أكّدت وسائل الإعلام ورجال السياسة القوة المتصلبة لإيران، وتتمثل في القدرات العسكرية والدور الذي يلعبه الجيش الإيراني في ، وهو جزء من مخطط التوسعي في المنطقة، ولهذا التأكيد مبررات.

ومع ذلك فإن التركيز فقط على القوة المتصلبة لإيران وقدراتها العسكرية ليس في محله، فتركيز دول المنطقة على هذا الجانب فقط يجعلهم يقعون في الشراك السياسي للحكومة الإيرانية؛ وهذا ما يريده علي خامنئي، المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، والقيادات العليا لفيلق حراس الثورة الإيرانية.

من المهم أن تأخذ الحكومة الموجودة في منطقة الشرق الأوسط القدرات العسكرية للجمهورية الإسلامية وفيلق حراس الثورة الإيرانية وفيلق القدس المتوسعين في سوريا والعراق واليمن على محمل الجد، لكن لا ننسى أن إيران تمارس مجهودات كبيرة غير عسكرية للتأثير في المنطقة، وتعمل جاهدة على دعمه من خلال مختلف الخطط لتوظيف .

ورغم أنه من المهم التأكيد على سلامة ونجاح الخطة الاستراتيجية للقوة الناعمة الإيرانية فإن هناك توجهات جديدة نحو تحولات تكتيكية، فالقيادات الإيرانية سعيدة ومستبشرة بالضجيج الذي يرافق توظيف قوتها العسكرية، خاصة نجاح الميليشيات الشيعية بفضل إطلاق الصواريخ التي تدعم مشروعها، حتى تحوّل أنظار المتابعين عن أهدافها لتوظيف القانون، من خلال التأثير وفرض سياسات محلية على دول الجيران.

أما من الجانب العسكري، فالقيادات الإيرانية تدرك جيدا أن لا قدرة لها على مجارات الجيش الأمريكي أو حتى بعض القوات في المنطقة، فالولايات المتحدة قادرة على تكبيد الجيش الإيراني خسائر فادحة وحتى تدمير بنيته التحتية في ظرف أسبوع. لذا، ومن خلال الأخذ بعين الاعتبار قدرة أمريكا، تواصل الجمهورية الإسلامية مخططها العسكري في هدف صرف الأنظار عن المشكل الحقيقي.

التلاعب بالقوة الناعمة

قبل كل شيء يجب أن ندرك أن مخطط القوة الناعمة الإيرانية طويل المدى. وهذا ما قاله لي أحد المسؤولين الإيرانيين، عن السبب الحقيقي وراء تمدد إيران في المنطقة في الوقت الحاضر رغم العقوبات والعزلة فقال: “دائما ما يصحب القوة الناعمة بعض الصبر”.

عندما أنشأت الجمهورية الإسلامية، لم يكن لها حلفاء في المنطقة، لكن في العقود القليلة الماضية عملت على السيطرة على العراق وسوريا ولبنان، وبالطبع عملت على وضع بعض الوكلاء لها في دول أخرى في المنطقة، مثل اليمن والبحرين. وإذا تواصل هذا التوجه، فإنه في ظرف 10 أو 20 سنة سيتضاعف عدد وكلاء إيران في المنطقة بشكل كبير.

قبل رفع العقوبات، ركّزت إيران جهودها أولا على التلاعب واستغلال شكاوى مجموعات تنتمي لدول الجوار، وبناء تحالفات معها، من خلال إقناعهم أنهم يتشاركون نفس التوجهات الأيديولوجية؛ مثل معارضة إسرائيل وحكومتها، ومساعدتهم على الإطاحة بالحكومات السنية بالإضافة إلى معارضة الولايات المتحدة.

لا تقتصر القوة الناعمة الإيرانية على الأمور اللا هوتية فقط بل تشمل الأيديولوجية أيضا، فطهران تعمل على توطيد علاقاتها مع وبناء تحالفات معهم، بهدف دعم تأثيرهم في منطقة الشرق الأوسط وللتدخل في الشؤون السياسية الداخلية لتلك الدول. للذكر، فإن إيران في الوقت الراهن تعمل على تشكيل تحالف قوي مع بعض المجموعات الكردية السنية من خلال إظهار أنها تشاركهم نفس المآسي.

بعد بناء تحالفات مع هذه المجموعات وتشكيل رأي عام موحد، تدعمهم إيران في أن يصبحوا قوة سياسية واقعية في تلك القوميات حتى توظفهم في عملية التأثير في الشأن السياسي، من خلال المؤسسات السياسية الشرعية، فإذا انهارت حكومة تلك القومية يأخذ وكلاء إيران مكانها، كما هو الحال في العراق.

وحتى لو لم تسقط الحكومة، فإن تلك الحكومة ستفكر مرتين حيال ردود فعل إيران. كما هو الحال مع الحكومة اللبنانية وحزب الله. والأكثر من كل هذا أن القوة الناعمة الإيرانية متعددة الطبقات ومتطورة جدا وتشمل عديد المؤسسات الحكومية.

كما تواصل إيران استخدام عديد الاستراتيجيات منها الثقافية والتعليمية والمؤسسات الدينية. نذكر هنا تدريبها لوجوه شيعية فاعلة من دول أخرى في مدينة “قم”، وإقامة آلاف المدارس الشيعية وتقديم المنح الدراسية للأجانب لتشجيعهم على دراسة التشيع في إيران.

وأيضا من خلال وضع برامج دراسية في دول أخرى، ودعم اللغة الفارسية والاستثمار في المؤسسات الإعلامية العربية والإنجليزية: مثل قناة براس تي في والعالم والكوثر، كما لا تتورع إيران في الاستثمار في الأفلام الدينية التي تدعم النسخة السياسية الإيرانية للإسلام.

من خلال كل هذا يتبين لنا أن القوة الناعمة الإيرانية تتميز بالتناسق والتنظيم الجيد، ورغم هذا فقد لا يتحقق ما تريده طهران بالضبط، والمثال: ما وقع مع حماس بعد نشوب توتر بين الطرفين.

كما رأينا في هذا التقرير فإن إيران تستخدم المقاربة الدنيا والقصوى للقوة الناعمة للتأثير على دول المنطقة، هذا قبل رفع العقوبات عليها. ولكن أولويات تغيرت بعد رفع العقوبات.

هافنغتون بوست -التقرير