د. مصعب قاسم عزاوي  – في مقال بحثي تجاوز الـ15000 كلمة، فجّر الصحافي الاستقصائي ماثيو كول في صحيفة «ذي انتر سيبت» قنبلة صحافية مثّلت خلاصة اجتهاد مُعمَّق لمدة تجاوزت السنتين، تضمنت مقابلات مع ثمانية عشر عضواً سابقاً أو راهناً في مجموعة جنود البحرية رقم 6، التي عُرِفت إعلامياً وهوليوودياً، بأنها مجموعة «فعل المستحيل».

نجحت المجموعة فيما لم ينجح فيه غيرها، ألا وهو «إعدام» في باكستان في الثاني من مايو 2011، وتركزت بطولاتها حول شخص الجندي ، الذي زعم بأنه قام بقتل بن لادن وأنه «كان أول من تمكن من قتله بعد محاولته الاختباء وراء زوجته أمل» في إيحاء بجبن بن لادن وهلعه، ثم كيف تمكن أونيل من النيل منه بثلاث طلقات في رأسه أردته قتيلاً»، حسب مقابلته المشهورة والأولى من نوعها عقب مقتل بن لادن، في مجلة «إسكواير» عدد مارس 2013.

وحقيقة الرواية الأخيرة التي تمكن ماثيول كول بجهده الاستثنائي من توثيق زيفها لا تتمثل أساساً في أنها قصة ملفقة فقط لغرض الإثراء منها إعلامياً، وإنّما في تلخيصها منهجاً عاماً في عقيدة وسلوك الجيش الأمريكي، يقوم على إخفاء الحقائق وتزييفها دون أي رادع أخلاقي أو قانوني فعلي يلزم أيا من عناصر نخبة الجيش الأمريكي بقول الحقيقة والتصرف وفق أعراف الجيوش المحترفة، وليس «المافيات المنظمة» التي رأى الصحافي المجتهد انّها التوصيف الأكثر صوابية لبنية وسلوك فريق جنود البحرية رقم 6.

والقصة الحقيقية بحسب جهد ماثيو كول الاستقصائي هي أنّ أسامة بن لادن لم يحاول الاحتماء وراء زوجته ليتمكن روبرت أونيل من قتله برصاصات ثلاث في رأسه، وإنّما الحقيقة أنّ أونيل كان الشخص الثاني الذي وصل إلى غرفة نوم بن لادن في الطابق الأول بعد جندي آخر من المجموعة 6 نفسها، مازال يرفض الظهور إلى العلن، وهو الذي قام قبل أونيل بإطلاق رصاصتين في صدر وفخذ بن لادن، ليقوم من بعده أونيل بإطلاق ثلاث رصاصات انتقامية في جسد بن لادن الذي كان بالفعل قد فارق الحياة، في مخالفة لأبسط قواعد سلوك الجنود المحترفين في تجنبهم المطلق للتمثيل بجثث قتلاهم، كان آخرها يستحق التوقف المتأمّل فيه، فهي الطلقة التي شخصت «الرياضة» الدموية الشائعة بين «فناني القتل» من عناصر نخبة الجيش الأمريكي، والتي تدعى (الزورقة) وهي الترجمة الأقرب للكلمة الإنجليزية ( Canoe) التي تعني (الزورق المائي الصغير الذي يقاد بالتجديف)، والتي تستند إلى توجيه طلقة بزاوية معينة إلى جبهة القتيل على مسار جذر الأنف بحيث تفلع الطلقة جمجمة القتيل على شكل حرف V اللاتيني، فينبثق دماغ القتيل إلى خارجها. وهو ما تباهى به أونيل نفسه في المقابلة، سالفة الذكر، حين تبجح بأنّه بعد طلقته الأخيرة في رأس بن لادن رأى بأم عينه كيف كان «دماغ بن لادن يسيل منسكباً على كل وجهه». وهي «رياضة زورقة رؤوس الموتى» نفسها التي منعت الإدارة الأمريكية من نشر صور بن لادن بعد مقتله لبشاعتها ووحشيتها، التي لن يغيب تفسير كيفية حدوثها عن الخبراء والمختصين إن رأوها، فآلت تلك الإدارة عدم تسويق صور جسد بن لادن المهشم، دون أن تتخذ أي إجراء تحقيقي تأديبي بحق من «زورق» رأس ومثّل بجسد بن لادن، أو سواه من ضحايا ماكينة القتل الأمريكية، الذين لا نسمع بهم في الإعلام ما داموا من «البشر عديمي القيمة»، حسب توصيف الباحث التاريخي مارك كورتيس.

