“الجمهورية- وطن”- يؤدي الأهل دوراً بالغ الأهمية في حياة أبنائهم الحالية والمستقبلية من خلال التربية التي يلقّنونها لهم. فتربيتك لأطفالك اليوم قد تحدّد أيّ نوع من النساء والرجال سيكونون في الغد. لذا، احرصي على القراءة، والاطلاع على أصول التربية الصحيحة والمثمرة حتّى تضمني لهم مستقبلاً زاهراً. غالباً ما يعتقد الأولاد بأنّ تكليفهم بالأعمال المنزلية يعتبر كابوساً، وإن أحبّوا القيام بهذه الأعمال في الصغر فقط للتمثّل بالآباء والأمهات، إلّا أنهم لن يتوانوا عن لوم أمهم عندما يكبرون، خصوصاً إذا كانت تصرّ عليهم ليساعدوها في الجلي وتنظيف الغرف أو إزالة الغبار.

 

تكليف الأطفال بأعمال منزلية
ولكن تجدر الإشارة إلى أنّ الدراسات تثبت عكس ما يعتقده الأبناء. فقد كشفت دراسة أميركية أجريت في العام 2002 أنّ التزام الولد بثماني ساعات من الأعمال المنزلية أسبوعياً، يؤثر إيجاباً على نجاحه في المدرسة ويؤدي دوراً بارزاً في إطار دعم استقلاليته.

 

وتؤكد المشرفة على الدراسة مارتي روسمان أنّ مشاركة الطفل في الأعمال المنزلية منذ سنه الثالثة أو الرابعة هي من المعايير التي تحدّد نجاحه في المستقبل، وتؤثر إيجاباً على اندماجه بسهولة في المجتمع، واستقلاله الاقتصادي. ويبدو أنّ الاطفال الذين يشاركون أهلهم في الأعمال المنزلية يصبحون أكثر قدرة على الاعتماد على الذات عندما يكبرون، وعلى كبح الأنانية ومساعدة الغير.

 

فإذا كانت أمكِ تطلب منك القيام ببعض الأعمال المنزلية في صغرك، وما زلتِ تلومينها على ذلك حتى اليوم وتعتبرين أنّ طلباتها اتّسمت بالأنانية والقساوة، فهي لربما أفادتك من حيث لا تدرين وساهمت في تأسيس شخصيتك على نحو قوي مبني على أسس الشجاعة والاتّكال على النفس، ولا تتواني عن تطبيق المثل مع أبنائك لإفادتهم.

 

أصول التعامل في المجتمع
يعتبر عديدون أنّ تعليم الولد أصول التعامل في المجتمع وحضّه على الجرأة وبناء ثقته بنفسه، وزَرع مبادىء اللياقة في صلب تصرفاته ومساعدته على تحليل ما يدور من حوله بذكاء، يوازي العلم في المدرسة، أو يتفوّق عليه حتّى. فحنكة التعامل الاجتماعي تفتح للولد آفاقاً مستقبلية بعيدة، بينما يكبّله تلقينه مبادىء الخوف المفرط والخضوع الدائم والخجل المبالغ به. فماذا ينفع الإنسان لو مهما حَصّل من شهادات إن كان لا يجيد التعامل في المجتمع ومع الحياة؟

 

في إطار دراسة أجرتها جامعة ولاية بنسلفانيا وجامعة ديوك، تابع باحثون أكثر من 700 طفل أميركي من الروضة حتّى بلوغهم سنّ الـ 25 عاماً. وهدفت الدراسة إلى تقييم العلاقة بين المهارات الاجتماعية التي يكتسبها الإنسان منذ صغره في الصفوف الابتدائية ونجاحه في مرحلة البلوغ.

 

وتبيّن أنّ الأطفال القادرين على التفاعل بسهولة، والتعاطف مع الآخرين، وحَلّ النزاعات هم أكثر إمكانية على نيل شهادات والعثور على وظيفة بدوام كامل بعد انتهاء فترة الدراسة، مقارنة مع الأولاد ذات المهارات الاجتماعية المحدودة.

 

الأهل المتعلّمون
ويبدو أنّ المستوى التعليمي للأهل يؤثر في تطوّر الأطفال، لأنّ دراسة أميركية أجريت في العام 2009 تُظهر أنّ “مستوى تعليم الوالدين، عندما يكون الطفل في الثامنة من العمر مثلاً، يؤشّر بشكل ملحوظ على مستوى نجاحه الأكاديمي والمهني بعد مرور 40 عاماً”.

 

كما تؤكّد دراسة أخرى أجرتها عالمة النفس ساندرا تانغ في جامعة ميشيغان الأميركية أنّ “فرَص قيام الأولاد بدراسات معمّقة تعلو عندما تكون أمهاتهم حائزات على مستوى الدراسة الثانوية أو الجامعية”.

 

أمّ مرتاحة وفرحة
أنت تعتقدين بأنّ انهماكك الدائم في العمل يضمن مستقبلاً أفضل لأبنائك. فتنشغلين بالعمل خارج المنزل لجلب المال وداخله للطهو والاعتناء بالبيت. وإنّ كثرة الأعمال تجعلك عصبية وغير قادرة على الاستماع لأبنائك أو منحهم الوقت.

 

تذكّري، أنتِ تقدّمين صورة المَثل الصالح لأبنائك. فبحسب دراسة نشرتها صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية يؤثّر تعصيب الأمهات سلبياً على الأبناء ويزرع التشنّج في نفوسهم. أمّا الأهل الأكثر هدوءاً وفرحاً فينقلون الهدوء لأبنائهم ما يحقّق لهم حياة أسعد ومستقبلاً أفضل.

 

منحهم الوقت
إلى ذلك، يشكّل استعداد الأهل للاستماع لأبنائهم والتواجد بقربهم ومنحهم الوقت الكافي شرطاً أساسياً لنجاحهم. وتثبت دراسة أجريت في العام 2014 أنّ اهتمام الأهل بالطفل في السنوات الثلاث الأولى من حياته والتعامل معه بشكل جيد، وفَهمه، يبني شخصيته بشكل أفضل ويعزّز إمكانية نجاحه في الحياة والدراسة.

 

الأم العاملة
وصحيح أنّ عملك يسرقك لفترة طويلة من منزلك، إلّا أنّ الدراسات تشير إلى نمو الأطفال بشكل أفضل عندما تكون الأم عاملة. وتلفت دراسة أجرتها جامعة هارفرد إلى أنّ عمل الأم يحفّز الأطفال على الاجتهاد في المدرسة وعلى ترؤس مناصب يحملون فيها مسؤولية كبيرة على عاتقهم في المستقبل، كما توضح الأرقام أنّ أولاد الأم العاملة يحصّلون مردوداً مالياً يزيد بنسبة 23 في المئة عن الأمهات ربّات المنازل.