منهج الإسلام في التوازن بين الشعائر والشرائع وفطرة الأمن الحيوي

الشعائر غذاء الروح وتهذيب الجوارح

الشعائر أسمى ما في الكون لأنها قضاء الله وتكليفاته لعباده ، فهي من الإله الخالق ، وهي لإرضائه ، وهي بحكمته وعلمه ، وهي لإشباع روح المخلوق من الإيمان بالله والإحسان في طاعته ، وهي من المخلوق إذعان وامتثال وطاعة ، وعندما يتفانى المخلوق المكّلف بها في أدائها ، ترتقي عند الإله إلى رضى وقبول وحب ، وهذا غاية ما يتمناه المخلوق في هذا الكون .

هكذا كانت الشعائر منذ تكليف الإنسان بها من قِبل خالقه ، ولا تزال ، وستستمر هكذا إلى أن يرث الله الكون وما فيه ، فالشعائر فاتحة حياة المخلوقات العاقلة المكلّفة ، وضابط ومنظم تلك الحياة ، والدافع لها إلى مستقر الرحمة في جوار الخالق العظيم حيث الحياة الخالدة الأبدية .

وفي سياق الحديث عن الشعائر سنجد ثمة مفاهيم تقترب من الشعائر إلى درجة التماس بل والتلاقي والعناق مثل المناسك ، ومثل العبادات ، ومثل الفرائض ، وكل هذه المفاهيم لها خصوصياتها الفكرية والمعتقدية والتعبدية والتفاعلية في الحياة ، بما يستوجب الإيضاح والتبيين .

والتكليف بالأفعال التعبدية لا يليق إلا بمن يستحق أن يقرّبه الله منه من مخلوقاته ، فالتكليف من الإله العظيم هو أرفع درجات التكريم والتفضيل ، فمن لا يُكلّف يتحول إلى كمٍ مهمل يؤدي مهمته في الكون بالأمر والطاعة .

إن استقبال الشعائر التي تضمنتها الرسالات وأداءها ، إقرار من المخلوق بوحدانية الإله ، والاستسلام له ، واتباع شرعه عن قناعة واختيار وإرادة حرة منفردة ، ويترك شكل وعمق استقبال الشعائر والتفاني والإخلاص في أدائها آثاره على ما تفضي إليه من تغيير في روح وجوهر الإنسان ، وكذا في مادته ومظهره ، وأخيراً في حركاته وسلوكاته في الكون والوجود .

إن المتأمل للشعائر والمدقق في تفاصيلها يستيقن من أنها تقود إلى التقريب من الله دون وساطة ، فرضاه هو المرتجى وثوابه هو المبتغى ، وذلك عندما يقترب المتعبد الناسك من الله وبخاطبه ويناجيه دون تحديد زمان أو مكان ، ودون الاستعانة بوسيط أو مرشد أو دليل !

ثم إن المردود النهائي لنتاج الشعائر في حالة أدائها برغبة صادقة وبتفانٍ يسبغ الجانب الروحي الأخلاقي العاطفي الوجداني من النفس البشرية ، فيعمق علاقتها بخالقها ، ويهذّب الجوارح ويشذّب الغرائز ، وتتجلّى آثاره في السلوكات الآدمية .

العلاقة بين الشعائر من ناحية ، وبين الجوارح والغرائز من ناحية أخرى ، جد قوية ، واعتمالها معاً عبر تلك العلاقة جد مثير ، وحري بالمتابعة .

فشعيرتا الصلاة والصيام يهذبان في النفس البشرية جوارحها وغرائزها المتجسدة في النهم إلى لذة المأكل ومتعة الفرج ، أما شعيرة الزكاة والصدقة فتهذب في النفس البشرية النهم إلى التملك وحب المال .

في حين أن شعيرة الحج تحوي التهذيب والتشذيب لجماع الجوارح والغرائز من أخلاق وعاطفة ووجدان وبدن ومملوك ومال .

وتنتهي الشعائر إلى مطافها الأخير حين يعم المؤمنين شعور بالمساواة التي تنزع من النفوس أثرة التميز المادي ، وتُحِل محلها شعوراً بالسكينة والطمأنينة .

إن الشعائر تفرض على المكلّفين الارتباط عبر أربع دوائر من العلاقات المتشابكة ، الدائرة الأولى هي العلاقة بالخالق ، حيث تعمّق وتوطّد التعرف إليه سبحانه ، حيث يقرّ له العبد بالألوهية ، ثم يفضي الحب إلى الطاعة التي تفضي بدورها إلى حسن  العبادة والإخلاص والتفاني .

أما الدائرة الثانية فهي العلاقة بالذات ، حيث تتيح الشعائر للمتعبد أن يتعرف على حقيقة ذاته ، فيأنس بها ، ويسالمها ، ويوازن بين روحها ومادتها ، ثم يحسن إليها ، ويسيّرها وفق منهج الله !

والدائرة الرابعة هي العلاقة بالناس ، التي تبدأ بالعلاقات داخل الأسرة ، ثم علاقة الرحم ، ثم العلاقة مع المسلمين ، واخيراً العلاقة مع غير المسلمين ، والشعائر تضع كل علاقة من هذه العلاقات المتشعبة في نصابها الصحيح ، وتمنحها الاهتمام الذي يتواءم مع مقدارها   ومكانتها .

ثم تأتي آخر الدوائر وهي العلاقات مع عناصر الوجود ، وهنا تؤسس الشعائر لتلك العلاقات من خلال ثلاثة مبادئ ، هي السلام والإحسان والإصلاح .

قد يعجبك أيضاً

تعليقات

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعنا

الأحدث