمال ) ومن أعماله القصصية المطبوعة ( نداء في ليل المدينة ) و( قصة انتحار معلن )و ( الدوران في قاع الزمان ) ومسرحية مشتركة مع الكاتب هيثم يحيى الخواجة بعنوان ( ما زال الرقص مستمراً).

 

* متى عرف الحب طريقه إلى قلبك أول مرة ؟

– عندما كنتُ طفلاً كانت تستهويني الوجوه الجميلة للنساء وآنس إليها واستمتع بالنظر إليها، ولعل أول حب طرق قلبي كان في المرحلة الإعدادية حين خفق قلبي لفتاة في مثل سني كنت أراها وأنا في طريقي إلى المدرسة، لها عينان واسعتان وجديلتان بنيِّتان … أرافقها إلى مدرستها سائراً خلفها حتى تغيب عني ، ومضى عام كامل دون أن أجرؤ على قول كلمة غزل واحدة … وليس هناك سوى لغة العيون الخائفة … إنه الحب الخجول البريء الذي يحاول أن يتلمَّس أسرار الأنثى العميقة .

 

* من هي المرأة التي كان لها الأثر الأبرز في تكوينك الذاتي والإبداعي ؟

– ليست هناك امرأة واحدة أثرَّت في تكويني الذاتي والإبداعي  بل هناك نساء كثيرات أثرَّن بنسب متفاوتة .. هناك أمي التي أصرَّت على تعليمي رغم أنها لا تقرأ ولا تكتب .. وهناك أختي الكبرى التي نالت بذكائها وصبرها شهادة المرحلة الابتدائية في ظروف قاهرة .. هناك النساء اللواتي فشلتُ في حبهن وهناك زوجتي التي تقف الى جانبي وتوفر لي كل أسباب الراحة للكتابة ..

* لنتوقف عند “أجمل الأمهات” بمناسبة عيدهن “كيف كانت علاقتك بها وما مدى تأثيرها في حياتك؟ 

– كل الأمهات جميلات في عيون الأبناء، ولكل أم ميزة ما تزيدها ألقاً ،وما ميَّز أمي هو أنها لم تكن تعرف الحقدَ أبداً وتكره الحديث بالسوء عن الآخرين.. هذه الطيبة المفرطة والثقة بالآخرين أرضعتني الكثير منها،وقد أوقعني ذلك في مشاكل عديدة لأن التسامح والثقة بالناس صارت أمراً صعباً في هذا الزمان ،ومع ذلك فأنا لستُ نادماً .. وما  كان يميَّز أمي أيضاً هو حبها للعلم رغم أميِّتها ، وقد أصرَّت على تعليمنا وكأنها تعوض بذلك عن الحرمان الذي عانته حيث كانت تروي لي دائماً كيف حرمها والدها من التعليم … وما يميزها أيضاً هو حبها الدائم للعمل وحبها الشديد للأطفال،وقد تحدثتُ عن أمي في قصة ( حالة نادرة ) وذكرتُ أنها أرضعت العديد من الأطفال ومن أديان مختلفة .. وكيف نهضت من مرضها الخطير فور سماعها بولادة طفل جديد .

 

* ألا ترى أن  تجربة “الأمومة ” هي التي تضع المرأة على الضفة الأخرى في التجربة الإنسانية وتحوِّلها إلى أرضٍ بور تعاني من مشاق تجديد الحياة والحفاظ عليها ؟

– الأمومة هي أصل الحياة وليس هناك إبداع أجلَّ وأعظم من الأمومة ، وإذا كان الأدب عموماً هو ولادة فإنه لا يرقى إلى مستوى الأمومة التي تبدع الحياة والإنسانية مدينةً في استمرارها للمرأة – الأم – الأصل _ ولو تأملت تجارب الكتَّاب وكل المبدعين لرأيت أنهم يَمتحونَ من شقاء الأمهات وصبرهن والقدرة الهائلة على الجَلد ، وإذا كان الكاتب يبدع وينتظر ثواب ما يبدع من شهرة أو مال فإن الأم تبدع وتضحَّي وتقدم دون أن تفكر أبداً بالثواب .. فثوابها الذي تتمناه هو استمرار الحياة من خلال الأبناء والأحفاد .

