“وطن- كتب محرر الشؤون الأردنية – بمرسومين ملكيين حسم الملك عبدالله الثاني جدلية اطول حكوماته بقبول استقالتها ، وتكليف هاني الملقي القادم من رئاسة مجلس سلطة العقبة الإقتصادية الخاصة, بتشكيل الحكومة الرابعة عشر في عهد الملكية الرابعة، ليكون بذلك قد “خلف” والده فوزي الملقي بعد 63 عاما على أول رئيس وزراء في عهد الراحل الملك حسين, إلى جانب حل مجلس النواب السابع عشر لينضم إلى اثنا عشر مجلس برلماني من أصل سبعة عشر حُلت منذ بدء الحياة البرلمانية في البلاد.

 

1250 يوماً يترقب الشارع الأردني الشعبي والنقابي والخصوم البرلمانيين والسياسيين طلائع الدخان الأبيض ، وهو مصطلح ادرج مؤخراً في طوابق صالونات السياسية التي فتحت شهيتها القصاص من المعارض البرلماني العتيد عبدالله النسور إيذانا برحيله عن كرسي الحكومة بعد أن اعتلى سدتها بحقبتين رئاستين تشرين أول 2012، خلفاً للخصم السياسي القديم الجديد فايز الطراونة.

 

الحكاية من بدايتها…
العاشر من تشرين أول 2012 كلف العاهل الأردني ، النسور تشكيل أولى حكوماته وهو الذي غادر مجلس النواب السادس عشر ” المُحل ” في الثالث من تشرين الأول 2012 الذي فرضه واقع دستوري تمهيداً لعقد انتخابات مبكرة، قدر له فيها إدارة الخارطة الانتخابية البرلمانية للمجلس النيابي السابع عشر وفقاً للصوت الواحد الذي كان فيه من اشد معارضيه، الى جانب استحداث تعديل وفقاً لقوائم الوطن عوضاً عن الدوائر الوهمية التي قلبت المعادلة الانتحابية في المجلس المنحل.

 

آذار 2013 أعاد الملك الأردني تكليف النسور بتشكيل حكومته الثانية ، وهي أول حكومة برلمانية في تاريخ البلاد وفقاً لما تم تسميته في حينها بعد ان قبل استقالة الأولى، على إثر مشاورات موسعة قادها رئيس الديوان الملكي فايز الطراونة، مع النواب للتوافق على مواصفات وشخص الرئيس المقبل.

 

مع عودة النسور مجدداً, عبر حزبيين عن قلقهم بوصفهم إعادة التكليف مؤشر على مرحلة مقلقة ، بدأت بمقاطعة جماعة الإخوان وقوى حزبية نقابية الحياة السياسة البرلمانية عقب إقرار الصوت الواحد وأخرى احتجاجاً على شبهات سادت مسيرة المشهد البرلماني بعد عودتها مجدداً للبلاد 1989 والذي فرضته هبة نيسان التي انطلقت شرارتها من مدينة معان جنوبي المملكة.

 

وعلى الرغم من أن الوضع الاقتصادي في الأردن كان أحد أهم محركات المظاهرات الشعبية التي اطاحت بحكومة الرفاعي الابن سمير ، جنبا إلى جنب مع الشعارات السياسية، تنبهت أربع حكومات من أصل خمس تعاقبت على إدارة المملكة بعدم الاقتراب من الأسعار لا سيما أسعار المحروقات والمواد الأساسية أخذة بنصائح كثيرة منها أمني بأن مثل هذه القرارات ربما تفاقم الاحتجاجات وتوسع من انتشارها، رغم تذمر الحكومات من العجز المتفاقم بالموازنة.

 

سجل النسور مفاجأة البدء برفع أسعار المحروقات والغاز المنزلي بنسب بلغت 54 % وهو ما أدى إلى أوسع موجة احتجاجات في المملكة سجلت خلالها خروج أكثر من مائة مسيرة خلال ساعة واحدة ليلة 13 نوفمبر/تشرين الثاني، قبل ان تتمكن السلطات من تهدئة الشارع الغاضب وفقاً لمزاعم صرف الدعم الحكومي قبل ان تتذاكى فيه على المواطن بدءً من تقليص اعداد الفئة المستفيدة بذريعة املاك خاصة وانتهاءً بتوقفه بمزاعم انخفاض أسعار الخام النفطي عالمياً.

 

أطل المعارض البرلماني السياسي العتيد على الشارع الأردني الغاضب بخمس مقابلات ملتفزة منتقدا رفقاء الأمس الذين تحولوا إلى خصوم اليوم مع مديح وإطراء تغلب العاطفة فيه على الواقع الذي فرضه الربيع العربي بوعود السمن والعسل ” وقطف العنب” مقسماً أغلظ الايمان بانه لا يكذب خاصة وأنه تخطى اعتاب عقده السابع.

 

دخلت حكومة النسور عامها الأول بكشف حساب يخضع لمزاج حكومي غير معتاد، بقرارات حكومية قوبلت بسخط شعبي عارم جراء مزاعم حقبة إجراءات إصلاحية كانت جيوب المواطنين الأسهل لرفد خزينة وموازنة دولة بلغ الدين العام فيها 29.6 مليار دولار، وهي التي قدرت ابان التكليف نحو 19 مليار و 65 مليون دينار.