والمحور الاستنتاجي الثاني من مقال ماثيو كول البحثي يتعلق بكشف التضليل الإعلامي الذي قام به جون برينان كبير مستشاري الرئيس السابق أوباما نفسه لمكافحة الإرهاب آنذاك، بأنّ عملية النيل من بن لادن كانت بهدف «القبض عليه أو قتله في حال لم يكن الهدف الأول منها قابلاً للتطبيق عملياً»، ولكن اعترافات أعضاء الوحدة الخاصة رقم 6، التي قامت بالعملية أكدت زيف ذلك الادعاء، حيث كانت التعليمات واضحة لهم «بقتل بن لادن وجلب جثته»، دون تقديم أي خطة بديلة عن ذلك، في حال لم يقم بن لادن بمقاومة مهاجميه بالشكل الذي كان واقع الحال عليه. وهذا يحيلنا إلى تساؤل موضوعي جوهري، بغض النظر عن اختلاف القارئ أو اتفاقه مع شخص بن لادن وتاريخه، يتعلق بالتزام الولايات المتحدة بالقانون الدولي وقوانينها الفيدرالية والمحلية في كل الولايات المتحدة، التي تشترط أنّ المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة عادلة، تضمن حقّه في الدفاع عن نفسه، دون أن يكون لأي سلطة تنفيذية حق التغول على ذلك المبدأ، الذي يمثل عماد دولة القانون، وعنصراً أساسياً في منظومة الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، التي طالما كانت في مقدمة أدوات الدعاية التبريرية التي اتبعتها أمريكا لتبرير تنكيلها بالكثير من الشعوب التي ظلمتها، والتي قد يكون أكثرها حضوراً مأساوياً في ذهنية القارئ العربي المحزون أبداً، هو تبرير جورج بوش الابن لتهشيمه للعراق عقب انكشاف ذريعة حيازة نظام صدام حسين لأسلحة الدمار الشامل، بكونه غزواً من أجل «توطيد الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان».

بن لادن كان شخصية خلافية، ومبهمة جراء ملابسات وظروف تصدرها للفكر الراديكالي والجهادي، منذ خطيئة حرب الخليج الثانية، دون أن تفارقها في كل لحظاتها حقيقة أن كل ما قاله أو فعله بن لادن أو نسبه إلى نفسه أو أتباعه، لم يخدم العرب والمسلمين بأي طريقة كانت، وإنّما كان فقط على شكل هدايا متواترة لأعدائهم لتبرير تجريمهم كمجموعة عرقية وعقائدية، ومن ثمّ تسويغ تذرية مجتمعاتهم وأوطانهم، والاستيلاء على ثرواتهم، وتحويلهم إلى العدو الدائم الذي لابد منه، بعد اندثار الشبح السوفييتي، الذي لا يستطيع دونه «المجتمع الصناعي العسكري الحاكم الفعلي للولايات المتحدة» منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حسب توصيف الرئيس الأمريكي أيزنهاور نفسه، الاستمرار في سرمدية نهب ثروات الولايات المتحدة، والعالم من خلفها.

نعم لقد تمّ بن لادن وهو أعزل من السلاح، كما وَثَّق ذلك من قبل الصحافي سيمور هيرش في مجلة «لندن ريفيو أوف بوكس» في عددها الصادر في مايو 2015، و تمّ التمثيل بجثته بزورقة رأسه؛ وهو ما قد يكون انتقاماً من بن لادن لما نسبه إلى نفسه من جرائم، أو إسكاتاً لشريك الأمريكان أنفسهم في تصنيع المجاهدين الأفغان في الماضي القريب. وقد يستقيم الظن بأنّه لأمرٍ ما زورق الأمريكان جبهة بن لادن.

د. مصعب قاسم عزاوي  -كاتب سوري