* وبالنسبة لجدتك هل كان لها دور في إثراء وعي الطفل الذي كنْتَه ؟

– للأسف فإن جدتي توفيت وأنا في الرابعة من عمري، ولا أذكر سوى أنها كانت مقعدة وعاجزة عن السير بعد أن تعرضت لحادث ، وأذكر أيضاً أنها كانت تستدعيني مع إخوتي وأبناء عمي لنقضي لها بعض الأعمال وتمنحنا السكاكر والنقود، وقد عوض عن حكايات الجدة حكايات أمي لنا في ليالي الشتاء خاصة ، وكتب السير الشعبية التي كان يستعيرها أبي رغم أنه كان أميِّاً أيضاً،وأذكر منها على سبيل المثال ( علي الزيبق ) و( الزير سالم ) وكنتُ أقرؤها عليه وعلى إخوتي وأترنم بالأشعار الشعبية التي ما أزال أحفظها إلى اليوم .

 

عالم سحري

* ما الذي يعنيه الحضور الرمزي للجدة في حياة الطفل برأيك ؟

– الجدة عالم سحري .. إنه الماضي ، لكنه الماضي العابق بالحنان والرأفة .. ترى الجدة في أحفادها استمرارها في الحياة ووجودها .. ولذلك فهي تشعر نحوهم بفيض من الحنان لا ضفاف له … وتبقى صورتها لدى الكتَّاب ماثلة فهي كتاب القصص السحرية التي تشد إليها عيون الأطفال وقلوبهم ..وهي الحضن الذي يلجأون إليه من عصا الوالدين ؟ وهي الجيب المليء دائماً بالسكاكر والنقود والحكايات والأسرار ، إنها سر الطبيعة حيث يتجلى الغصنُ الذابل عن نسغه ليمنحه للغصن الغض الطري .. في انتظار الربيع القادم .

الواقع هو منهل الكاتب

* لك تجربة غنية مع الفنان الكبير ياسر العظمة من خلال مسلسله الشهير (مرايا ) كيف تعاملت مع قضايا المرأة في هذا العمل وهل هناك قصص وحكايات واقعية جسدتها في هذا السياق ؟

 

– مسلسل مرايا كما تعلم يعكس صوراً عميقة من الحياة مكثِّفاً الرؤيةَ على جراحنا وأمراضنا ، ومع أن الجانب السياسي يغلب على كثير من الحلقات التي قدمتها للفنان ياسر العظمة ولكنني قدمت عدداً من اللوحات التي تجسد معاناة المرأة بشكل عام، ففي لوحة ( نادرة ) مثلا قدمت صورة عن المرأة الفقيرة المتوسطة الجمال والتي تحلم أن يكون لها شاب تحبَّه وتتزوجه وتنجب منه الأطفال كبقية الفتيات .. وحين يفشل حلمها تلجأ إلى كتابة رسائل حب وهمية لنفسها ..

وفي لوحة اسمها ( ساعة نحس ) كان محور اللوحة امرأة عجوز وزوجها تركا بعضهما في ساعة نحس ، ولكنهما لم يستطيعا العيش بعد أن امتزج الروحان خلال فترة تعايش طويلة … وفي لوحة اسمها ( آخ .. آخ ) تحدثت عن المرأة التي تصِّر على حماية بيتها من الانهيار بعد أن مات زوجها وشل حادثُ سيارة جسدَ ابنها الشاب … كما عرضت حالة المرأة التي تنتابها الوساوس من عدم الحمل وترك الزوج لها، والمرأة التي تريد النجاح على حساب كرامتها .. إنها نماذج أخذتها من الحياة الزاخرة حولنا بآلاف القصص ، ومن الطبيعي أن يكون الواقع هو منهل الكاتب الأساسي ، ولكنه يعيد صياغته حذفا وإضافة لضرورة الفن الممتع .

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.