 

21 آب 2013 سجل النسور اول تعديل على حكومته ارتفع عدد المقاعد الحكومية بواقع سبعة مقاعد كانت حصة المرأة منها ثلاث مقاعد ، اصبح فيه اعضاء فريقه ” 27 ” بإضافة الرئيس الذي حمل حقيبة وزير الدفاع إلى جانب موقعه ، بعد أن كان الفريق الحكومي مكونا من 19 عضوا قبل التعديل.

 

الحقائب الستة والعشرون التي استقر عدد الوزراء عندها توزعت بين ثلاثة عشرة احتفظ بها اصحابها، ومثلها حقائب جديدة من نصيب ثلاثة وزراء سابقين وعشرة يشغلون الموقع الوزاري لأول مرة أبرزهم الوزير الحراكي المثير للجدل خالد الكلالدة ، فيما غادر الحكومة خمسة وزراء.

 

على وقع صخب تناغم قرارات النسور عبدالله السريعة والمفاجئة التي اعتاد الشارع الأردني عليها مساء الثاني آذار مارس وبعيدا عن صخب الصالونات السياسية وحالة المخاض الإعلامي، وربما هيأت الأوضاع لنفسها لإنقاذ التعديل بهدوء، وسط غموض وتكتم نجح فيه النسور بفرضهما على وسائل الإعلام ، ودون مشاركة أو استمزاج نيابي أجرى ثان تعديل حكومي عقب إقرار مناقشة الموازنة العامة للدولة في مجلس النواب، ودون حتى معرفة أرقام المصوتين.

 

ومن اللافت في حينه أن التعديل السريع جاء بأسماء جاهزة بما يؤشر إلى أنها متفق عليها سلفا، وكذلك الامر يتعلق بالوزراء الذين بقوا في مواقعهم بعد عملية تقييم لأداء فريقه استغرقت وقتاً وفقاً لمزاعم رئيس الولاية العامة المفترضة في البلاد.

 

وشمل التعديل طابع وزراء تكنوقراط في الغالب بعد خروج ثلاثة من اعضاء فريقه الوزاري، ودخول خمسة وزراء جدد من بينهم سيدتين جديدتين، لترتفع حصة المرأة في الحكومة إلى خمس سيدات، مسجلة بذلك سابقة هي الأولى في تاريخ الحكومات الأردنية.

 

وخالف التعديل التوقعات بعدم مغادرة وزير المالية أمية طوقان لمنصبه، بعد معلومات عن رغبته لمغادرة كرسي الوزارة منذ أكثر من ستة أشهر، بالإضافة لخيبة توقعات المراقبين المتطلعين الإعلان عن ضم وزيراً للدفاع، عقب مفاجئة احتفاظ النسور لنفسه بهذا المنصب إلى جانب رئاسة الحكومة.

 

وعلى وقع التقصير وغياب التنسيق الأمني الذي وفره البيان الحكومي الرسمي ليل 17 ايار 2015 اطاح بالمثلث الأمني دفعة واحدة ، لتوفير الغطاء لغضب العاهل الأردني قبول استقالة وزير الداخلية حسين هزاع المجالي قُبيل الإعلان عن إقالة مديري جهازي الأمن العام وقائد قوات الدرك، ادخلت تعديل جزئي ثالث اطل بالوزير القديم الجديد سلامة حماد مرة أخرى لحقيبة الداخلية ، الذي غادرها لاحقاً عقب إقرار مشروع التعديلات الدستورية الشهر الماضي وتكليف مازن القاضي خلفاً له في الوزارة السيادية.

 

اليوم وعقب 1250 يوماً يغادر النسور كرسي رئاسة الوزراء بحمولة ثقيلة ابرزها ارتفاع الدين العام الى 22 مليار و 817 مليون دينار ، بعد ان امضى أطول مدة في الدوار الرابع بعد رئيس الوزراء الأسبق علي ابو الراغب الذي بقي هناك لمدة ثلاث سنوات وثلاثة شهور وثلاثة أيام بعد ان خذلته مقولته الشهيرة التي لطالما كان يرددها على مسامع محبيه وخصومه ” إنه سيتخرج ” في إشارة لإتمام عامه الرابع فعاجلته الإرادة الملكية ليختفي بعدها نجمه السياسي.

 

وكان 11 رئيس وزراء تناوبوا على رئاسة الحكومات خلال حكم الملك عبدالله الثاني بقي النسور وابو الراغب نصف مدة توليه مقاليد الحكم، فيما تقاسم الآخرون بقيتها.

 

الجدير ذكره تعد حكومة إبراهيم هاشم الأولى المشكّلة في ثلاثينيات القرن المنصرم أطول حكومات الأردن عمرا، بعد بقائها في الحكم لمدة 1805 يوما ، تلتها حكومة الرفاعي الأب زيد التي استمرت في الحكم بـ1481 يوما قبل أن تطيح بها رياح هبة شعبية مهدت لعودة الحياة البرلمانية والديمقراطية بعد عقود من تغييبهما.

 

يذكر أن ثلاثة عشر مجلس برلماني من أصل سبعة عشر حُلت منذ بدء الحياة البرلمانية في الأردن بعد انتهاء الانتداب البريطاني وإجراء أول انتخابات لمجلس النواب في تشرين أول عام 1947، وفقاً لاستحقاق دستوري ملكي ، تعطلت معها الحياة الديمقراطية لسنوات على مرحلتين الأولى من العام 1974 وحتى العام 1984 وعودتها مجدداً في العام 1989 على وقع هبة نيسان التي اندلعت شرارتها من مدينة معان جنوبي العاصمة عمان.